كيف تقود تطلعات الحكم المدني الديمقراطي الحراك الشعبي في السودان؟

عمر الفاروق
حجم الخط
0

«لجان المقاومة القائدة للاحتجاجات في السودان» ربما تبدو هذه الجملة غامضة بالنسبة لأولئك الذين لا يتصلون بتفاصيل وتطورات المشهد السياسي في البلاد، خصوصاً بعد انقلاب 25 تشرين الأول/أكتوبر الماضي. في الوقت الذي توجد فيه قوى الحرية والتغيير ـ الائتلاف الحاكم سابقاً، كأحد الأطراف الرئيسة التي تقود الحراك المعارض ضد السلطة العسكرية الحاكمة في البلاد.
من جهتها، تقود قوى الحرية والتغيير، العمل المعارض، بحكم تركيبتها، على مستويين؛ سياسي: تقبل فيه التفاوض كمبدأ وفق شروط محددة. ومستوى آخر؛ يقوم: على رؤية لجان المقاومة السودانية في خلق عملية سياسية وفق شروط جديدة، تؤدي إلى حكم مدني ديمقراطي، لكنهما بطبيعة الحال يلتقيان، وإن بدرجات، في كونهما الجهتان اللتان تقودان الشارع.
منذ اندلاع الثورة السودانية في كانون الأول/ديسمبر 2018 وإطاحتها بنظام الرئيس المخلوع، عمر البشير في نيسان/أبريل 2019، بدأت التركيبة السياسية والفاعلون في التغيير بذلك الشكل الذي أنتج فاعلية سياسية جديدة كلياً في البلاد وصلت ذروتها بعد انقلاب 25 تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
عقب إسقاط نظام البشير، انخرط ائتلاف الحرية والتغيير ممثل الشارع وقتها، في مفاوضات مع المجلس العسكري، وبموجب اتفاق، تقاسما السلطة ضمن الحكومة الانتقالية لنحو 25 شهراً.
طيلة الفترة الانتقالية التي انتهت بالانقلاب، كانت العملية السياسية الرسمية، تدور في فلك القوى السياسية المدنية، والقوى السياسية المسلحة، والمؤسسة العسكرية، على اعتبار أنهم يعملون على إنجاز ما اتفقوا عليه، سواء في الوثيقة الدستورية أو اتفاق سلام جوبا، هذه العملية أبعدت إلى حد كبير الفاعليات والتنظيمات الشبابية من مشهد صناعة القرار، قاتلوا طيلة 25 شهراً لإسماع صوتهم، لكن بدون أن يستمع إليهم أحد.
أثناء الحكومة الانتقالية، بينما تفرغت الأطراف المنخرطة في أجهزتها، حيناً لتحقيق أهدافها، وأخرى، الوقوف في وجه أطراف تحاول إنهاء وجودها، عرفت الكتل الشبابية، أنه لا أحد مستعد لسماع رؤاهم المستمدة من شعارات الثورة نفسها (حرية، سلام وعدالة) فضلاً عن استمرار أنماط الدولة القمعية، في مواجهة احتجاجاتهم السلمية.
استمرت الاحتجاجات بغرض تحقيق مطالب معينة، بالتوازي مع ميلاد روح تنظيمية جديدة اهتمت ببناء التنظيمات القاعدية في أنحاء البلاد المختلفة، كما بدأت لجان المقاومة التفكير والعمل على أن تكون صوتاً منفرداً يعبر عن أهداف وتطلعات السودانيين، في طريق بناء دولة جديدة تُبنى على قاعدة شعارات ثورة ديسمبر.
رغم أنه قطع طريق الانتقال الديمقراطي نفسه في البلاد، إلا أن انقلاب 25 تشرين الأول/أكتوبر، من جانب آخر، أعاد تعريف العملية السياسية بشكل جذري وقاعدي بالنسبة للجان المقاومة السودانية، وحتى بالنسبة لقوى الحرية والتغيير بدرجة كبيرة.
صبيحة الانقلاب، خرج مئات آلاف السودانيين بأنحاء البلاد المختلفة للتنديد به ورفضه، حتى قبل أن يصدر بيانه، كان ذلك احتشاداً أولياً، لكنه كان مبدئياً في سياق عدم العودة إلى الحكم الشمولي والعسكري مرة أخرى.
بعد مرور ما يقارب 6 أشهر على انقلاب 25 أكتوبر، وعودة البلاد إلى حقبة الدولة القمعية، ما تزال لجان المقاومة السودانية تقود الاحتجاجات ضد السلطة العسكرية الحاكمة، لكن احتجاجاتها في المليونيات، تعد جزءاً يسيراً من خطوات سياسية غير مسبوقة قطعتها بعد الانقلاب.

اللاءات الثلاثة

على مستوى قيادة الاحتجاجات، رفعت لجان المقاومة السودانية، شعار (لا تفاوض، لا شراكة، لا مساومة) كموجه أساسي لبوصلتها السياسية حول طبيعة التغيير الذي تسعى إليه. من رحم اللاءات الثلاثة، ولدت شعارات جوهرية حددت كيف تنظر إلى مشروع الحكم في السودان، من خلال دعوتها إلى عودة العسكر لثكناتهم، بعيداً عن أي عملية سياسية في المستقبل، بعد إسقاط السلطة العسكرية الحاكمة.
رسمت الاحتجاجات، منذ انقلاب 25 أكتوبر، خريطة جديدة لمستقبل البلاد، رغم الثمن المدفوع، حيث قتل أكثر من 90 شخصاً خلال التظاهرات المناهضة له، واعتقل وجرح الآلاف، تستند تلك الخريطة على تجاوز ما حدث منذ سقوط نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، في نيسان/أبريل 2019 بابتدار مقاومة، تهدف إلى تحقيق تغيير جذري، يبدأ من القواعد الشعبية، حتى يصل إلى رأس السلطة. حيث كشفت الفترة الانتقالية في البلاد، هشاشة العملية السياسية التي كانت تجري، باعتبارها تغييراً فوقياً، أزيحت فيه الرؤوس الكبيرة، فيما عادت الدولة القديمة التي ثار ضدها السودانيون بكل أسرارها وأدواتها، كأن شيئاً لم يحدث.
مع استمرار تنظيم الاحتجاجات على مدى 6 أشهر من جانب لجان المقاومة، أصبح الخروج إلى الشارع يأتي في سياق مفهوم ومحدد، بإمكان أي متظاهر الإلمام بالهدف منه، بعدما باتت الشعارات والأهداف هي القائد الفعلي لمناهضة السلطة العسكرية الحاكمة.
فالشعارات والأهداف التي عُمدت بالدم والتضحيات، أصبحت عمود الحراك الشعبي، والمضمون الحقيقي للثورة السودانية.
كالعادة، في خضم كل أزمة سياسية، تأتي المبادرات الداعية إلى عقد تسويات، حيث ابتدرت بعثة الأمم المتحدة لدعم الفترة الانتقالية في السودان «يونيتامس» عملية وساطة بين المكون العسكري ورئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، تكللت بتوقيع اتفاق 21 تشرين الثاني/نوفمبر بين البرهان وحمدوك، لكن بعد أقل من شهرين استقال الأخير، وصارت المواجهة بين الشارع وقوى الحرية والتغيير من جهة والمجلس العسكري من جهة أخرى مفتوحة.
لكن، رئيس بعثة «يونيتامس» فولكر بيرتس، لم يفقد الأمل باستقالة حمدوك، في استعادة مسار التحول الديمقراطي، حيث أطلق عملية استشارات تهدف إلى تقريب وجهات نظر الفرقاء السودانيين، بينما انخرطت فيها قوى الحرية والتغيير، تحفظت لجان المقاومة عليها، متمسكة بلاءاتها الثلاثة لإحداث تحول جذري وفق رؤيتها.
مقابل تجنبها الانخراط في عملية استشارات فولكر، بدأت لجان المقاومة في تأسيس عمليتها السياسية، القائمة هذه المرة على الاشتغال السياسي المباشر، من خلال كتابة مواثيق وإعلانات سياسية، طرحت عبرها رؤيتها لكيف يحكم السودان، خلال فترة انتقالية جديدة.

بديل ديمقراطي

وسط زخم مناهضة السلطة العسكرية الحاكمة، تمكنت لجان مقاومة مدينة ود مدني (وسط) وتنسيقيات لجان مقاومة ولاية الخرطوم، في كتابة إعلاناتها ومواثيقها السياسية، لتنضم إلى إعلان مايرنو (جنوب) السابق لها. يأتي ذلك، في الوقت الذي، ابتدرت فيه السلطة العسكرية الحاكمة، حملات قمعية أشد ضراوة ضد لجان المقاومة السودانية، بالاعتقال والسجن والترهيب والملاحقة، على أمل إخماد الحراك الثوري ضدها.
أيضاً تعمل السلطة العسكرية الحاكمة، على تشكيل حاضنة سياسية لها، مقابل تلك القوى المعارضة لحكمها، في طريقها لفرض أمر واقع جديد، من خلال اتجاهها لتشكيل أول حكومة لها منذ انقلاب 25 أكتوبر، حسبما أشارت تقارير إعلامية، تستند قاعدتها على تلك الأحزاب التي كانت تشارك البشير الحكم لحظة سقوطه، ومن ثم المضي إلى الانتخابات المزمع عقدها في 2023 كخطوة أخيرة لتأكيد شرعيتها السياسية.
بالمقابل، تتوسع لجان المقاومة يوماً بعد يوم، في عملية توحيد أهداف العملية السياسية، من خلال توحيد مواثيقها السياسية، وجذب أطراف عديدة إلى طرحها، بما في ذلك قوى الحرية والتغيير، بالإضافة إلى النقابات ومنظمات المجتمع المدني، لخلق بديل ديمقراطي يعيد تصحيح عقود من الحكم غير الرشيد، على الأقل هكذا تأمل وتعمل.
بينما الصراع يمضي قدماً، وبلا جدوى ظاهرة وسط السلطة العسكرية الحاكمة، فإنه بالمقابل، يتسع المستقبل أمام رؤية لجان المقاومة السودانية، بإحداث تغيير من القاعدة إلى القمة، يتواطأ فيه الجميع على أن الشعب، هو منبع السلطة والمشرع والمشرعن الأول والأخير لها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية