حُمّى إسبانية توقّعها غويا مبكراً، بحث فيها عن نفسه فلم يجدها إلا في العبور إلى التزمين، فعمل مراسلاً لمدة تمتد لثلاثة قرون، أنجز فيها بخطوطه وألوانه أعمالاً حسمت الجدل بين الفردي والجمعي، وكان من أوائل من شق الطريق باتجاه إبعاد اللوحة الشبيهة عن الفن الكلاسيكي.
رأت عين غويا في زجاجها الشفاف البُعدَ الثالث للإنسان بقيَمِهِ اليومية، فعَبَرَ الجغرافية المؤطّرة، بعد أن اجتاز الحدود بين (تيسالي، ومقدونيا) مُتقلَّداً ريشته لرسم الفرائس، الآلهة والأبطال، ثم وقف في تناقضات المستنقع الأرستقراطي، وبين سكون الأنثى وحركتها الداخلية المتمردة، بل بين طرق حضورها الفاعل في القرن الثامن عشر (الذي سُمِّيَ قرن المرأة) وتناظُر برادوكس جمال الوجود وبؤس الوجوه، ليصل في نهاية المطاف إلى انزياحات الخرافة، والكوابيس التي لا تطردها الصلوات، ولا طاسات الماء المتأخرة، لا الواعظون ولا اليوم التالي، لا قنديل كبير ولا ظُلمة الفِراش. فأبدع لوحات يتنفس فيها الجمال، وتتنافس فيها صلابة الجِدِّية ومرونة الدعابة.
في بورتريهات الأنثى، قدّم غويا فنّاً يتربع على أمياله، ورؤيةً لا شيء يوقفها على أحد رأسيها سواه، فرسمها وحيدةً في اللوحة بكل كيميائها البرية، لتقيس أبعاد حضورِ ربما لم تكن تُدرِك فعلياً كل أبعاده. رسمها بنكهة السائد لا المتنحي، لتمتدَّ جميلة وثقيلة في آن، كيلا يقوى على تفسيرها صَلَف القواميس الذكورية. رَسَم الأنثى البعيدة في حركتها والقريبةٌ كشعاع على خدّ، والدوحةَ الواعية لمياهها ومسارها.
في مدينة بازل السويسرية – مؤسسة بايلر- وعلى حدود المدينة التي يخترقها نهر الراين، متمشياً بمويجاته الهادئة خلف جدرانها، وفي الفترة التي امتدت بين العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2021 والثالث والعشرين من يناير/كانون الثاني 2022 لمعت ألوان أعمال فنية نادرة لم تُعرَض منذ حوالي ثلاثين سنة. اللوحات الثمانية التي كانت في حوزة أحفاد (ماركيز دي لا رومانا) عُرضت على الجمهور للمرة الثانية، بعد أن عُرضت لسنوات في متحف برادو/ مدريد. اعتُبر المعرض نموذجياً وواحداً من أكثر الكتالوغات شمولاً التي نشرتها المؤسسة السويسرية على الإطلاق.

عندما يتجول الزائر في صالة العرض فسيتوقف عند بورتريه (زيت على قماش) لدوقة ألبا الثالثة عشرة ماريا كايتانا داسيلفا، التي رسمها غويا بعد تَرَمُّلها بسنتين وهي في الخامسة والثلاثين، تلك اللوحة التي نُسج حولها الكثير من القصص والشائعات بعد علاقتها المثيرة به، خصوصاً بعد أن رسمها مرتين سنة 1795 و1797 وكان ذلك بعد عشر سنوات من لقائه الأول بها في إحدى قاعات قصر Infante Don Luis (السيد لويس الرضيع). في تلك الفترة كان غويا مشهوراً بعد أن تم اعتماده رسام بورتريهات في المحكمة الإسبانية، وهو ما كان مفتاحاً ذهبياً استخدمه للعبور إلى المجتمع الأرستقراطي، فرسم الكثير من بورتريهات الطبقة الغنية، وتعرَّف على الشخصيات المؤثرة وصولاً إلى الأمير مانويل جودوي رئيس حكومة تشارلز الرابع.
توثِّق هذه العلاقة بين الفنان الإسباني ودوقة ألبا رسالةُ غويا إلى صديقه زاباتر، التي يعود تاريخها إلى عام 1794، يصف فيها كيف دخلت الدوقة مرسمه في مدريد: «اقتحمت الدوقة مرسمي لتجعلني أرسم وجهها، وقد حصل ذلك على طريقتها الخاصة!» (كتاب يانيس أ. توملينسون (صور نساء غويا).
في البورتريه الشهير تبدو ماريا كايتانا دوقة ألبا امرأةً جميلة مرِحة ومنفتحة، لا تفتقر إلى الحرية، فقد كانت علاقتها غير الرسمية وصداقتها مع غويا راسخةً منذ فترة طويلة. هذه اللامبالاة التي تقف فيها الدوقة في اللوحة، تلوِّن العديد من الحوادث الأخرى لتعكس مخزناً كبيراً من حكايات (وقحة) عن التباهي النموذجي للأرستقراطية في تلك الفترة، التي كانت واضحةً في سلوكها وفي الظروف المحيطة بها، وهو ما يؤكده توملينسون بالقول «أشك في أن مشهد الدوقة عاريةً كان امتيازاً مخصصاً لعشاقها، ربما امتد ليشمل أي شخص بما في ذلك العاملات في المنزل وخلف جدران قصرها».
كان تكريسه كرسام بورتريه مفضَّلاً لدى الأرستقراطيين ودائرتهم، ما حدا بغويا للإقامة ليالِ طويلة في ملاذها المذهل في (سانلوكار دي باراميدا) ولم يعد مجرد بارفان مكبوتاً تستخدمه الطبقة المتنفذة، بل كان رجلاً ذا خبرة، وعلى دراية بذلك، فاستخدم كل شيء لصالحه على الصعيدين الشخصي والفني، معتاداً على سمات العرض النفعي للأرستقراطيين ومدركاً أن أخلاق الطبقة الوسطى لن تسمح له أبداً بالانخراط بها.
على بُعد أمتار قليلة في المعرض، تقف ليوكاديا غالارزا في بورتريه جميل مرتدية فستانا طويلاً بلون الموف الهادئ وطراز امبراطوري، مع تعديل مميز في ربطة أسفل الصدر (وليس عند البطن كما كان شائعاً في القرن التاسع عشر) وهو ما يعكس رؤية غويا الفنية المستقبلية لإبراز النهدين، في إضافة تدل على حبه الشديد لجمالها. ليوكاديا التي يُتِّمَتْ في سن مبكرة فاحتضنتها عمتها جوانا، ولم يُعرف الكثيرعن طفولتها، التقت غويا سنة 1805 في حفل زفاف ابنه خافيير إلى ابنة عمها غومرسيندا غالارزا، تزوجت في ما بعد تاجرَ المجوهرات الألماني إيزيدور فايس وأنجبت ثلاثة أولاد، سيتضح في ما بعد أن روزاريو أصغرهم -الذي توفي فجأةً في عمر 28 سنة – هو ابن غويا (البيولوجي) فكان ذلك سبباً في طلاقها، وهو ما فسّر حب غويا الشديد له ولأمه وموافقته على انتقالهما إلى منزله للعيش معه، لتعمل ليكوديا مدبِّرة منزل.
أهمية ليكوديا كامرأة شابة أحبها غويا ورسمها، تكمن في رسائلها التي اعتُبرت السجل الوحيد للأيام الأخيرة لغويا. مع الإشارة إلى أن السنوات الخمس التالية لوفاة غويا كانت صعبة جداً عليها، وأنها كانت محظوظة إلى حد كبير بتقاضيها معاشاً من الحكومة الفرنسية.

لقد اعترف القرن الثامن عشر بأهمية الجمالية الكبيرة للمشاعر والأحاسيس التي طالما خُصِّصَت للعالم الأنثوي، وافترض منظروه أنها خصائص «طبيعية» للمرأة، وهو ما أثبتته الزيادة التدريجية في وجود النساء في اللوحة، وقبل كل شيء في الوضع «الواقعي». فلم يعد رسم المرأة حالة تخيُّلية أو مستمدة من أيقونات الكنيسة، وهذا بالفعل ما صوره غويا في الكثير من لوحاته، وشاع في ما بعد في فن عصره، حيث يبدو التزايد المُطّرد في أعداد النساء «الحقيقيات» اللواتي وقفن في اللوحة فُرادى كبورتريهات أو جمعاً كأسرة أو صديقات فَعلَنَ ما اعتدنَ فعله عفوياً.
السؤال المهم هنا، كيف وإلى أي مدى أثّرتْ ثورة غويا (الشخصية) في طريقة تعامله مع النساء وتمثيلهن بشكل إيحائي يلتبس فيه كل من اسم الأنثى وتمرُّدها على البيئة الأرستقراطية في البورتريهات؟ يجيب على ذلك توملينسون: «أثناء إقامة غويا في (سانلوكار) لم يكن القلق أو الاستياء الذي أثَّرعليه مجرد نتيجة معاناة، أوغضب بسبب خيبة أمل رومانسية، بل نتاج صِدام بين عقليتين، أو طريقتين متناقضتين لفهم الأخلاق الأرستقراطية والبورجوازية». من خلال الظروف السائدة في ذلك الوقت، ينحاز غويا إلى الطبقة الوسطى ليُسقط القناع عن أخلاقيات الطبقة الأرستقراطية، الأمر الذي جعل لوحاته أكثر قبولاً في المجتمع الإسباني ككل، وفي أوساط مثقفي الطبقة الوسطى بشكل خاص، للحدّ من الارتباك الذي وسم المجتمع الإسباني وقتها، خصوصاً في الأعوام التي سبقت (الغزو الفرنسي لإسبانيا) فرسم ثمانين عملاً في الفترة 1797-1798، التي نُشرت كألبوم عام 1799 تحت مسمى (لوس كابريكوس، التي تعني: الأهواء) مازجاً الحزن بكاريكاتير أسود، مُطْلقاً العنان لحالة ذهنية تدور في فلك الغضب الأخلاقي والإحساس بالتناقضات الوجودية، الأمر الذي استغله الفنان الإسباني إلى أقصى حد لتأريخ تلك المرحلة المهمة فنياً وفكرياً.
يُعلَّق على ذلك الناقد الأسترالي/ الأمريكي روبرت هيوز رئيس قسم الفن في مجلة «تايم» الأمريكية ومؤلف كتاب (غويا): «من خلال أعماله كان دائماً ما يحاول الإجابة على تساؤلات العقل وقد فتح بالفعل باباً صغيراً لِمعانٍ محتملة وملأ لوحاته بالعاطفة واللحظة التي التقطتها روحه وثبَّتَتْ زمنه. لقد حاول عكس الواقع وانفصال الفنان عن حُلمه».
غويا آخر الكلاسيكيين، عاش حياةً مليئةً بالتقلبات، وبقي مثيراً للجدل حتى بعد وفاته، وبعد نَقْل جثته من بوردو إلى مدريد دون جمجمة! الذي رسم البورتريهات في أمكنة مختلفة كالمحكمة، قصر تشارلز الرابع، المخابئ السرية للعشيقات – ولوحات الكابريكوس الثمانين التي قدَّمَتْهُ إلى العالم، ما تزال إبداعاته تنبض بتفاصيل سيرته الغامضة حياً وميتاً، وما يزال خارج دائرة الحياة الساكنة، كان قد غَيَّر نظرة الناقد الشهير هيكتور أوبالك المعروف بسخريته من فن القرن الثامن عشر، الذي نظر إلى لوحة (لا ماثا فيستيدا «المحتشمة») باستغراب، فسأله أحدهم ماذا تقول في ذلك؟ فأجاب: «اللوحة ليست مقالاً يجب أن تفهمه، إنها آية جميلة تقول كل شيء وتأخذك بعيداً».
كاتب سوري