بيروت ـ «القدس العربي»: في دار النمر للثقافة والفنون حيث جرى الإحتفاء بالفائزين بجائزة محمود كحيل للشرائط المصورة، والرسوم التعبيرية والكاريكاتير السياسي، كانت الفرحة كبيرة بصبية فائزة آتية من غزّة. إنها براء العاوور الشبيهة بالفرحة، والتي تنثر الفرح والحب من حولها من دون افتعال.
فازت براء العاوور بجائزة رسوم كتب الأطفال لسنة 2022 حيث حسدتها اللجنة التحكيمية على جرأتها. هذه الفنانة التشكيلية لم تكن تخشى على شخصياتها من العوم في الماء. وكانت مقدامة في رسم الأحلام للصغار والكبار على السواء. وهي تتميز رغم حداثة سنها بالمساهمات القيمة في رسوم أدب الطفل. ورسومها موزعة على كتب في مجال أدب الطفل في كافة الدولة العربية تقريباً. إنها الفنانة التي نسجت خطوطها الإبداعية ولغتها البصرية بفرادة ظاهرة. فبراء بارعة في مزج المتعة بالبراءة.
تطمح براء العاوور للمشاركة في فعاليات أو مسابقات خاصة بعملها، لأنها ترى أهمية للتعرّف إلى العالم، والتواصل مع الآخر لما فيه من غنى. لكنها وفي كل مرة تغادر غزّة تلبية لدعوة، أو في مهمة ما، تشتاق إليها، وتتمنى العودة سريعاً، فهي بالنسبة لها أفضل مكان في العالم.
براء العاوور تعلن أن هدفها المستقبلي القريب أن تكتب بنفسها قصصاً للأطفال وأن ترسمها. فالتحليق في هذا الكوكب رغبة دائمة لديها.
مع براء العاوور هذا الحوار:
○ جائزة محمود كحيل لرسوم كتب الأطفال كانت من نصيبك هذا العام. ماذا قالت لك؟
•أنه ما تزال هناك فرص في هذا العالم في انتظارنا لنفتح أبوابها. وأنني موجودة بما أقدم من إنجازات ورسومات تخترق جميع الحواجز لتصل إلى الكبار والصغار في كل مكان. أخبرتني ان المهمة أصبحت أصعب وان علي ان أبذل جهداً أكبر.
○ هل تهتمين بالمشاركة في المسابقات العربية والدولية؟ وما هي الجوائز التي نلتها؟
•حصلت على جائزة اتصالات الدولية لأدب الطفل واليافعين في 2020 عن فئة أفضل رسوم عن كتاب «أنا والوحش» إصدار دار أشجار في الإمارات العربية. أهتم بالمشاركة في المسابقات العربية والدولية، ونيل الجوائز يشكل إثبات وجود، وأداة لتوسيع انتشار العمل الفني حول العالم.
○ تصفك بعض المقالات بأنك ترسمين أحلاماً للصغار والكبار. في أية أجواء تحلقين حين تكوني بصدد الرسم؟
•لطالما أخبرت نفسي كم أنا محظوظة كوني رسامة أدب أطفال. أخلق عوالمي الخاصة والمختلفة، ومن خلال الرسم أتفاعل مع شخصبات كل كتاب واكوِّن معها الصداقات. العمل من أجل الصغار متعة حقيقية لا يعرفها إلا أصحابها.
○ ترسمين كتب الأطفال كمهنة لماذا رحت في هذا الإتجاه؟
•في البداية كان دافعي الأساسي هو شغفي تجاه رسم كتب الأطفال، ولم أكن أفكر بالأمر كمهنة. وبعد رسم عدد من الكتب إكتشفت كم يحتاج عالم الطفل إلى التركيز، والدراسة، والخبرات لإنتاج أعمال حقيقية تخاطب الطفل بكل صدق وذكاء. ومن ثمّ كان قراري بأن أركز فقط على رسم كتب الأطفال، وأن أصبح متخصصة في هذا العمل بالتحديد.
○ ولدت وتعيشين في قطاع غزّة المحاصر فكيف تعملين لتغذية خيالك وذاكرتك البصرية؟
• في رأيي أن تغذية الخيال والذاكرة البصرية غير مرتبطة بالمكان. انما تأتي من خلال تدريب وترويض العقل والنفس على أن تبصر الأشياء وتتعامل معها بعين الخيال، وهكذا تصبح جزءاً لا يتجزء مني. كما أنني أؤمن أن المرجع الأول والأساس لأي تغذية بصرية هو الطبيعة بكل مكنوناتها، وتفاصيلها وأشكالها. بعد ذلك تأتي محاولات الإطلاع على الفن حول العالم من خلال الإنترنت أو ما يتوفر من وسائل من كتب ومجلات وغير ذلك.
○ تقولين بأن فرص الخروج من غزة والمشاركة في معارض دولية شحيحة. كم مرّة شاركت في معارض خارجية وسنحت لك فرصة الخروج من غزة؟
•فرص المشاركة الخارجية في أي نشاط ليست لها علاقة بغزة أو غيرها، إنما هي تعود للقائمين على توزيع هذه الفرص والمشاركات. وتالياً تأتي امكانية أو صعوبة الخروج من غزة، بفعل التعقيدات السياسية والجغرافية المفروضة علينا. تمكنت من زيارة معرض الشارقة الدولي للكتاب 2021. وكنت من القلائل المحظوظين الذين استطاعوا الوصول إلى القدس والضفة الغربية في فلسطين، للمشاركة في العديد من الورش والفعاليات الفنية والثقافية.
○ هل تحنين إلى غزة عندما تغادرينها؟
•لا أجد مكانا أفضل من غزة في زمننا الحالي. يتعرض الكوكب للخراب بفعل أزمة كورونا وأزمات اللجوء والصراعات التي نشهدها. أحب جداً أن أسافر لأتعرف إلى العالم، واستكشف الأماكن والتفاصيل والمشاعر المختلفة، ولكني ما زلت أجد في غزة عالما مختلفاً له خصوصيته التي لم أجدها في مكان آخر من هذا العالم.
○ هل لأطفال غزة خصوصية في الرسوم أو الكتب الموجهة لهم؟
•أطفال غزة هم أحد أهم مصادر الالهام التي أعتمد عليها في محاكاة رسوماتي. هم مختلفون في الشخصيات، والأفكار، وفي ملابسهم وطريقة كلامهم، وكذلك الأحاديث العفوية التي استمتع بسماعها منهم. كل ذلك وأكثر كفيل بأن يخلق قصة كاملة لكتاب أطفال في رأسي. كل ذلك وأكثر عايشته خلال تجربة عملي مع أطفال غزة كمدربة، ومعدة ورش فنية وأدبية على مدى سنوات طويلة ومع العديد من مراكز الطفولة ومؤسساتها.
○ تقولين أن أطفال غزة خيالهم مسيس. برأيك هل لهم خيار آخر؟
•الخيار بأيدي الكبار العاملين في مجال الطفولة. أنظر وأتعامل مع الطفل من خلال ما قاله بيكاسو: كل طفل فنان حتى يكبر. وعلى الكبار ان يطلقو العنان لهذا الفنان الصغير ليفكر ويعبر عن نفسه، وعن الأشياء بالطريقة الفطرية والعفوية التي يتقنها، من دون تدخلات وحشو سواء سياسي أو اجتماعي وغير ذلك.
○ إن قدمنا لهؤلاء الأطفال كما في حال غزة بهجة بصرية فهل لها أن تزيح الواقع الصعب ولو قليلاً عن كاهلهم؟
•أتمنى أن تزوري غزة يوما ما لتكتشفي كم أن متطلبات أطفالنا بسيطة وبريئة. طابة صغيرة يمكنها ان تصنع عرساً كبيراً في شارع كبير أو حتى في حيّ كامل جميع مدعويه من الأطفال.
○ هل تساهمين في تنظيم دورات رسم لأطفال غزة؟ وماذا تذكرين عن مواسم الرسم الصيفية التي شاركت بها خلال طفولتك؟
•توقفت منذ فترة عن إعداد ورش الرسم نظراً لتفرغي الكامل لرسم الكتب والقصص. أنا لم أحصل على فرص المشاركة في مواسم رسم صيفية في طفولتي، فقد كنت أصنع موسمي الخاص في كل اجازة صيفية بنفسي. أجمع كل الأوراق البيضاء الفارغة في الحيّ وأصنع منها دفاتر الرسم خاصتي. ومن ثمّ أبحر داخلها مع مغامراتي التي لا تنتهي من رسم القصص، والشخصيات، والتفاعل معها يومياً طوال الصيف، وحتى إلى ما بعد انتهاء العطلة.
○ عيناك تشيان بأن طفلاً لا يزال يشاكس في داخلك. إن كان صحيحاً فما هو دوره في عملك؟
•الطفلة بداخلي هي منارتي التي ترشدني إلى الطريق. الطريق إلى الخيال. والطريق إلى اللون، وإلى الحكاية بكل تفاصيلها.
○ هل توافقين على كافة حكايات الأطفال التي تصلك لترسمين لها صوراً؟
•بالطبع لا. أنا شخصية إنتقائية فيما يتعلق بالنصوص التي استقبلها. هناك معايير خاصة لا أستطيع تحديدها إلا لدى قراءتي النص، بعدها تكون الموافقة أو الإعتذاز عن قبول المهمة.
○ هل بتّ على دراية كاملة بما يبهج الطفل؟
•بل ما زلت أتعلم، وأحاول الوصول لأكبر قدر ممكن من الخبرة والعلم والممارسة، لإستكشاف عالم الطفل الواسع والمتقلب والمتباين. فكل طفل هو عالم بحد ذاته، مما يجعل المهمة أصعب. أتمنى أن أقدم ولو قدرا قليلا من هذه البهجة للأطفال من خلال رسوماتي.
○ ما هو مشروعك المستقبلي القريب؟
•أن أصنع كتبي الخاصة نصاً، ورسماً، وأن أحلق معها لأبعد مكان ممكن في هذا الكوكب.