تحولات الرؤى والأساليب في لوحات العراقي ثامر الشيباني

حجم الخط
0

تتميّز أعمال التشكيلي العراقي ثامر الشيباني بالتنوّع في ما يخص المناهج الفنية. وفي كل من هذه الممارسات تجد قوة الحرفة المتأتية من قوة عمق الخط ودلالة اللوّن وصفائه. فاللوّن عنده يؤكد الحرفة والفهم لحيويته داخل اللوّحة. كذلك تكون قوته متأتية من قوة وعي الدور الفني الذي تلعبه الألوان وهي تتصدى لمشاهد الحياة وما تخلقه من بدائل جمالية في تجسيد صورة الواقع. فالحرفة شيء والموهبة شيء آخر. وهذا لا يتجسد إلا من خلال ممارسة واضحة ومقنعة لمداولة مشهد الحياة في حياة أخرى هي اللوّحة.
صحيح أن الفن الانطباعي يأخذ دور التوثيق، لكنه بطبيعة الحال وجدلية الفن، يُضفي على مفردات الوجود حيوية جديدة، أي أنه ينقل مشهد الحياة من مجالها المرئي المشاع، باتجاه دائرة الفن. ولما كان الفن هو الإطار الذي يحتوي تلك المفردات، فلا بد من أن تكون لنظرته سعة ومجال حيوي يُخلد المشهد عبر جمالية أخرى. نجد في تنوّع أساليب الفنان في الرسم، دليل استيعابه لحيثيات تلك المدارس الفنية، وفي عودته إليها دليل آخر يؤكد جدلية العلاقة بين الفن التشكيلي والوجود. فهي عودة كما ذكر مرسيا إلياد إلى الجذور التي لا يمكن قطعها وإبعادها عن ذاكرة الفنان. فهو كإنسان مبدع يتأمل مفردات الوجود، ويحاكيها فنياً وفق رؤاه ونظرته القائمة على جدلية وجودها، وليس خارج هذه الدائرة.

لذا نجد في التنوّع ضرباً من التعشيق وعدم المغادرة بمعنى (القطيعة) فالوجود لا يتحقق سوى عبر العلاقة بين ما نفكر به وما هو موجود حولنا وما نجسده في المنتج الإبداعي. فالتنوّع شمل طبيعة الممارسة الفنية والرؤى، وتحدد في اللوّحات التي جمعها الكتاب الذي بين أيدينا، ليكون وثيقة مهمة في حياة الفنان وحياتنا. فالفنان وكما نرى لا يبتعد عن المناهج، وإنما يعود إليها حال تكون اللحظة مناسبة وملّحة. فالتداخل في الرؤى والتطبيق يُعطي مساحة وافرة تنطوي على حرية التعبير. وهو بهذا النهج إنما يعمل على بلوّرة أسلوبه الخاص، الذي يؤكد هويته في الوجود. فالهوية تتشعب أسسها، ويكون النتاج الفني مجالاً لإضفاء حيويتها، فهي (الهوية) العلامة القارّة التي يشكل الفنان خلالها انتسابه إلى المجموعة. ولا شك في أن بلوّرة خصائص الهوية في الفن توحيد الجهود من أجل أن تتميّز أساليب الشيباني في ترسخ معالم توجهاته الفنية، سواء كان هذا متحققاً عبر الخطوط وضربات اللوّن، أو تداخل معينات اللوّحة كالحروفية والملصقات، وتداخل اللوّحة مع فن الفوتوغراف كالكولاج. كل هذا يرسم المتحقق الأسلوبي للفنان.

ولعل الحبكة أو التحبيك كما ذكر نادر كاظم ما استطاع تحقيقه هؤلاء الطلاب سابقاً والفنانين لاحقاً. والشيباني واحد من الفنانين الذين امتلكوا حبكة فنية داخل رسوماتهم. ونعني بالحبكة هنا، التي أخذناها من متن السرد الأدبي؛ هي تجسيد قوة العلاقة بين مفردات اللوّحة، وعدم التفريط بوحدتها.

حقق الشيباني عبر لوّحاته مثل هذه الهوية الفنية، فكانت له ضربته اللونية، ومسار خطوطه التي تخلق تفاصيل السطح، إن الذي يميّز لوحاته؛ شدة ارتباط تفاصيلها وتداولاتها مع عموم الحياة وخباياها، لاسيّما الحياة المهمشة، والحيوات التي تعيش وسط الهامش وتمارس أفعالها بتلقائية. كما هم أبناء الأحياء الفقيرة والشعبية، وذوو الحِرَف الشعبية، ورواد المقاهي، باعتبارها مجمعات عامّة. إن الاهتمام بهذه الشريحة الإنسانية تعني في أولى ما تعنيه الاعتماد على فكر اجتماعي يوفق بين أسس الحياة، وتحديداً وظيفة الفن.
كذلك فيها نوع من التوثيق كما تفعل عين الكاميرا وهي تلتقط زوايا الحياة المهمشة. ولعل وحدة اللوّحة ما يميّز فن الشيباني، بمعنى أنه يعمد إلى الابتعاد عن التشظي. وهذا ما يشكّل إيقاعاً مناسباً لضربات اللوّن، ومجالاً للخطوط. فالوحدة شأن يعمق داخل السطح، ولا يُبدد مفرداته باتجاه العشوائية، فلكل مفردة حسابها. وهذا له علاقة بالتقنية الفنية، فقد اكتسب مثل هذه الدربة في الرؤى من أساتذته الذين دربوه على أسلوب البحث عن الهوية. وقد نجد أن الشيباني اتكأ على الفنان محمد مهر الدين لكنه عمل على التناص مع لوحاته من باب تأسيس منهجه. فالإعجاب والتعلق بفن الآخر لا يعني تقليد أساليبه، بل اتخاذها منطلقاً لتحقيق منهجه، عبر رؤاه الخاصة. وهذا ما يؤكده جميع من درسوا الفن من الفنانين الكبار، عبر وصاياهم الجادّة لحظة يجدون ثمة موهبة متدفقة تواكب الطالب.
ولعل الحبكة أو التحبيك كما ذكر نادر كاظم ما استطاع تحقيقه هؤلاء الطلاب سابقاً والفنانين لاحقاً. والشيباني واحد من الفنانين الذين امتلكوا حبكة فنية داخل رسوماتهم. ونعني بالحبكة هنا، التي أخذناها من متن السرد الأدبي؛ هي تجسيد قوة العلاقة بين مفردات اللوّحة، وعدم التفريط بوحدتها. فالرائي البصري ينظر إليها كوحدة متماسكة تعبّر عن مشهد حياتي، وفي فحص التفاصيل تنثال عنده الرؤى في الفحص. فاللوّحة وفق هذا تُتيح الفرصة للرائي أن يتصرف بحريته الرؤيوية من أجل الوقوف على المفردات القارّة لوحدة الأشياء في المكان والخاصية الذاتية. من هذا المنطلق يمكننا الوقوف على تفاصيل تنوعات الفنان.

سرديات تشكيلية

ونعني بهذا ما تتمتع به لوحة الشيباني من أسس سردية، ترتبط بفعل الذي يحوّل مفردات اللوّحة من سكونها إلى حراك بصري. وهنا يعزز هذا الحراك الزمان والمكان الذي تعكسه اللوّحة، مشيرة إلى طقسية خاصة، متلبسة أفعالا وبناء متنوّعا في المكان. صحيح أن معظم لوحاته يشملها هذا المؤشر، خاصة الأمكنة في الطبيعة. لكن ما يتجسد أكثر حين يكون كادر اللوّحة مجموعة من الحيوات تؤدي أفعالاً. وهذا يشمل أيضاً ما هو متعلق بالمحترَف كمكان تؤدى داخله فعاليات متنوعة. ففي المقهى، نجد الحيوات ت

وحي بسردية واضحة، كما لو أن فعلاً تتحرك على سطح القماشة. لعل المخيال الفني يدفع إلى مثل هذا التصوّر. فالتلقي البصري يتطلب أول ما يتطلب، الذوق الذي يرتبط بالوعي لمكونات اللوّحة. فالرائي ينفعل إزاء ما يرى، ويعكس تصوراته عنها. وفي هذا يتحقق المعادل الفني بين المتلقي والمنتَجْ.
في مجموعة «النساء في السوق»؛ ثمة أفعال تؤدى لمداولة أشياء وحاجات السوق المعروضة، أي توفر الوحدة الموضوعية بين المكان وحيواته، فيتبلور إلى أفعال، أي سرديات في المكان. في لوحة «الملّة في الكتاتيب» يظهر لنا الصبية بحلقتهم، وأمامهم الشيخ داخل مكان. وفي هذا ثمة حراك وزمان جار في المكان. هذه البنيات تظهر جلية ضمن سردية ينتظم وجودها المكان والحيوات، ضمن أفعال وفعاليات حياتية. كذلك «بائع شراب السوس» فالذي يهم في اللوّحة هي حركة البائع ونظرات الصبية. هذا المتحقق تؤطره جملة مشاعر إنسانية. بينما نجد في لوحة «المصوّر الفوتوغرافي» الذي يتخذ من الرصيف ستوديو له. يتوفر على جملة تفاعلات، سواء بين المصوّر والشخص الملتقطة له الصورة. هذه المفردات تُحرك ذاكرة المتلقي، مما يُتيح لها أن تتحوّل إلى أفعال (سرديات) تتوفر لها كل مستلزمات التحقيق.
ما نريد تلخيصه في هذا المضمار، أن لوحات الفنان تؤطرها أفعال (سرديات) تمنح نوعاً من فعل إيقاظ الذاكرة، لتأخذ دورها في تحريك المحتوى.

لوحات الطبيعة

الطبيعة عنصر فاعل وجاذب لعين الإنسان، حيث يقع أسير جمالية هذه الأمكنة الواقعية، لذا نجد الفنانين يهتمون بعكس جمالية هذه الطبيعة. غير أن هذا الانعكاس يتنوّع إيقاعه من فنان إلى آخر، وفق مدلولات مفردات الطبيعة عند الفنان، وتقديراته البصرية لوجودها. والفنان الشيباني يتعامل مع الطبيعة من باب كوّنها حاضنته الأولى في مدينة محاطة بريف شديد الجاذبية والرفعة الجمالية. لذا فمائيات الفنان عكست بمرونة لوّنية عالية الدقة التي عليها مفردات الطبيعة، كذلك توفرت اللوحات على حراك طبيعي خلال تجسيد مفردات الطبيعة، وهي تؤدي سردياتها بحكم تأثيرات المناخ وطبيعة البيئة المفتوحة، أو ذات الكثافة العالية. تتشابك على سطوح لوّحاته الألوان، كأنها مهرجان لوني، فيه مسحة التخصيب والنماء. فهو مزهو بالطبيعة كإنسان مقيم فيها، وفنان يمارس رؤيته بين أحضانها. فتجد الضوء الطبيعي (الشمس/ القمر) أكثر طغياناً من الظِلال، التي ربما تخلف العتمة. فنحن إزاء طبيعة منفتحة، تتضافر بينها وفيها عناصر الخصب، منعكسة على تفاعلها اللوني الطاغي. لا تجد ثمة جذوع لأشجار جرداء، وإنما أنت أمام تعريش لأغصان ممتلئة بحيويتها الورقية والزهرية. كما ندرك خلال عروض اللوّحات طبيعة الطقس، فهو إزاء ظواهر متداخلة، ممسكاً بفرشاة، يُحقق عبرها وجوداً مادياً (مكاناً) ضمن زمان معيّن (فصل) والفرّشاة والمتخيّل الفني خير من يُحقق مثل هذا المعادلة.

التجريد

في لوحات الفنان التجريدية، نجد نوعا من الابتعاد عن المبالغة في التجريد، بل إنه عمد إلى أن يضعها وفق مفهوم رمزي لتجريدية قائمة في الواقع. بمعنى تكللت نظرته للأشياء ضمن دائرة فلسفية. يمكن إحصاؤها والوقوف على متنها الفكري، الذي يخص طبيعة الشخصية، والرموز الدالة والقائمة داخل اللوّحة. أنه وبإسهام السرد حقق معادلاً فنياً ـ موضوعياً، شغله بجملة تراكيب يمكن تأويلها باعتبارها سرديات صغرى، تصب في سرديات كبرى تخص الوجود العام. فجدلية رموز اللوّحة توحي بحوارات دائمة وقائمة على أطرافها.

فالرمز في اللوّحة يمنح المتلقي البصري لحظات ينمو خلالها الحس الجدلي، ومن هذه الرموز والحالات في التجريد لديه، هو تحقيق صيرورة الشهادة مثلاً، فهو لا ينحو إلى التفاصيل، بل يتوفر على رموز دالة على ذلك، مستفيداً من البعد الروحي والمادي. كذلك إعطاء الرموز القارّة كالطير والحصان الأبيض بعدهما الأسطوري، وهي رموز تحوّل مفردات سطح اللوّحة إلى رؤى أسطورية ـ روحية، مستفيداً من إيحاءات الشمس والقمر وزرقة السماء كعلامات دالة على ما يفكر به الفنان. يعزز ذلك بصوّرالقباب والمنائر الدالة على المقدس. في لوّحة أخرى تبدو الكُتل اللوّنية ذات صيغة سردية، متضمنة خطابات بين ثنائية (الذكورة والأنوثة) مستفيداً من الأشكال الهندسية بأبعادها الدالة، التي حققت صيررتها ضمن منجز الفنانين كل على طريقته وأسلوبه الفني، كالمربع والمستطيل، والمسوحات الضوئية التي تحتل مساحة وافرة من جسد اللوّحة، كطغيان الأزرق عليها، أو أنه يتخذ من هيئة المرأة كبورتريت متخيّل، صيغة التأمل وعلى مستويين من التناول.

مانحاً رموزه هذه حيوية مضافة، تنبثق من تحوّل الوجه بتفاصيله، نحو حوارية سردية تقترب من الفلسفية. التجريد في لوحاته يعتمد مقطّعات وحزوزا على الجدران، مستفيداً من كل ما من شأنه ترسيخ التعبير وتنشيط هذه الأشكال الجمالية. كذلك استفاد الفنان من رؤيته المكللة بهيبة المقدس كالأقواس والمداخل والعتبات لمواقع وأمكنة مقدسة، واضعاً نصب عينيه جمالية الخط العربي وزخرفه كالخط الكوفي الذي تُزيّن به واجهات المساجد والأمكنة المقدسة. إذ لا تخلو لوحة عنده من هذه الوحدات التي تُضفي على محتوى اللوّحة جمالاً مضافاً، وفي بعضها تناص مع لوحات لفنانين كبار، كما هو في ملحمة نصب الحرية لجواد سليم، وشخصيات مثل الشاعر بدر شاكر السياب. صحيح أنه يقترب من تجريد محمد مهر الدين، لكنه ينزاح عنها، مستفيداً من كمية الحرية التي تحلت بها لوحات مهر الدين محققاً حريته التي تستنبت بنى فكرية وجمالية خاصة به. ونعني هنا تفاصيل الأعمال وليس في جزئياتها، فالعمل الفني بوحدته وليس بأجزائه، لأنه نص بصري شأنه شأن النصوص الأدبية والفوتوغرافية والنحتية.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية