النقاش الكبير الذي فُتِح بسبب أعمال درامية تلفزيونية في الموسم الرمضاني هذا العام، فاق حجم النقاشات التي شهدتها الساحة الإعلامية مقارنة بأعمال سابقة خلال السنوات الماضية، ربما لكثرة وسائل التعبير، التي لم تعد السيطرة عليها ممكنة، وربما لصعود تيار وعي دخل في صراع فكري مباشر مع التيارات التقليدية والمحافظة والمتشددة. وفي كل الحالات فإن تخصيص شهر رمضان للسباق الدرامي يجعل السجال يزداد ارتباطا بمفاهيم الحلال والحرام، حتى إن كانت أهداف مبرمجي الدراما على الفضائيات العربية تجارية محضة.
في كل سنة يوهمنا هذا المتفرج المتابع للأعمال الدرامية بأنه لا يرغب في أعمال خادشة للحياء، وقد فاجأتنا مواقع التواصل الاجتماعي بانتقاد ممثلات ارتدين لباسا «فاضحا» ومشاهد إيحائية لفعل حميمي، أي أنها ليست مشاهد حميمية، ومع هذا استطاعت هذه الآراء أن تسيطر على بعض مبرمجي القنوات التلفزيونية، فتم إلغاء أعمال بأكملها بعد بث عدة حلقات منها، تتناقض ردة الفعل هذه مع نسبة المشاهدين التي تتابعها، إذ تكون عالية جدا، وهذا ما يثير سؤالا مهما، ما هو المقياس الذي تم اعتماده لمنع بث ما تبقى من تلك الأعمال؟
بحثا عن الإجابة سنعود إلى زمن مضى حيث كانت الأعمال الدينية والتاريخية سيدة الفرجة خلال الموسم الرمضاني، بل كانت الوجبة الأهم قبل وجبة الإفطار، ينتظرها الصغير قبل الكبير، ويتجمع حولها كل أفراد العائلة في سهرات رمضان. شيئا فشيئا أصبحت تلك الأعمال لا تشد الجمهور العربي، الذي أصبح يسخر من عملية السلق التي تُحضر بها، بدءا بالمَشاهِد التي تظهر فيها النساء بماكياج كامل وأظافر طويلة ملونة، إلى النطق غير الصحيح للغة العربية من طرف بعض الممثلين والممثلات، إلى الأخطاء التاريخية التي لم يعد ذوو الاختصاص يسمحون بها، إلى تفاصيل صغيرة أخرى لكثرتها يصعب سردها الآن، لكنها جميعا تبين مدى اهتمام منتجي هذا النوع من الدراما بعمليات التوفير، وتخفيض تكلفته على حساب نوعيته. فتخلصوا من أساتذة اللغة العربية، الذين كانوا يوظفون لتلقين الممثلين النطق الصحيح لنصوصهم الحوارية، ثم تخلصوا من الأساتذة المختصين في التاريخ، ثم رضخوا لأسوأ نوعية من الجمهور ولبوا رغباتهم بتوظيف ممثلات جميلات لا يهمهن من الدراما التاريخية سوى الظهور والشهرة والمكافأة السخية، التي في الغالب تكون من بعض مستحقات من كان بإمكانهم إنقاذ العمل الذي قد يصطدم بالرقابة في نهاية الأمر، فتصبح الخسارة كارثة لا يمكن تحملها.
ثمة مشكل آخر، عايشناه في ما مضى لكن بحدة أخف، وهو التأثير السلبي لتقسيم الأدوار حسب الجنسيات، فمنح الأدوار السيئة لممثل من بلد معين قد يثير الحساسية بين شعبين، يبلغ حد التراشق بأبشع الشتائم، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ولن أثير هذا الموضوع لأنه من تلك المواضيع التي تجر النقاش دائما بعيدا عن محتوى الدراما وأهميتها لتشكيل الوعي الجماعي للشعوب. لكن إن أردنا الوقوف عند أخطر الموضوعات المطروحة للنقاش من خلال الأعمال الدرامية لهذا العام، فإن مسلسل «فاتن أمل حربي» لإبراهيم عيسى، الذي قامت ببطولته الممثلة نيللي كريم وكوكبة من نجوم الدراما المصرية، إخراج محمد جمال العدل، يعتبر الأخطر على الإطلاق، كونه أدخلنا في نقاش الحلال والحرام من بابه الواسع، وهو الموضوع الذي تعتقد شعوبنا أنها ضليعة فيه. فأدلى كل بدلوه ولا يزال، وبلغ الأمر الأزهر، الذي أصدر بيانا شديد اللهجة هاجم فيه المسلسل وكاتبه وصناعه. يعيدنا هذا العمل الدرامي إلى قانون الأحوال الشخصية الظالم للمرأة في أغلب الدول العربية، لكن لأن هذا الظلم يبقى حبيس المحاكم، والأفواه التي تتناقله شفهيا دون أي نوايا جادة لإبرازه كقضية إنسانية، فإن الأغلبية الساحقة لا تراه، خاصة أن الطلاق يدين المرأة ويحملُها ما لا طاقة لها به.
الأزمة الرمضانية إذن تزداد اتساعا كل سنة، ليس لأن بعض الأعمال تفتح هذا الباب الذي يحرص البعض على إغلاقه، بل لأنه من المستحيل اليوم إغلاقه وقد فُتِح على مصراعيه.
خَلا الجدل القائم إذن من أي محتوى إنساني وتوقف عند النصوص التي ناقشها المسلسل، وكأن الدراما ليست وليدة الواقع، وكأن النص التشريعي أيضا في اختلافه مع متطلبات الواقع المعاصر لا يشكل أي مشكلة مع من يعيشونه، وهذا التناقض والتصادم معا يختصران الدوامة التي يتحركون فيها، دون أن يتقدموا خطوة واحدة نحو مخرج الخلاص. هذا التصادم نفسه يبرز عبر منصات التواصل الاجتماعي والنقاش الحاد الدائر حول مسلسل «بطلوع الروح» لكاتبه محمد هشام عبية، بطولة منة شلبي وإلهام شاهين، إخراج كاملة أبو ذكري، حيث في الغالب يغيب النقاش حول الأفكار العميقة، لكنه يلامس كل ما هو سطحي، معتبرا المسلسل عملا يشوه الإسلام دون محاولة للبحث عن الباب الحقيقي الذي سمح بتجنيد مئات الآلاف من الشباب العربي في حروب ذات ظاهر ديني وباطن يخفي حربا اقتصادية ومصالح الدول العظمى.
وإن كنا في سنوات مضت ننتظر برامج دينية خاصة تجيب عن أسئلة السائلين في الشهر الفضيل، فإن تلك البرامج تقريبا اختفت هي أيضا، أما ما جدّ فهو عملية سن السكاكين تجاه أعمال درامية بعينها، خاصة إذا طرحت مواضيع تلامس الأزمة الأخلاقية لمجتمعاتنا، مع أنها تطرحها على شكل أسئلة لا تختلف عما ألفناه في تلك البرامج التي درجت في الماضي، والمختلف بينهما هو أن الأجوبة تأتي على ألسنة شخصيات عديدة، قد لا تكون مرجعية دينية واضحة، لكنها شخصيات تعرف ماذا تقول، وقد تختلف مع أي طرح قد يُعتبَر تقليديا، وهذا بالذات ما يجعل الخوف يتزايد بشأن العواقب غير المتوقعة من الجمهور في حال الاقتراب من الثوابت.
الأزمة الرمضانية إذن تزداد اتساعا كل سنة، ليس لأن بعض الأعمال تفتح هذا الباب الذي يحرص البعض على إغلاقه، بل لأنه من المستحيل اليوم إغلاقه وقد فُتِح على مصراعيه. غير ذلك فإن بلوغ الدراما سدة عرش الفرجة، بكل ما تحمله من معطيات وقضايا اجتماعية، جعلها بالتأكيد تعكس بوضوح المراحل المتقدمة لحروب كان المنتصر فيها سابقا طرف واحد، أما اليوم فيبدو أن العقل سيكون الغالب، خاصة بعد أن انفتح العالم على بعضه بعضا، وأصبح قرية واحدة. هل أُقحِم السجال الديني حول الدراما العربية إقحاما؟ أم أن الأمر غير ذلك؟ ربما تم إقحامه كما يُقحَم عادة في كل أمور الدنيا، فنحن لا نترك لا شاردة ولا واردة إلا ونخضعها لمقياس الحلال والحرام، فلما لا نخضع الدراما أيضا للمقياس نفسه.
وهنا تحضرني مقولة لعالم الدين اللاهوتي الإصلاحي الألماني فريديريش دانيال إرنست شلايرماخر (1768 – 1834) «الفن والدين روحان متقاربتان، لكن للأسف لا تدركان بعد القرابة الداخلية بينهما». وردت هذه العبارة في كتاب ترك بصمة حقيقية في الفكر المسيحي، ولعل هناك ما يشبهها لدينا فقد علت أصوات كثيرة لمفكرين وعقلاء عرب ومسلمين، مشجعة هذه الثنائية، لكن الأمر لم يكن سهلا سواء بالنسبة لمسيحيي الغرب آنذاك ولا للمتدينين في العالم أجمع بتقبلها. فالأمر الوحيد الذي أرسى هدنة بين أنصار كل منهما هو تطور وعي الشعوب، وخروجهم من كهف الخرافة. وهذا قد يكون مستقبلا لا مفر منه لمجتمعاتنا أيضا، مهما حاولت التشبث بهذا الموروث الثقيل من المحرمات والمحللات وما بينهما.
لقد كسرت الدراما أحد التابوهات الجديدة، هذا لا شك فيه، لكن بين ما هو محللٌ الخوض فيه، وما هو محرم ترى ما الموضوعات «الحلال» التي يجب أن يقدمها صناع الدراما لينالوا الرضى العام؟
شاعرة وإعلامية من البحرين