«الصحبة» و«أيقونة الروح المصرية»: الذاكرة الحيّة تصوغ لمحات من حياة المصريين

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: على كثرة المعارض التشكيلية التي تقام في القاهرة، والتي تكاد تتفوق على الندوات والمنتديات والتظاهرات الثقافية، التي في الأغلب لا تهتم سوى بالكم دون الكيف، فالأمر بالنسبة للمعارض أشبه. كم كبير من المعارض، جماعية أو فردية، تكرارات وأسماء بعينها تتواتر حتى تكاد تظن أنها هي الوحيدة التي تُنتج فناً، أو أن الفن المصري اقتصر على هؤلاء، ناهيك عن الدعاية والتهليل في الوسائل المعهودة من الصحف وصفحات التواصل. ولكن، من حين لآخر يأتي معرض هنا أو هناك لتتشكل حالة من الاستثناء، تكشف بدورها عن حالة التردي والتقليد الأعمى والتكرار الذي أصاب الحالة التشكيلية المصرية. وقد تزامن مصادفة إقامة معرضين لفنانين مختلفين، من حيث عالم اللوحة الفني وأسلوبها، أولهما بعنوان «صحبة» للفنان فتحي عفيفي، وأقيم بغاليري «أكسيس» والآخر بعنوان «أيقونة الروح المصرية» للفنان محسن أبو العزم، وأقيم بغاليري «ليوان» في القاهرة.

الروح المصرية

يواصل الفنان محسن أبو العزم التقاط تفاصيل الناس في لحظات متباينة، مؤكداً ذلك من خلال حدث درامي لا يخفى، ومن هنا يرسم أبو العزم لوحة تعد مشهداً متكاملاً بكافة تفاصيله، من ناس وملابس وحيوانات وكائنات وأدوات تدل بذاتها على طقس ما تتم تأديته، أو حالة تعيشها وتتفاعل معها الشخصيات، كاشفة عن نفسياتها وردود أفعالها تجاه الحدث، من هنا تتأكد الحالة الدرامية وصراعاتها المختلفة. من ناحية أخرى يعرف أبو العزم تماماً من خلال ذاكرة بصرية حادة شخوصه وخلفياتها الاجتماعية، ومن خلال مواقفها المتضادة تتخلق المفارقة، وبالتالي تثير اللوحات الضحك والتفاعل من قِبل المتلقي.
الذاكرة هنا تبدو محركاً أساسياً للمشهد المرسوم، فالرجل لا يرسم ولا يلتقط تفاصيل معهودة الآن في الشارع المصري، ولكن من خلال الأسلوب الذي يقترب من الكاريكاتير ــ كمفهوم فني ــ يبدو هؤلاء وما يفعلونه وكأنه من زمن قديم، زمن الأفلام الأبيض والأسود، بيوت وأماكن الطبقة الدنيا والمتوسطة المصرية، أهالي الحارات والبيوت المتلاصقة، زمن الطربوش، أو الأفندي العجوز الذي لم يزل يُصر على ارتداء الطربوش، كشكل من أشكال التميّز الاجتماعي، لكنه يُثير الضحك وسط جمهور الجلابيب والبيجامات الكاستور، والأطفال نصف العراة. الذاكرة نفسها التي تصوغ بعض الأحداث والاحتفالات الشعبية، كالموالد وألعابها الشهيرة، لعبة المدفع، الأراجوز، ولعبة النشان. إضافة إلى حِرفية الرجل وأسلوبة الذي أصبح دالاً عليه، خاصة في تسجيله للطقوس الشعبية داخل البيوت المصرية، كالاحتفال بالمولود الجديد «طقس السبوع» أو حفلات تجهيز العروس قبل زفافها، دون نسيان تفاصيلها الصغيرة، من امرأة تحمل رضيعاً يبكي، ومن باب موارب على الدوام، تتلصص من خلاله عين طفل صغير، تتراقص في عينيه الرهبة والفرح لنجاحه في اختلاس النظرات على هذا الحدث الجلل، والذي لن يُغادر ذاكرته مهما عاش.
وتأتي الموسيقى التي لا تغيب عن أي من مشاهد الفنان، سواء صخب الموالد وصيحات الرواد أمام هذه اللعبة أو تلك، أو من خلال الأفراح والليالي الشعبية، وهنا يُجسد أبو العزم ويحتفي بأساطين الغناء الشعبي المصري، كالمطرب الشعبي محمد طه على سبيل المثال، وما يحيط هذه الاحتفالات من راقصة وعازفين وروّاد متماهين تماماً مع صوت المطرب وحركات الجسد الراقص. هذا في ما يخص الفرح الشعبي، ولكن أبو العزم ينحو نحواً آخر أكثر وقاراً، ولكنه أيضاً لا يُفارق الروح المصرية الساخرة، وذلك عندما يرسم لوحة عن أم كلثوم، وهنا لا يرسم الست في مشهدها المعتاد وهي في حفلة من حفلاتها، ولكن من خلال إحدى بروفات تسجيل أغنية من أغانيها، وحولها أفراد فرقتها من العازفين العظام، بدون نسيان أهم مَن صاغ جناحا هذا الصوت لدى مُستمعيه، رياض السنباطي وأحمد رامي.

الصُحبة

ومن أم كلثوم أيضاً ــ بالمصادفة ــ نبدأ الحديث عن معرض الفنان فتحي عفيفي، الذي ضمها إلى صحبته التي لا ينساها، ولكن الست هنا جاءت وكأنها وهي تغني تعيش في عالم آخر، أو تجعل الفنان يحيا بدوره في عالم آخر، أم كلثوم بمنديلها الشهير، والهلال المعلّق على صدرها، وهي متماهية تماماً وغائبة في ما تغنيه، ولا يحيطها سوى مجموعة من الزهور، وأفلاك السماء. هكذا يراها الفنان، وهكذا تكون حالته عند سماعها. لقطة قريبة تجسد هذه الحالة المشحونة تماماً، على العكس من أبو العزم مثلاً، الذي لا يكتفي بشخصية واحدة في اللوحة، بل يتعمّد إظهار الشخصية من خلال مقارنتها بما يحيطها ويجمعها من شخوص.
ينتمي عفيفي إلى عالم العُمال والحواري الشعبية، لذا هو أكثر وأهم مَن عبّر عن هؤلاء، رحلتهم في المصانع ــ الحربية بالأخص ــ ورديات العمل، فترات الراحة، الوصول إلى المصنع، ولحظة المغادرة. ورغم اللوحات الجماعية لهؤلاء، وهي الغالبة، فالرجل يعبّر عن أفكار كانت وانتهت، فكرة المجموع، والكتل المتقابلة ما بين البشر والآلات، وكيفية سيطرة هؤلاء البسطاء والضعفاء على مثل هذه الآلات الضخمة. حلم كبير لم يزل يعيد صياغته فنياً فتحي عفيفي، رغم زواله عن أرض الواقع. من هنا أيضاً تبدو الذاكرة الحيّة هي أساس صياغة العمل الفني، فالرجل عاش عاملاً في هذه الأجواء، ويعرف تماماً كيفية التعبير عنها، دونما صخب أو افتعال، يرسم عالما عاشه وعرفه لعدة عقود، تعاطف وتشاجر، كره وأحب، لذا يمكن بكل بساطة اكتشاف وملامسة كل هذه الحالات الإنسانية من ملامح ووضعية الشخوص داخل اللوحات.
الجديد في معرض فتحي عفيفي أنه لا يكتفي بعالم المصنع فقط، كما في العديد من معارضه السابقة، ولكنه يستحضر الصحبة التي يعيش من خلالها الآن، كالأصدقاء وصوت الست، وبعض من رفاق الحارة، من باعة ونساء جالسات وأطفالهن عند عتبات البيوت المتلاصقة. حتى وإن كانت هذه الصحبة تعيش وتحيا في الذاكرة.

وماذا بعد..

مثل هذه المعارض تثير الكثير من التساؤلات، كاشفة عن دور الفن التشكيلي والفن عموماً، هل يهتم الفنان بالمتلقي ويُنتج عملاً يحاول من خلاله التواصل مع هذا المتلقي الافتراضي بالأساس، بخلاف الأصدقاء والمهللين المعهودين؟ وهل هو مهموم بالفعل بقضية ما، يحاول الإشارة إليها والتعبير عنها، أم مجرد ألعاب بهلوانية لا تصل لحِرفية البهلوان، فهي بدورها مهنة لا يستطيع أي أحد أن يؤديها؟ ولا نقصد من حديثنا هذا أن يرتهن الفنان موضوعاً وأسلوباً للمجموع، وإلا سنسقط ثانية في فخ الدعاية الفجة ــ الذي يقوم به البعض الآن ــ ولكن أن يكون العمل الفني معبّراً عن صاحبه بالأساس، والذي هو بدوره فرد في مجموع، يعبّر عن نفسه من خلاله، من دون ادعاء، سيؤدي في النهاية إلى اختلاق مسافة كبيرة وحالة من العزلة، وهو ما نشهده داخل صالات العرض، حيث تكتفي اللوحات بمطالعة نفسها، في انتظار مَن يُشاهدها، كما صاحبها المُنتظر بدوره بيع لوحة، أو جائزة من جوائز معارض الدولة المعروفة سلفاً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية