ابتسامات الشجاعة والتحدي على وجوه الأسرى الفلسطينيين تغني عن ألف خطاب سياسي

سعيد أبو معلا
حجم الخط
4

القدس – “القدس العربي”:

يوميا يقدم الفلسطينيون في المسجد الأقصى وفي مناطق المواجهة الأخرى أشكالا جديدة من التحدي والمقاومة حتى بأبسط الأشكال والمواقف، فالفلسطيني المجرد من أي أسلحة أمام بطش قوات الشرطة الإسرائيلية المدججة بكل أدوات القمع ليس أمامه إلا أن يقدم نفسه عبر جسده ليحفل بمختلف أشكال التحدي والمقاومة والرفض. وتحتفي المنصات الرقمية بشكل يومي بمجموعة من الصور والفيديوهات التي توثق تحدي الاحتلال ومقاومته والسخرية منه والاستهانة بإجراءاته وإعلان رفضهم لوجوده.

فمع اعتقال وإطلاق سراح الأسرى الذين اعتقلتهم شرطة الاحتلال من المسجد الأقصى فجر الجمعة الماضية عادت الابتسامات التي تنطبع على وجوه الأسرى لتكون بمثابة أيقونة رمزية ممتلئة بالمعاني والدلالات. أكثر الصورة التي نالت شهرة كانت صورة فوتوغرافية تقدم الأسرى العائدين من حفلات القمع والتحقيق مبتسمين بشكل جماعي وهو ما جعل الصورة تنتشر بشكل فايروسي واسع على المنصات الرقمية ووسائل الإعلام المختلفة.

أستاذ الإعلام في جامعة القدس أبو ديس كتب على صفحته: “ها هم شبان في مقتبل العمر مكبلون في حافلات الاعتقال منذ الصباح وابتسامات الكبرياء لا تفارق وجوهم، يا لله، شبان القدس العظماء، أي سر وضع فيكم لتُمنَحوا كل هذا البهاء، المجد ليد تقاتل”. وتابع قائلا: “هذه ليست لقطة من فيلم، هذا واقع ملحمة القدس بإخراج إلهي، عظمة وجبروت ومظلومية شباب القدس لا تنتهي، ولن تنتهي”.

أما الناشط الفلسطيني محمود نواجعة فكتب يقول: “ذكرتني هذه الصورة لما اعتقلونا من باب الشمس في منطقة E1 اللي كان الاحتلال يحاول مصادرتها، تحرك الباص باتجاه القدس وتجاوز الحاجز، نص الشباب بالباص ممنوعين من دخولها! بالنسبة الهم مجرد دخول القدس كان فرصة للاحتفال، احتفلنا وغنينا بطول صوتنا، لحد ما التخم أفراد الشرطة بالباص، وصراخهم كنا مش سامعينه، كان سقفنا السما، ولحظة عمرنا ما بننساها!”.

غابة من أغنيات وزنابق

وتابع نواجعة: “الباص دخل القدس وطلع على قلنديا، صارت الساعة تقريباً اربعة الصبح، وقفت سيارة جنبنا بتسوقها سيدة حكت إلنا أجاكم الفطور، فتحت السيارة، كانت مليانة كعك القدس، ريحته عمري ما بنساها! لحظتها حسينا بنشوة غير مسبوقة، كل واحد كان على وجهه ابتسامة كل طغيان الاحتلال ما بيقدر يؤثر عليها!”.

أما الإعلامية ميرفت صادق فكتبت تقول: “إنهم “غابة من أغنيات وزنابق”.. مرابطو الأقصى في حافلات الاعتقال الصهيونية”.

صور الأسرى تنتشر على المنصات الرقمية بسرعة… والتعليقات تؤكد أنهم جيل الانتصار

وكتب الإعلامي جاد قدومي: “شفتوا فتية القدس اللي قلبوا باص الشرطة مهزلة وهزأوا “دولة” مرعبة المنطقة؟!”.

والباحث السياسي رازي نابلسي كتب يقول: “صور الشباب بالباصات بالقُدس بترفع المعنويات بشكل مش طبيعي، وبتقاوم بث الرعب والردع”.

أما منى هواش فكتبت: “ترند شباب القدس الفائز لهذا اليوم، لن تهزم هذه الروح”.

فيديو آخر كان يوثق الأسرى في حافلات الاعتقال التي كانت تقلهم من مركز التحقيق إلى مركز الشرطة في المسكوبية أظهر شبانا معتقلين وكان بينهم شاب مبتسم ينظر للكاميرا وهو مقيد اليدين حيث يفك القيود البلاستيكية من يديه بطريقة استعراضية أدائية كمن يقدم مشهدا سحريا، ومن ثم ما يلبث إن يقوم بإعادة القيد مرة أخرى بكل سهولة ويسر.

ولا تتوقف المشاهد التي التقطها الأسرى أنفسهم وجلها تسخر من الاحتلال وسياسات قمعه ودمويته، ففي أحد الفيديوهات المنتشرة يظهر شابان مقدسيان تقلهم دورية شرطة إسرائيلية إلى مركز التوقيف حيث يقومان بالسخرية من الشرطة عبر مشهد يظهرهم يخرجون النقود من محافظهم من أجل الدفع ثمن نقلهم بسيارة الشرطة. ويبدو الشابان يخوضان عراكا فيمن سيدفع هذه المرة، حيث يرد الأول على الثاني: “هالمرة والله علي، والمرة الجاي عليك”.

الصور التي انتشرت أكثر من أن تعد في بيئات رقمية تتيح للفلسطينيين سهولة التداول والانتشار والتفاعل، من تلك اللقطات التي نالت اهتماما واحتفاء صورة رجل فلسطيني يجلس في ساحة المجلس الأقصى متكئا على سجادته وحوله يتحرك الجنود بممارساتهم القمعية العنيفة.

ويبدو الرجل المقدسي في هذا المشهد غير عابئ بالإجراءات فيما لا يبدو أن الجنود يهابون الاقتراب منه، وهو الأمر نفسه تكرر مع رجل سبعيني يرتدي لباسا أبيض ويجلس على كرسي ويمد رجليه في طريق مرور الجنود.

مشهد آخر انتشر على الشبكات يوم أمس الإثنين يظهر فيه قارئ قرآن في باحات الأقصى لا يهتم لعناصر الشرطة التي تحيط به وتطالبه بالرحيل إذ يستمر في القراءة متحديا الجنود حوله فيما هم يقفون عاجزين عن فعل أي شيء.

جانب من هذه الصور والمشاهد المصورة تتحول إلى أعمال فنية عبر كلمات وجمل وشعارات تؤكد على رمزيتها وتضيف إليها معاني جديدة وجلها تؤكد على قيمة الثبات والأصالة وعدم التأثر من كل سياسات الاحتلال ومختلف أشكال قمعه.

الباحث الإعلامي معز كراجة يقول لـ “القدس العربي”: “إن أجمل ما في ابتسامات الشباب والصبايا أثناء اعتقالهم وتعرضهم للقمع أنها طبيعية وتلقائية، أي أنها حقيقية، وهذا ما يجعل لها دلالات مهمة يجب أن تقرأ”.

وتابع: “في تقديري هذه الابتسامات تعبر عن مدى ثقة هؤلاء الشباب بأنفسهم وبفعلهم النضالي، وهي ثقة نابعة من إيمانهم بما يفعلون واستعدادهم المسبق لدفع الثمن، أما الوجه الآخر لقراءة هذه الابتسامة هو انهيار صورة إسرائيل التي لا تقهر في وعي هؤلاء المناضلين. فالابتسامة الحقيقية النابعة من أعماق إنسان يتعرض للقمع هي تعبير عن شعور هذا الانسان المقموع بتفوقه على قوة وجبروت القامع”.

وبالمناسبة، القوة المجنونة التي يمارسها جندي مدجج بالسلاح ضد فتاة أو شاب او عجوز أعزل، حسب الباحث الإعلامي كراجة، لا تقرأ دائما على أنها قوة، بالعكس هذه القوة المفرطة أمام تلك الابتسامات هي تعبير عن عجز القامع امام إرادة وإيمان المقموع.

ويطرح كراجه السؤال الرئيسي وهو: “من أين ظهر هذا الجيل بهذه الثقة والصلابة التي يعبرون عنها بأبسط الطرق وأجملها وأكثرها تأثيرا، اي ابتساماتهم المليئة بالثقة، وذلك رغم السياق السياسي المترهل والمتمثل بتركة أوسلو وبالمحيط العربي العاجز والمطبع؟”.

ويجيب بدوره قائلا: “العوامل التي تفسر ذلك كثيرة، ولكن أهمها أنه جيل مضطلع مثقف، وفرت له ثورة التكنولوجيا فرصة الخروج من عباءة السلطات التقليدية سياسية كانت أو اجتماعية. كما أنه ورغم السياق المترهل فقد نشأ أيضا في بيئة استطاعت فيها المقاومة وخاصة في قطاع غزة أن تراكم نجاحاتها وقوتها منذ علم 2014 حتى اليوم. ولعل مواجهة “سيف القدس” العام الماضي كانت واضحة جدا في أثرها الإيجابي على هؤلاء الشباب، فقد استنهضتهم في رام الله وجنين وحيفا واللد وكل فلسطين التاريخية.

رسائل سياسية

وحول أثر ودلالة تلك الابتسامات إعلاميا وخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي يرى كراجة أنها كثيرة، فقد تحولت الى ما يشبه العنوان لهباتهم المتكررة مثل “اللوغو” أو الشعار. دائما ما نقول في عالم الإعلام إن الصورة تغني عن ألف كلمة، وهنا هذه الابتسامات كانت تغني عن ألف خطاب سياسي، هي بحد ذاتها رسائل سياسية ومعنية استطاعت أن تلفت انتباه كامل المجتمع وتدفعه للثقة أكثر بهذا الجيل وقدراته. والشباب أنفسهم استثمروا تلك الابتسامات إعلاميا وصنعوا منها قوة معنوية هائلة لكامل الفلسطينيين.

وبرأي كراجة فإن هذه الظاهرة مرتبطة بظاهرة أخرى تتمثل في كيف يستثمر الشباب المقدسي وجود الهواتف المحمولة حيث أخذوا يلتقطون لأنفسهم صور “السلفي” من داخل باصات الاعتقال وهم يبتسمون ويطلقون النكات على الجنود، هذا بحد ذاته فعل مقاوم، مقاوم ضد الخوف وضد صورة الاحتلال الذي يحاول أن يرسمها لنفسه. وتابع كراجه لطالما وصف المفكر والمناضل الفرنسي في صفوف الثورة الجزائرية فرانز فانون اللحظة التي ينتصر فيها الشعب الخاضع للاستعمار على خوفه ومشاكله الداخلية وسلبياته، ويوجه قوته ضد الاستعمار، “باعتقادي هذه الابتسامات هي ترجمة لأعلى درجات الانتصار، فهؤلاء الشباب قد تحرروا من السياق الذي أدخلتنا بها اتفاقيات أوسلو، وهم لا يناضلون فقط ضد الاحتلال، وإنما يحرروننا معهم من تلك التركة”.

ولا يعتبر هذا الشكل النضالي أمرا جديدا على المقدسيين إنما هو امتداد لظاهرة تكرست العام الفائت على خلفية الاعتداء على المصلين والفلسطينيين في منطقة الشيخ جراح وباب العامود. وهي تحضر بقوة لتكون عنوانا لكسر كل سياسات تحطيم إرادة الفلسطينيين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية