بيروت ـ «القدس العربي»: تشكل الأسيرات والأسرى في فلسطين المحتلة حالة قائمة بذاتها، ضمن وضع فريد يعيشه الشعب الفلسطيني منذ الاحتلال سنة 1948 ولهذا لهم يوم هو 17 من شهر نيسان/ابريل من كل عام.
شعب وحيد من بين شعوب العالم طُرد من أرضه، وأتى آخرون من أصقاع شتى ليسكنوا منازلهم. الشعب الفلسطيني هو الوحيد المحتل والمستعمر، ويعاني من الاستيطان الإحلالي. مقاومة المحتل في فلسطين متواصلة، وهو يلجأ لكافة اشكال القتل والتنكيل والإرهاب والأسر.
اعتقلت اسرائيل في فلسطين حسب تقرير لمؤسسات حقوقية فلسطينية في كانون الأول/ديسمبر من العام 2021 بحدود 8000 آلاف على مدار العام، بينهم 1300 قاصر وطفل و184 إمرأة. وحسب التقرير بلغ عدد الأسرى 4600 منهم 34 أمرأة وبينهن فتاة قاصر. وبلغ عدد المعتقلين الأطفال والقاصرين 160. وعدد الأسرى المرضى 600. وفي سجون الاحتلال 25 أسيراً قبل أوسلو. وعدد المعتقلين الإداريين 500. وعدد الأسرى المحكومين بالمؤبد 547 منهم عبدالله البرغوتي الذي صدر بحقه 67 حكماً مؤبداً.
في سجون الاحتلال إخوة معتقلون وقد يصل عددهم لـ4 أو 5 وكذلك آباء وأبناء. للحركة الأسيرة في فلسطين حكاية بطول معاناة شعب على مدى قرن من الزمن. خصصت بيوم على صعيد الوطن، وهذا العام كانت لها تحية من بيروت عبر معرض فنّي خلّد بطولات هؤلاء المقاومين بالريشة، والقلم والصورة والمطرقة والفيديو والخيط والقهوة والملعقة. إنه معرض «تحية لأسيرات وأسرى الحرية» والذي افتتحته مؤسسة الدراسات الفلسطينية في مقرها في الأول من نيسان/ابريل الجاري. مع قيمة المعرض والكاتبة رنا عناني هذا الحوار:
○ في معرض «تحية لأسرى وأسيرات الحرية» كانت المفاجأة من الأسرى الذين عبروا بالرسم عن السجن. الشيخ رائد صلاح وحاتم غرايبة. فنياً كيف تقرأين ما اخترته لهما؟
•كان الهدف أن تكون لهما مشاركتهما في المعرض ومن خلال تجربتهما في الأسر. فالشيخ رائد صلاح وحاتم غرايبة ليسا فنانين، بل عبّرا بالرسم خلال الأسر عن الذات وعن ظروف السجن القمعية. إنتاج الفن خلال الأسر موضوع يستحق أن يسلط عليه الضوء. من الصعب جداً أن تخرج نتاجات الأسرى الإبداعية من أسوار السجن، وإن حدث فعبر التهريب. قيمة هذه الأعمال أنها وليدة السجن. هناك سجناء يواصلون إنتاج الفن بكل الطرق المتاحة لهم. ونحن نعلم أن الألوان والورق وغيرها ليست في متناولهم. يُنتج الأسير بما هو متاح أمامه، من محتويات المعرض على سبيل المثال بطاقتين للأسير الفنان أمجد غنّام أرسلهما لذويه رسمهما من القهوة. وهو وافق مشكوراً على ضمّهما للمعرض. وفي المعرض أعمال لبشّار الحروب وهي عبارة عن حفر وخربشات على جدران سجن الفارعة.
○ وصلت إلى بيروت صور فوتوغرافية عن تلك الخربشات. هل من حكاية خاصة بذاك السجن؟
•تجربة بشّار الحروب تختلف عن سواها. فبعد اتفاق أوسلو انسحبت قوات الاحتلال من سجن الفارعة الواقع في منطقة جنين، وتركته للسلطة الفلسطينية. ذاك السجن له وقعه في الذاكرة الفلسطينية، فقد اُسر فيه كثيرون ولفترات زمنية طويلة. تعرّض الأسرى للتعذيب المتعدد الأشكال. عندما استلمته السلطة قررت ترميمه وتحويله إلى مركز شبابي. قبل مباشرة عملية الترميم قصد بشّار الحروب السجن ونقل الآثار التي حملتها الجدران. وهي رسومات انجزت باليدين، أو بالأظافر وكافة السبل التي توفرت للسجناء. نقلها على ورق الغرافيت الذي يشبه الشمع. فيما بعد تمّ ترميم المبنى واختفت كافة الآثار التي حملتها جدرانه كسجن.
○ وما رأيك بما حدث هل هو تصرف سليم ومنطقي؟
•كقيمة لست معنية بذلك. كثير من الأماكن وبخاصة داخل المدن انسحب منها المحتل وكانت سجناً أو مكاناً للتعذيب، وهي بالأساس تعود لحقبة الاستعمار البريطاني، ومن ثم استخدمها الاحتلال، والآن تستخدمها السلطة الفلسطينية. بعضها تمّ هدمه وبعضها الآخر تمّ ترميمه وتُستعمل كمراكز إدارية حكومية. برأيي كشخص أن أماكن كما سجن الفارعة كان يفترض أن يبقى شاهداً، وترميمه بأقل الممكن بحيث يتاح للناس مشاهدة ما بداخله. فهذا السجن بحد ذاته يشكل عملاً فنياً أو متحفاً يوثّق تجربة الأسر.
○ يبدو أن اللوحات التي نشاهدها في بيروت تحمل الكثير من الحكايات؟
•بالتأكيد. وإضافة إلى بشّار الحروب، عاهد إزحيمان شارك في المعرض بمجموعة من الصور الفوتوغرافية. عاهد فنان وأسير سابق، وهو استوحى مشروعه من خلال تجربته في الأسر وأسماه «بوسطة». إنه اسم سيارة السجن المصنوعة من الحديد البارد شتاء والحار صيفاً. وفي هذه السيارة يتم نقل السجناء لدى تبديل السجن، أو إلى المحكمة، أو الى المستشفى. سيارة فارغة بدون مقاعد يُرمى الأسرى داخلها مقيدون غالباً. للسيارة نافذة صغيرة، ومن يتمكن من الوقوف سيرى الطبيعة الفلسطينية، وهذا ما صوّره عاهد الذي أفصح عن خط سيرها، ومكان وقوفها. صوّر تلك المناطق وكأن الأسير ينظر إلى الطبيعة الفلسطينية.
○ موضوع الأسرى والأسيرات من عمر الاحتلال كيف يمكن حصر معرض بهذا الاتساع لتسهيل البحث؟
•ليس هدف المعرض توثيق مرحلة زمنية بقدر ما يهدف لعكس تجارب فنية تنقلنا إلى حالات محددة. نحن نتخيل الأسر ونتذكر أسرانا. لكن الأسرى يمضون سنوات وسنوات في الأسر بدون أن يسأل عنهم سائل، وبدون معرفة تفاصيل حياتهم اليومية، فهم لهم قضاياهم. المؤسف أنهم مغيبون بشكل كامل، رغم أهمية ظهور جغرافيا الحركة الأسيرة للشعب الفلسطيني. بالطبع أرض فلسطين مقسمة، ونحن كشعب يعيش في أرضه ويتعامل مع موضوعات مختلفة، وهذا ما حكى عنه عبد الرحيم الشيخ. نحن نتعامل مع الضفة الغربية، وقطاع غزة ومناطق الـ48 ولا بدّ من إضافة جديدة للجغرافيات الفلسطينية هي جغرافيا الأسر والأسرى. فهذه الجغرافيا الإنسانية مغيبة جداً عن القصص وعن حياتنا كفلسطينيين. نحن نفكر بفلسطينيي الشتات، والمخيمات والضفة والقطاع والـ48 لكننا لا نفكر بوجود أسرى في سجون الاحتلال. في معرض «تحية لأسرى وأسيرات الحرية» كان الهدف إبراز هذه القضية.
○ هل من سردية خاصة يمكن أن تروى في سياق في تنظيم هذا المعرض ووصول الأعمال إلى بيروت؟
•تمّ ذلك على مراحل. لم تواجهنا مصاعب يمكن ذكرها في نقل الأعمال إلى بيروت. ولا بد من الإشارة أننا لو كنا حيال مساحة أوسع لشارك المزيد من الفنانين في هذا المعرض. فهو جمع أعمالاً لـ30 فناناً وهذا ليس بقليل.
○ هل ستعود بعض هذه الاعمال إلى مؤسسة الدراسات الفلسطينية لتصبح من مقتنياتها؟
•صحيح بعض الفنانين تبرعّوا بأعمالهم للمؤسسة. والجديد أن مؤسسة الدراسات بدأت تعمل منذ فترة ليست بعيدة على وقفية فنية. وفي الواقع التجاوب رائع من قبل الفنانين الفلسطينيين والعرب ومن العالم. إنها حملة تضامن فنية كبيرة مع فلسطين. معرض «تحية لأسرى وأسيرات الحرية» جزء منه مشاركة، وجزء آخر كبير تبرّع.
○ وماذا عن برونزية السجين تحت التعذيب هل ستعود إلى صاحبها في العراق؟
•منحوتة الفنان سيروان بران من الأعمال الأولى التي قُدمت تبرعاً للمؤسسة. سيروان بران فنان عراقي كردي يعيش في بيروت، وهو أراد من خلال منحوتته هذه تجسيد التعذيب بشكل عام خلال السجن.
○ ما الذي حتّم اختيار عمل منذر جوابرة ليكون بوستر المعرض؟
•تقول ضاحكة: سؤال صعب قليلاً. بالنهاية تحتّم الضرورة اختيار عمل واحد يسلط الضوء عليه. يجمع عمل منذر جوابرة عناصر متعددة معاً. استخدم الصوف الذي عادة يزود به السجناء لنسج ما يرغبون بهدف قتل الوقت. خيوط الصوف الطولية كما وضعه جوابرة على لوحته ترمز للوقت. ولوحته هذه مرفقة بفيديو عن إنسان وحيد في غرفة مغلقة ينسج ويفك ما نسجه مراراً وتكراراً، مما يوحي بقساوة الوقت داخل السجن. الوقت داخل السجن يختلف تماماً عن الوقت خارجه. قياس الوقت لدى الأسير ليس الساعة التي نعرفها، فقد يمضي سنوات في ظلمة دامسة لا يعرف ليله من نهاره. ولا ننسى العمر الذي يتلاشى خاصة لمن يُسجنون 30 و40 سنة. ومن يدخلونه أطفالاً ويخرجون كباراً. ومن يدخلونه شباباً ويخرجون هرمين. انه مفهوم الوقت الذي تناوله جوابرة من جوانب مختلفة. وخلف خيوط الصوف الطولية يتأرجح أحدهم وعيناه مغمضتان. الأرجوحة لها صلة بالوقت، كما أنها ترمز إلى الأطفال الأسرى، والذين هُتكت طفولتهم في الأسر. مجموعة العناصر التي جمعتها لوحة منذر جوابرة حتّمت اختيارها. وإلى موضوع الوقت الذي جسّدة جوابرة فلهاني زُعرُب مشروع يتقاطع معه وأطلق عليه «داخل الوقت» ويتمثل بصورة أشعة للرئتين تتوسطها ساعة.
○ أحببت منحوتة الملعقة باليد للفنان الكويتي ميثم عبدال. ما رأيك بها؟
•هناك مجموعة أعمال انجزت في مرحلة متزامنة مع عملية «نفق الحرية» وهي تبرّع لمؤسسة الدراسات. بالإضافة لعمل ميثم عبدال، رسم الفنان التونسي المعروف رؤوف الكرّاي ستة طيور ملونة تخرج من حفرة أو نفق وأطلق على لوحته عنوان «صباح الخير يا فلسطين». كذلك عامر الشوملي وتحت عنوان «ست صبرات كانوا بانتظارك» رسم كيس الأمانات في السجن والصبرات تعلوه. فأحرار سجن جلبوع الست بدأوا يستعيدون مشاعرهم الإنسانية المباشرة حيال الأشياء مع الصبر، فهو شكل مصدر غذائهم شبه الوحيد في أيامهم خارج السجن. هؤلاء الأحرار شاهدوا الأشياء أمامهم بعيون الأطفال. فتناول الصبر كان فعلاً كبيراً بالنسبة لهم.
○ وماذا عن الشيخ رائد صلاح وحكايته مع الرسم وهل لا يزال يرسم؟
•ليس لي قدرة الجواب على السؤال فلم يكن بيننا نقاش في هذا الاتجاه. رسم الشيخ رائد صلاح معبراً عن حالة السجن. مشاركته في هذا المعرض كانت بلوحات أنتجها داخل السجن. الشيخ رائد صلاح وحاتم غرايبة وامجد غنّام هم من الذين أنتجوا داخل السجن، وهذه التجربة بالتحديد سعينا لتكون حاضرة في هذا المعرض.
○ كقيمة فنية كيف تقرأين في أثر الفن المقاوم؟
•لنسأل عن تعريف الفن المقاوم؟ فإنتاج الفن بشكل عام وتحت الظروف التي يُخلّفها الاحتلال بحد ذاته مقاومة. هناك الكثير من الأعمال الفنية وليس بالضرورة موضوعها الأسرى، بل قد تتناول حدثاً من التاريخ وهي أيضاً فناً مقاوماً. فن المقاومة في غاية الأهمية في رأيي، ولا شك سيصل للناس. وهؤلاء الناس يتم إحباطهم وفق خطط منهجية وتحديداً تحت الاحتلال في فلسطين.
○ والعرب وفق سياساتهم غير مقصرين في صناعة الإحباط؟
•المعتمد حالياً السعي الدائم للقضاء على أي نوع من المقاومة. وبالتأكيد هذا النوع من الفن يرفع معنويات الناس. يسلط الضوء على تجارب مهمة، ويجعلنا نرى الأمور بطريقة أعمق بكثير. بخلاف ما ننظر إليه بشكل عابر وسريع عبر وسائط التواصل الاجتماعي، وأيضاً الصحافة. يدخل الفن إلى جوهر القضايا ويقدمها بطريقة مختلفة. هناك الكثير من تجارب الأسرى التي تمنح الأمل، وتمدنا بالروح كي نستمر بشكل افضل. مؤخراً نشر في مدونة عن صناعة عود في أحد السجون الإسرائيلية بغفلة من السجّان، جرى استعماله لفترة، لكنه اُكتشف وتمت مصادرته. إنها قصص صغيرة مؤثرة تساهم في رفع الروح المعنوية، وهذا مهم جداً لشعب يعيش تحت الاحتلال.
○ هل سينتقل هذا المعرض إلى مكان آخر مثلاً الجامعات في لبنان؟
•البحث جار لتمديد المعرض، فهو تزامن مع شهر رمضان ومن الضروري منح الناس مزيداً من الوقت لمشاهدته. ولاحقاً سنفكر بنقله إلى أماكن أخرى.