لقطة شاشة
الناصرة – “القدس العربي”:
يرى ثلاثة باحثين إسرائيليين في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب، إفرايم هليفي (رئيس موساد سابق)، ويورام شفيتسر، ومئير إلران أن تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) وبخلاف مزاعمه لا يتمتع بشعبية حقيقية لدى فلسطينيي الداخل ممن يشكلون أقلية عرقية معنية بأغلبيتها بالاندماج والاحتفاظ بهويتها الفلسطينية في الوقت نفسه لكنهم يحذرون من وجود أقلية أيديولوجية مناهضة لإسرائيل بقوة. وقال الباحثون الثلاثة إنه تم التعامل مع عمليتي بئر السبع (22 آذار/مارس) والخضيرة (27 آذار/مارس)، كعمليات لـ”داعش”، وذلك بسبب ميول وتوجهات المنفذين ومحاولاتهم الانضمام إلى صفوف التنظيم في الماضي.
واعتبروا أن هاتين العمليتين القاتلتين، قد أعادتا إلى النقاش العام أسئلة عن وجود التنظيم، التهديد الذي يشكله، هو ومَن يدعمه، في أوساط الجمهور العربي في إسرائيل، بالإضافة إلى حجم هذا التأييد للتنظيم، و”الإرهاب” بصورة عامة. وبالنسبة لهم فإنه رغم أن العمليتين في بئر السبع والخضيرة نُفذتا على يد مهاجمين لهم علاقة بـ “داعش”، وجزء منهم أيضا أمضى عقوبة في السجن لبضع سنوات بسبب هذه العلاقة، فإن هناك اختلافات بين العمليتين. ويعللون هذا التمييز بين العمليتين: “العملية في بئر السبع نفذها مهاجم منفرد، مسلح بسكين ومركبة، وعمل بصورة فردية دون أي مساعدة من المحيط، ودون أي إنذار مسبق.
المهاجم محمود أبو القيعان، بدوي من حورة، تحرك لدقائق طويلة قبل أن يتم تحييده على يد مواطنين، ونجح في قتل أربعة مدنيين. وفي وقت سابق أمضى في السجن أربعة أعوام في سنة 2016، بسبب محاولاته الانضمام إلى صفوف التنظيم، كآخرين من حمولة القيعان التي تُعد أكثر من 8 آلاف نسمة، وخرج منها بعض المقاتلين في التنظيم، أو دعموا أفكاره. أما عملية الخضيرة فبرأيهم تم تنفيذها على يد اثنين من العرب في إسرائيل، أبناء عم من سكان مدينة أم الفحم، أحدهما دخل السجن الإسرائيلي في وقت سابق، بسبب محاولته العبور إلى سوريا والقتال في صفوف تنظيم “الدولة”.
ويوضحون أن هذه العملية، وعلى عكس العملية الأولى، كانت منظمة ومخططا لها، وتم تنفيذها باستعمال السلاح، بالإضافة إلى كميات كبيرة من الذخيرة، كما تم خلالها استعمال السلاح الخاص بشرطة “حرس الحدود” التي قُتل من أفرادها خلال العملية وينبهون الى أن الاستجابة السريعة لقوات الأمن منعت عملية أوسع بكثير.
من أجل هدف دعائي
ويشير الباحثون الإسرائيليون الى أنه في هذه المرحلة لا توجد أي معلومات عن وجود علاقة بين العمليتين، باستثناء المحاكاة الممكنة التي حدثت ما بعد العملية الأولى وتأثر بها منفذو العملية الثانية، الذين لم يكن لديهم أي علاقة بجهات خارجية، وضمنها “داعش”.
ويقولون إن تنظيم “داعش” بدوره، لم يتبن أيا من العمليات إلا بعد عملية الخضيرة ويبدو تصرفه مشابها لما قام به خلال العمليات التي تم تنفيذها باسمه في الغرب، فاستغل العمليات التي حدثت في إسرائيل بهدف الدعاية الذاتية، على الرغم من عدم وجود أي علم مسبق بها، أو بنيات وتخطيطات مَن نفذها. ويوضح الباحثون الإسرائيليون الثلاثة أن فحص تدخلات سابقة لـ”الدولة” في نشاطات داخل إسرائيل يدلل على أن التنظيم لا يحظى بتأييد واسع في أوساط العرب من مواطني الدولة. ويدعمون مقولتهم هذه بالإشارة إلى أنه منذ تأسيس “الدولة الإسلامية” في سنة 2014، لم يزِد عدد المعتقلين، بسبب التأييد أو محاولة الانضمام إليها، عن المئة، وضمنهم هؤلاء الذين اعتُقلوا ما بعد العمليات الأخيرة. وعلى الرغم من محاولات الإعلام المقرب من التنظيم، وعلى رأسه النشرة الناطقة بـ اسمه، “النبأ”، لاستغلال “نجاح” العمليات من أجل نسب نشاطات واسعة للتنظيم في إسرائيل، فإن الحقائق تثبت أنه، وباستثناء الخطاب الحاد، لم يقم بتحويل أي موارد لنشاطات “إرهابية” واسعة في إسرائيل، وحتى بصورة نسبية، لما قام به هو والمقربون منه في مناطق أخرى في العالم.
ويمضي الباحثون الثلاثة في محاولة قراءة حقيقة انتشار “داعش” داخل أراضي 48: “حتى بعد العمليتين الأخيرتين، لا يبدو أنه يوجد أي تغيير في الاستراتيجيا العامة وسلم أولويات التنظيم إزاء إسرائيل. وفي النقاش الإعلامي الحالي للتنظيم، تظهر مجددا علاقته السلبية المتطرفة بالفصائل الفلسطينية، كحماس والجهاد الإسلامي، وحتى حزب الله. هذا على الرغم من أنهم وجهوا التحية إلى منفذي العمليات الأخيرة التي نسبت إلى “داعش”، وكذلك المهاجم من جنين الذي نفذ عملية بني براك في 29 آذار/مارس”. وينوهون الى أنه بصورة عامة، يدين “داعش” بحدة هذه التنظيمات ويتهمها بأنها شريكة لأعداء الإسلام، ويرى أن أفرادها كَفَرة، ويتهمهم بالمساعدة في ردع الجهاد الذي أراد القيام به ضد إسرائيل خلال القرن الأخير.
وحسب أقوال الباحثين الإسرائيليين الثلاثة فقد تمت إدانة موجة العمليات الحالية بشكل مباشر وواضح منذ البداية من الأحزاب العربية في إسرائيل والقيادة القُطرية للمجتمع العربي (لجنة المتابعة العليا)، ومجلس رؤساء السلطات المحلية، ومؤسسات المجتمع المدني فيما امتنعت “جهات عربية متطرفة” من الرد، وهذه إشارة منهم لعدم تعقيب الحركة الإسلامية المحظورة إسرائيليا برئاسة الشيخ رائد صلاح رغم أن بعض قادتها أكد أن فلسطينيي الداخل متفقون على أن نضالهم يندرج ضمن العمل السياسي فقط.
ويرى الباحثون أن التفسير الأولي للرد الواسع من جميع الأطراف تقريبا، هو التخوف من العودة إلى أحداث أيار/مايو 2021 – العنف بين العرب واليهود في المدن المختلطة خلال الحرب على غزة – ومن الضرر الذي سيحدث لروتين الحياة والتوجهات نحو ترميم الوضع الاقتصادي الاجتماعي، وخصوصا بعد فترة كورونا. كما قالوا إن المقاومة الحادة للعمليات التي نفذها مَن لهم علاقة بـ”داعش”، والتعامل معها على أنها عمليات “إرهابية”، تعود إلى حقيقة أن المجتمع العربي في إسرائيل، كأغلبية المجتمع الفلسطيني في مناطق السلطة الفلسطينية، وضمنه كوادر حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني، يعارض بشدة أيديولوجيا “داعش” وأي علاقة ما بين النضال الفلسطيني القومي والتنظيم.
ويتابعون قائلين: “يمكن القول إن المجتمع العربي في إسرائيل هو أقلية إثنية – قومية معتدلة وبراغماتية من ناحية سياسية واجتماعية. ويسعون لتعليل هذا التقييم بالقول إنه رغم التهميش الإسرائيلي لهم على مدار أعوام طويلة، واستمرار الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، من دون أفق لحله في المدى المنظور، فإن المجتمع العربي في الدولة العبرية لا يزال يمتنع عن تبني أي توجه إلى احتجاج عنيف، أو انتفاضة شعبية مسلحة شاملة، أو عمليات “إرهابية” ضد الدولة. ويوضوحون مستعرضين سلوك فلسطينيي الداخل منذ نكبة 1948 “تاريخيا، حدثت بعض الاحتجاجات الواسعة، التي كان بعضها عنيفا، لكنها ليست كثيرة نسبيا، نذكر منها يوم الأرض في آذار/مارس 1976، وأحداث تشرين الأول/أكتوبر 2000، بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، وانتفاضة الأفراد في سنة 2015، ومؤخرا أحداث أيار/مايو 2021، التي اندلعت في أعقاب التوتر الذي شهده المسجد الأقصى والقدس الشرقية”.
ويستذكرون ما شهدته هبة الكرامة في مايو/أيار الماضي بالقول إن إحدى أهم مظاهر العنف التي حدثت في أيار/مايو 2021، كان الضرر الذي لحق برموز الدولة وتشويش حركة السير وهو ما قام به بعض الشبان الذين لا ينتمون إلى أي تيار سياسي، وهم عاطلون عن العمل، بعضهم له علاقة بالإجرام المنظم، وكانت الهبة فرصة بالنسبة إليهم لتنظيف سمعتهم كمجرمين، من خلال الاندماج في عمل قومي”.
ويعتبرون أن امتناع المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل من المشاركة في أي أعمال “إرهابية” يبدو أوضح عند الأخذ بعين الاعتبار أن أبناءه يشكلون أهدافا مغرية جدا للتجنيد على يد الفصائل الفلسطينية وحزب الله، موضحين أن أهميتهم بالنسبة لحزب الله والفصائل الفلسطينية من هذه الناحية تكمن في العلاقات العائلية والاجتماعية والاقتصادية بسكان مناطق السلطة الفلسطينية وحيازتهم بطاقة هوية إسرائيلية، تساعدهم على الحركة بحرية ومعرفتهم لمناطق محددة لتنفيذ عمليات. ويشيرون إلى أنه على الرغم من احتمال هذا الخطر، فإنه لم يشارك إلا قلة من العرب الإسرائيليين في هذه العمليات.
الحياة المشتركة
ويقول هؤلاء إن تعريف المجتمع العربي في إسرائيل كأقلية غير عنيفة مرتبط أيضا بصورة أساسية بالمسار الطويل الذي مر فيه هذا المجتمع وتأثره بفكرة الحياة المشتركة مع المجتمع اليهودي الذي ربطه بالدولة والمجتمع اليهودي في مجالات كثيرة. ويتبنى الباحثون الثلاثة موقف إسرائيل الرسمي الرامي للدمج والأسرلة، بالزعم أن الأغلبية في المجتمع العربي ترى في الدولة دولتها، وهي معنية بالحفاظ على جنسيتها والحقوق فيها، وتحاول تعميق هذا التعاون وهذا كله، دون التنازل عن هويتها الخاصة، كأقلية سكان أصليين وجزء من الشعب الفلسطيني. ورغم الانفجار الكبير في أيار/مايو الماضي والذي سببه انتهاكات إسرائيلية للأقصى يضيف هؤلاء :”يمكن القول تقريبا أنه لم تكن هناك أي فترة كهذه الفترة، تدفع الظروف الموضوعية (الربيع العربي واتفاقيات أبراهام) المواطنين العرب إلى تقوية ارتباطهم بإسرائيل. انضمام القائمة الموحدة إلى الائتلاف الحالي، واستعداد أغلبية الأحزاب اليهودية للتعاون مع القائمة المشتركة، ودعمها لاندماج العرب، هي المؤشر الأوضح لهذا الاندماج، وانعكاسه على المجتمع اليهودي”.
وعلى غرار المؤسسة التي تقسم الفلسطينيين إلى أخيار وأشرار يشدد الباحثون على أنه في مقابل هذا التوجه المعتدل لأغلبية المجتمع العربي، هناك أيضا مجموعات متطرفة في أوساط هذا المجتمع العربي في إسرائيل، تنظر إلى هذا التوجه نحو الاندماج بسلبية مطلقة، وتعمل على إحباطه. ويقولون إنه على الرغم من أن الحديث يدور عن أقلية قليلة جدا، فإنه يتمتع بشعبية وتقدير عالٍ، في الأساس في أوساط الشباب ووسائل التواصل الاجتماعي. وللتدليل على مزاعمهم يقولون إنه، حسب استطلاع للرأي أجراه معهد “إكورد/ الجامعة العبرية في أيار/مايو 2022، فإن 87% من المستطلعين العرب رأوا أن منفذي العمليات مواطني الدولة لا يمثلون المجتمع العربي، و8% فقط قالوا إنهم يمثلونهم بصورة قليلة، وفقط 5% قالوا إنهم يمثلونهم بشكل كامل. ويعتبرون أنه من بين الفئة الأخيرة، يبدو أن هناك أشخاصا على استعداد للمشاركة في عمليات “إرهابية”، بهدف إحباط مسار الاندماج هذا أيضا. وفي الخلاصة يرجحون أنه فقط في حال ظروف استثنائية جدا، وتحولات عميقة يصعب تقديرها، يمكن أن تساعد أيديولوجيات عنيفة ومتطرفة، كداعش وغيرها، في الحصول على تأييد المجتمع العربي في إسرائيل وعلى غرار سياسات “العصا والجزرة” التي يستخدمها الاحتلال مع الفلسطينيين في الضفة وغزة. ويتابعون: “وهذا ليس الوضع القائم اليوم. لكن وظيفة الدولة هي العمل بإصرار لتقوية الأغلبية البراغماتية، وكذلك العمل على ردع الفئات المتطرفة العنيفة بكل الطرق القانونية الممكنة”.