يريدون الحفاظ على اللغة العربية دون تدقيق لغوي، يصدرون قرارات كثيرة بشأن هذه اللغة لكنّها قرارات عاطفية خالية من أي حزم لتطبيقها. وكأنّ الأمر متعلّق بمجرد تلميع سمعة. يتحدثون عن حبهم للغتهم ويهمّشون أستاذ اللغة العربية ويسخرون منه، بل يسخرون حتى من اللغة نفسها.
يعلمونها في المدارس بالعصا والصراخ، يخرجون نصوصا من أعمق مرحلة في الماضي ويجبرون التلميذ على حفظها وحفظ معاني كلماتها الصعبة.
ثم ماذا؟ تنتهي كل تلك الكلمات إلى «سلّة مهملات في دماغه». ينتهي درس الشعر الجاهلي والنصوص الصعبة والمفردات الأصعب إلى حاوية أبدية، إذ من النّادر أن يعود المرء لحاويته تلك بعد مغادرته المدرسة إلى الجامعة. وإن فُرضت عليه مادة اللغة العربية في الجامعة فلن تكون أكثر من مادة ثانوية، فشل معدُّوها فشلا ذريعا لجعلها مادة ممتعة، كما كان الأمر في طفولتنا مع برامج رسخت في ذاكرتنا حتى اليوم. لكن مهلا، أسمع أصواتا تقول «لكن هناك استثناءات، ويجب عدم تعميم هذا الكلام». وهذا مفهوم طبعا، لكنّه ليس الدواء لمشكلة تراجع اللغة العربية عندنا.
لقد قضيت عمري كله وأنا عاشقة لهذه اللغة، وهي مورد رزقي، وحاضنتي، ولأني احترمها كثيرا فقد لجأت دائما لبعض المدققين، أحيانا استشيرهم، وأحيانا أخرى أمرر لهم نصوصي قبل طبعها حتى لا أقصّر في حقها. ومن عادتي أني لا أنزعج أبدا حين يصحح لي أحدهم خطأ وقعت فيه، بل أشعر بالامتنان له لأنه فعل ذلك.
اللغة العربية ليست لغتي الأم، لكنّها لغة القلب، والبوح. أقرأ وأكتب بها، وأعتقد أني أفكّر بها أيضا.
السؤال الذي يحيّرني حين أصادف هذا الكم الهائل من الأخطاء اللغوية والنحوية والصرفية في مواقع يفترض أنها محترمة، من المسؤول عنها؟ ولعلّ الجواب بسيط جدا، فالأجيال الشابة التي استلمت دفّة الإعلام في الغالب، تمتلك شهادات جامعية، وربما تملك من الشغف الإعلامي ما يكفي لتلتحق بمؤسسات إعلامية عديدة منها المرموق ومنها ما هو غير ذلك، لكنها لا تملك شغف اللغة، وكان من الممكن تفادي هذه الثغرة بتوظيف «مدقق لغوي» – وليس محرّرا ـ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن على ما يبدو أن المدققين تمّ تهميشهم من أجل التوفير، خاصّة أن الغالبية السّاحقة من القراء لا ترى هذه الأخطاء، وإن رأتها ربما لا تهتم. الأسوأ من ذلك صدور كتب أكاديمية مليئة بالأخطاء، ما شجّع البعض على إطلاق منصّات تقدم خدمات التدقيق مقابل مبالغ معينة، إلى جانب خدمات عديدة أخرى، منها إنجاز بحث أو رسالة تخرج أو حتى أطروحة دكتوراه من الألف للياء. هل يعقل هذا؟ بكبسة زر يمكن للقارئ أن يجد مواقع كثيرة تقدّم هذه الخدمات، وهذا أمر وجب أن تنتبه له وزارات التعليم، والجامعات ولا تسمح به، وإلا فإنّ هذه الأخيرة ستتحوّل لمؤسّسات تخرّج أميّين وتقذف بهم لسوق العمل، وتربية الأجيال القادمة على الغش والكذب وإهانة العلم.
زمان، حين كنت طفلة أحببت إلقاء الشعر، لكن هذه الهواية ما كانت لتستولي على مشاعري ورغباتي وتصبح جزءا من هواياتي وطموحاتي دون مؤثرات خارجية، كنت أتابع برامج خصّصت عناية فائقة للغة، وحتما لم أكن الوحيدة التي وقعت في حب برنامج مثل «المناهل» الذي كان يشرف عليه محمد حسن إبراهيم أكاديميا، وكل من فخري طمليه، ويحيى جبر لغويا، وأخرجه كل من نجدت أنزور وبسّام سعد، ومن خلاله أبدع نجوم في مقتبل شبابهم مثل عبير عيسى وأمل دباس، ربيع شهاب، وريم سعادة، أمّا هشام يانس فقد كان كبيرا للكُتّاب، بحكم إشرافه على كتابة مادة البرنامج، فيما أسندت مهمة تأليف الأغاني للشاعر محمد الظّاهر.
علينا إذن أن نراجع أنفسنا بشأن وظيفة المدقق اللغوي الذي وحده يعمل حارسا أمينا على اللغة، وأعتقد أن إحالته على التقاعد والاستغناء عنه أشبه بتسريح جيش دولة، فيما جيوش الأعداء تحاصرها من كل الجهات.
وعلى قلّة تلك البرامج التي صنعت وعينا وشاركت في تكويننا، لم نكن بحاجة لأكثر منها، بالمختصر لا زحام في المادّة التلفزيونية، لا منافسة لكسب جمهور أكبر، كان مبدأ كل ما قُدِّم لنا إتقانه وكفى. والغريب أنني من حين لآخر أعود لتلك البرامج من باب الحنين، فأشاهد بعضا منها دون ملل، بل إنّ إعجابي يزيد بها كلّما تقدّم بي العمر والتجربة، رغم أن الأمر يختلف حين أعود لكتب أثارت إعجابي في فترة مضت، إذ تتغيّر قراءتي لها، وهذا الأمر غير مرتبط بالكلاسيكيات فقط بل بأعمال يفترض أنها معاصرة.
إن كثرة الأخطاء في أي نص تفقده قيمته، وقد أشرت في مقالات سابقة إلى أهمية الاعتناء باللغة خاصة بالنسبة للأعمال التي تشارك في جوائز مرموقة، كوني صُدمت بكمّ الأعمال التي قرأتها خلال عضويتي في لجان تحكيم لجوائز مهمة، اعتبرتها مجرّد مسودّات تحتاج لإعادة نظر في الصياغة وللتدقيق، وتساءلت كيف يتجرّأُ شخص بتقديم عمله مشوّها للجنة متوقعا أن ينال جائزة؟ ولعلّي اليوم أرى أن يضاف شرط مهم للمشاركة في الجوائز الأدبية وهي أن يكون العمل مدَقَّقا وإلا فلا داعي لإحراج أي لجنة بقراءته. على الأقل لتأخذ دور النّشر بعين الاعتبار هذا الشرط، ولا ترمي في وجوهنا بمسودّات على أنّها أدب.
ولا يفوتني هنا أن أضيف أن المدقق اللغوي ليس شخصا يتقن اللغة فقط، فهو يمتلك ثقافة واسعة بحكم قراءاته الكثيرة، إضافة إلى إمكانية تخصصه في موضوعات بعينها، مثل القانون، أو الإسلاميات، أو التاريخ والجغرافيا، إلى غيرها من التخصصات. ولصعوبة هذه المهنة نجد في الغالب من يمارسها إنّما يفعلها عن حب غريب للغة، وكره أعمى للخطأ، فتجده يصحح أي نص يصادفه حتى إن كان «قائمة الطّعام» في المطاعم. وقد سمعت قصصا طريفة بشأن مدقّقين، مثل الذي يحمل قلما أحمر في جيبه، ليصحّح به كل ما يقرأه، حتى أنّه صحّح ذات يوم كتابا أهداه له صديقه، وأعاده إليه، تاركا له علامة سيئة تحت الإهداء، مع ملاحظة «إمّا أن تتوقف عن تأليف الكتب أو تتعلّم اللغة العربية جيدا، أو تمرر المخطوط لمدقق قبل طبعه. التّدقيق أقلّ كلفة من الإهانة». مدقق آخر زار طبيبا كُتِب على باب عيادته أخصّائي أمراض غدد، فشطب كلمة أخصّائي ووضع تحتها كلمة اختصاصي. أمّا أطرف مدقق فقد عاش معاناة مع من حوله في فترة كورونا بسبب تكرار النّاس لكلمة «الكَمّامة» بفتحة على حرف الكاف، فيما الصحيح أنها تلفظ بالكسرة «الكِمامة».
ما يمارسه المدققون اللغويون رقابة من أجل سلامة اللغة، كون التساهل مع الخطأ يعني انتشاره، وانتشاره يعني اعتماده بكل بساطة، حتى لينسى الواحد منا الصحيح من الخطأ، ولهذا تصبح بعض الأخطاء شائعة بالقدر الذي يملأ كتابا، وفي مكتباتنا نجد الكثير من هذه الكتب التي تصحح الشائع من الأخطاء، ولعلّ أشهرها وأطرفها كتاب أحمد مختار عمر «أخطاء اللغة العربية المعاصرة عند الكُتّاب والإذاعيين» الذي وضعنا أمام المرآة لنرى بشكل واضح الأخطاء التي تبنّيناها ومنحناها شرعية وهمية لكنّها في الحقيقة جريمة نكراء في حقّ اللغة.
هناك قول مأثور يقول: «اللغة لهجة مجهزة بجيش نظامي أرضي وبحري» وهذا له تفسير واحد وهو أن اللغة تنشرها الدّولة وهي من مقوماتها، على عكس اللهجة، وخلاصة هذا الكلام هو أن إحالة حرّاس لغتنا العربية على التّقاعد المبكّر في زمن المنصات الإلكترونية وانتشار المادة اللغوية بكل أنواعها عبر الشبكة العنكبوتية يعني تهديد اللغة بالفناء. وفيما تقوم بعض الدول بإحياء لهجات ميتة ومنحها صيغة رسمية، يغفل البعض عن مصير لغته الرسمية. تشير بعض التقارير المختصة إلى أن من بين سبعة آلاف لغة موجودة في العالم اليوم هناك 40% منها مهدّد بالانقراض، الغالبية منها من لغات السكّان الأصليين. أمّا ماذا نخسر عندما تختفي لغتنا؟ فاللغة هي ذاكرة تراثنا، وتقاليدنا وقيمنا، وهي التي تحدّد هويتنا وتجمعنا برابط أكثر متانة من رابط الجغرافيا.
علينا إذن أن نراجع أنفسنا بشأن وظيفة المدقق اللغوي الذي وحده يعمل حارسا أمينا على اللغة، وأعتقد أن إحالته على التقاعد والاستغناء عنه أشبه بتسريح جيش دولة، فيما جيوش الأعداء تحاصرها من كل الجهات.
شاعرة وإعلامية من البحرين