باريس»-القدس العربي»: مثلت الانتخابات الرئاسية، الـ11 بالاقتراع العام المباشر للجمهورية الخامسة الفرنسية، التي جرت جولتها الأولى يوم العاشر من شهر نيسان/ابريل الجاري وستقام جولتها الثانية يوم الرابع والعشرين من الشهر نفسه، مرحلة جديدة في تفكك المشهد السياسي الفرنسي، الذي تم تنظيمه في الأصل منذ عام 1965. فبعد عقود من نظام التناوب بين الحزب الاشتراكي والحزب اليميني الديغولي، يبدو أن وصول الوسطي إيمانويل ماكرون إلى السلطة في عام 2017 دفع «مراكز جاذبية» المعارضة إلى أقصى اليمين وأقصى اليسار، وهو ما أظهرته نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم الأحد المنصرم، والتي أكدت صعود التيارات الراديكالية، الأمر الذي يضع هذا النظام الموروث من دستور الجمهورية الخامسة على المحك.
وبعد حملة فشلت في إثارة حماس الفرنسيين وإن كان مستوى الامتناع عن التصويت أقل من المتوقع، حيث لم يتجاوز الرقم القياسي الذي تم تسجيله في رئاسيات عام 2002، واصلت الانتخابات الرئاسية الثانية عشرة للجمهورية الخامسة إعادة تنظيم المشهد السياسي الفرنسي، حيث تركزت الأصوات المرتفعة لصالح ثلاثة مرشحين: الرئيس المنتهية ولايته الوسطي إيمانويل ماكرون الذي حصل على نحو 28 في المئة من الأصوات، ثم اليمينية المتطرفة مارين لوبان التي حصدت نحو 23 في المئة من الأصوات، واليساري الراديكالي جان ليك ميلانشون الذي حصل على نحو 22 في المئة من الأصوات، متبوعا باليميني المتطرف المثير للجدل إريك زمور، الحاصل على نحو 7 في المئة من الأصوات. في المقابل، مُني حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي والحزب الاشتراكي بهزيمة تاريخية، أتت لتؤكد تلك التي تعرضت لها قبل خمس سنوات في الانتخابات التي أتت بالوسطي الشاب إيمانويل ماكرون إلى سدة السلطة.
خريطة سياسية جديدة
أفرزت رئاسيات عام 2022 وبشكل واضح عن توزيع جديد يعمل حول قطب مركزي يشغله الرئيس الوسطي المنتهية ولايته إيمانويل ماكرون، الذي حسن نتيجته لعام 2017 بمقدار 4 نقاط، محاطا بكتلتين احتجاجيتين بقيادة مارين لوبان، مرشحة حزب «التجمع الوطني» (23.41 في المئة) على أقصى اليمين وجان ليك ميلانشون (21.95 في المئة) على أقصى اليسار. وبجمع أصوات إريك زمور، مرشح حزب «الاسترداد» اليميني المتطرف، ونيكولا ديبون إينيون، مرشح حزب «قفي يا فرنسا» اليميني المتشدد، فإن مجموع أصوات أقصى اليمين هو 32.53 في المئة من الأصوات، بينما يمثل إجمالي الأصوات على اليسار 30.58 في المئة. وعليه، يمكن القول إن المشهد السياسي الفرنسي تمت إعادة تعريفه حول ثلاث قوى سياسية: كتلة توحد يسار الوسط ويمين الوسط، يجسدها إيمانويل ماكرون، وأخرى تمثل اليمين المتطرف، بقيادة مارين لوبان، وثالثة يسارية راديكالية، يجسدها جان ليك ميلانشون.
يشكل هذا الواقع الجديد الذي أفرزته الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي جرت يوم الأحد الماضي، زلزالا مزدوجاً بالنسبة للتشكيلتين الفرنسيتين الرئيسيتين اللتين هيمنتا على غالبية الحياة السياسية للجمهورية الخامسة منذ عام 1958: الحزب الاشتراكي وحزب «الجمهوريون» اليميني الديغولي. حول هذه النقطة يقول الباحث السياسي الفرنسي غايل بروستير في تصريح لإذاعة «فرانس انتر» الفرنسية: «بدأنا في تفكك وإعادة تشكيل الحياة السياسية الفرنسية منذ عام 2017 مع صعود الماكرونية (نسبة إلى ماكرون) وانهيار الحزب الاشتراكي. وشهدنا الأحد الماضي الموسم الثاني، مع تأكيد تفتيت الحزب الاشتراكي، وتفكك حزب الجمهوريين الذي يعد الركيزة التاريخية الثانية للمشهد السياسي الفرنسي».
« الديغوليون» بين التفكك والإفلاس
فمع أقل من 5 في المئة من أصوات الناخبين، يفقد حزب «الجمهوريون» اليميني الديغولي بالتأكيد مكانة الحزب الرئيسي. علاوة على ذلك، فإن رحيل الشخصيات المؤثرة داخل الحزب الذي بدأ مع وصول إيمانويل ماكرون إلى سدة الحكم قبل خمس سنوات (إدوار فيليب، رئيس الوزراء السابق. جان كاستيكس، رئيس الوزراء الحالي. برونو لومير، وزير الاقتصاد الحالي. جيرار دارمانان، وزير الداخلية حاليا وأيضا كريستسان استروزي، عمدة نيس. وغيرهم. حتى الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي يبدو أنه يميل أكثر لدعم ماكرون) مرجح أن يتضاعف، ما قد يؤدي إلى ذوبان وزن الحزب داخل الجمعية الوطنية كالثلج تحت أشعة الشمس، على ضوء الانتخابات التشريعية التي ستشهدها البلاد في الفترة ما بين يومي الثاني عشر والتاسع عشر من حزيران/يونيو المقبل.
وفي الوقت الذي يبدو فيه أن حركة الرئيس إيمانويل ماكرون «الجمهورية إلى الأمام» باتت اليوم متموضعة في الوسط، وأصبحت خاصة ممثلة ليمين الوسط في فرنسا، فإنه من المحتمل أن يكون حزب «الجمهوريون» محل حرب داخلية عنيفة بين جناحه المتشدد وجناحه المعتدل، على خلفية الانسحابات المتتالية لشخصياته المعتدلة الرئيسية نحو حركة إيمانويل ماكرون «الجمهورية إلى الأمام» أو نحو الوافد الجديد حزب «الأفق» الذي أسسه إدوار فيليب.
على اليسار، واصل الحزب الاشتراكي انهياره الذي بدأ منذ عام 2017 مع قرار الرئيس الاشتراكي فرانسوا أولاند عدم الترشح لفترة رئاسية ثانية على خلفية التراجع القياسي لشعبيته والانقسام الشديد داخل حزبه، ثم حصول مرشح الحزب حينها بنوا آمون على نحو 6 في المئة من أصوات الناخبين في الجولة الأولى من الانتخابات. وأتت النتيجة التي حصلت عليها مرشحة الحزب آن هيدالغو في اقتراع يوم الأحد الماضي بحصولها على 1.7 في المئة من الأصوات لتؤكد انهيار هذا الحزب العريق، على غرار حزب «الجمهوريون» بعد تعاقبهما على السلطة والهيمنة على البرلمان على مدى عقود متتالية.
وفي سابقة من نوعها، فشل الحزبان التقليديان العريقان من الوصول إلى 5 في المئة من أصوات الناخبين، وهو السقف المطلوب لسداد نفقات الحملة الانتخابية بالنسبة للمرشحين للانتخابات الرئاسية الفرنسية. وسارعت مرشحة حزب «الجمهوريون» فاليري بيكرس، التي حصلت على 4.8 في المئة من الأصوات، إلى الإعلان أن الوضع المالي لحزبها في حالة مقلقة، وأنها هي شخصياً مديونة بنحو خمسة ملايين يورو، مطلقة نداءً وطنياً للتبرعات. ومن شأن هذه الأزمة المالية أن تلقي بظلالها بقوة على حملة الحزب في الانتخابات التشريعية المقبلة، والحزب يواجه أصلا هجرة مجموعة من قياداته التي توصف بالمعتدلة.
رغم النتائج: بعض المفارقات
رغم النتائج التي أسفرت عنها الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية لعام 2022 إلا أن ثمة مفارقات توقف عندها المراقبون والمحللون السياسيون في فرنسا. أولى هذه المفارقات، أن مارين لوبان، رغم وصولها إلى الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية واحتمال وصولها إلى سدة الحكم يوم الأحد المقبل، فهزيمتها متوقعة بنسبة كبيرة، ويرى مراقبون أن من شأنها أن تضعف قيادتها التي سبق وأن كانت موضع شك داخل حزبها، الذي انضمت شخصيات منه إلى حزب زمور. ويعتبر محللون أن عدم حصولها على أكثر من 40 في المئة من الأصوات في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية يوم الأحد المقبل قد يفقدها المزيد من الثقة داخل معسكرها. كما أن بروز إيريك زمور، الأكثر تطرفاً منها، على الساحة السياسية مع حزبه حديث النشأة «الاسترداد» الحاصل على المرتبة الرابعة بحوالي 7 في المئة من الأصوات في أول استحقاق يخوضه، يعني أنه أصبح لدى لوبان الآن منافس لاذع.
المفارقة الثانية، جان ليك ميلانشون باعتباره الفائز الأكبر على اليسار، حصل على نتيجة كان يحلم الحزب الاشتراكي في الحصول عليها في 2002 أو 2017 لكنها لم تكن كافية لوصوله إلى الجولة الثانية في مواجهة إيمانويل ماكرون. ومع أنه يفخر بكونه بنى قوة سياسية خلفت الحزب الاشتراكي الذي كان منتمياً إليه ذات يوم، إلا أنه مع ذلك لا يخطط للترشح مجدداً للانتخابات الرئاسية. وبالتالي فإن مراقبين ومحللين يرون أن القوة التي يجسدها ميلانشون، البالغ من العمر 70 عاماً، مهددة بالتفكك.
ثمة مفارقة أخرى، تتمثل في كون حزب «الخضر» أنصار البيئة تلقى هزيمة في صناديق الاقتراع، لكنه فاز في معركة الأفكار. فرغم حصول مرشحه يانيك جادو على 4.6 في المئة فقط من الأصوات في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، مع أن هناك حالة طوارئ مناخية وتغطية إعلامية كبيرة حول الوعي بالتحدي البيئي، إلا أن الحزب فاز بمعركة الأفكار، مع تخضير حقيقي للبرامج، لدرجة أن الناخبين فضلوا البرنامج الكامل ولكن الأخضر للغاية لجان ليك ميلانشون أو لإيمانويل ماكرون بدرجة أقل. وتعد الانقسامات الداخلية من أسباب فشل هذا الحزب، الذي حقق انتصارات مهمة في الانتخابات البلدية الأخيرة. كما أن المشروع المجتمعي المقترح يغطي فقط الموضوعات البيئية والاجتماعية.
تطلع إلى أصوات اليسار
للوصول إلى الإليزيه
قبل أسبوع من موعد الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية ومعرفة ساكن الإليزيه في السنوات الخمس المقبلة، يبدو إيمانويل ماكرون في موقع قوة لإعادة انتخابه، بعد أن قام بتحسين درجاته لعام 2017 على عكس كل من سبقوه (نيكولا ساركوزي، فاليري جيسكار ديستان، إلخ). فرغم السخط الكبير على سنواته الخمس في الحكم، إلا أن ذلك لم يؤثر عليه في صناديق الاقتراع، وإن كانت استطلاعات الرأي تتوقع فوزه على مارين لوبان يوم الأحد المقبل، بنسبة تتراوح بين 53 و55 في المئة، وهي أقل بكثير مما حققه أمامها قبل خمس سنوات بفوزه بنسبة 64 في المئة مقابل 36 في المئة لمارين لوبان. كما أن هناك غموضاً، خاصة، حول نسبة المشاركة وكيفية تصويت الناخبين الذين أيدوا جان ليك ميلاشنون، الحاصل على نحو 22 في المئة في الجولة الأولى يوم الأحد الماضي. وهذا ما يفسر تطلع ماكرون ولوبان، نحو اليسار لاستقطاب ناخبي ميلانشون، الذين بإمكانهم إحداث الفرق في الدورة الثانية يوم الأحد المقبل.
وأياً كانت النتيجة يوم الأحد المقبل، فإن من الواضح أن المشهد السياسي الفرنسي يتجه إلى الانقلاب رأساً على عقب في الأشهر الستة المقبلة، على ضوء النتائج التي أفرزتها صناديق الاقتراع يوم الأحد الماضي وفي ظل التحديات الجديدة ولوحة الشطرنج السياسية التي أعيد تشكيلها، مع بروز فاعلين جدد على غرار إريك زمور .