الناصرة – “القدس العربي”:
رغم إطلاق الصاروخ من لبنان وربما بسبب ذلك تواصل المؤسسة الأمنية ترجيحاتها بأن حركة حماس غير معنية بالتصعيد مع إسرائيل في هذه المرحلة. وطبقا للمصادر الإسرائيلية كان صاروخ قد سقط في منطقة مفتوحة بالقرب من مستوطنات الجليل الغربي الأعلى دون وقوع أضرار أو خسائر فيما تحدثت مصادر لبنانية عن إطلاق صاروخين بعد منتصف ليلة الأحد. وأعلن الجيش الإسرائيلي أن وحدة المدفعية ردت على الصاروخ بعشرات القذائف المدفعية نحو مناطق مفتوحة في جنوب لبنان وبالقرب من المنطقة التي أطلقت القذيفة الصاروخية منها وأنه هاجم “بنية تحتية” لبنانية.
وفي حديث للإذاعة العبرية العامة صباح اليوم الإثنين قال الناطق بلسان جيش الاحتلال ران كوخاف إن التقديرات العسكرية تشير إلى أن فصيلا فلسطينيا في لبنان أطلق القذيفة الصاروخية باتجاه الجليل الأعلى في رسالة تضامن مع القدس وردا على ما حصل في الحرم القدسي الشريف.
ونقلت صحيفة “معاريف” عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن حماس نقلت رسائل بوسائل مختلفة، بينها وسطاء مصريون، قالت فيها إنها ليست معنية بتصعيد وأنها تعمل من أجل وقف إطلاق القذائف الصاروخية من قطاع غزة باتجاه أراضي 48. ونقلت صحيفة “هآرتس” عن مصدر أمني إسرائيلي رفيع قوله إن الفلسطينيين الذين يعملون في إسرائيل يتقاضون أجرا مرتفعا نسبيا قياسا بالأجور في القطاع، وأن هذا الأمر هو عامل استقرار هام للغاية في المنطقة.
ويبدو أن إغلاق معبر بيت حانون الذي اعتبرته حماس عقابا جماعيا لأهالي غزة يأتي ضمن محاولة إسرائيلية للابتزاز ويندرج ضمن محاولات إسرائيل بناء معادلة “الاقتصاد مقابل الهدوء”. ويرى المصدر أن الأسبوع الحالي سيكون حاسما بكل ما يتعلق بالوضع الأمني كونه يتزامن مع نهايات شهر رمضان متهما حماس بمحاولة تحقيق إنجازات، بضمنها تشجيع الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية على الدخول في مواجهات مع قوات الاحتلال.
جبهة واحدة
ومن خلال تصعيد سياسة العصا والجزرة تسعى سلطات الاحتلال لعدم التصعيد مع غزة والمضي في استراتيجية الفصل بين الساحات والجبهات الفلسطينية كواحدة من دروس “حارس الأسوار” والمواجهات بين الفلسطينيين على طرفي الخط الأخضر في مايو/أيار الماضي يوم انقلب السحر على الساحر وبدلا من تكريس الانقسام بين القطاع وبين الضفة وجدت إسرائيل نفسها أمام جبهة فلسطينية واحدة موحدة.
في المقابل أعادت سلسلة العمليات الأخيرة في العمق الإسرائيلي، مخاوف من تكرار هذه العمليات وتصاعدها ومخاوف تكرار سيناريو هبة الكرامة في مايو/أيار الماضي. المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس”، عاموس هارئيل، لخص، في مقالة تحليلية له في 30 آذار/مارس وقبل عملية ديزنغوف، الأجواء المرتبكة التي سادت في أروقة الأمن وفي أوساط السياسيين، بأنها تكمن في تحقق “سيناريو المحاكاة” والارتجال، وهو ما يمكن أن يفسر نجاح هذه العمليات الفردية و”عدم وجود إنذارات مسبقة لدى الأجهزة الأمنية حولها” ولكنه أيضا لا يجعلها مادة “للمحاكاة والتقليد” بل شرارة قد تشعل كل الجبهات.
خبير: الخطوات الإسرائيلية تكتيكية لا تعالج جذر الأزمة الكامن في غياب أفق سياسي حقيقي لحل الصراع
وضمن تقريره بعنوان “خلخلة وَهْم الفصل بين الساحات الفلسطينية” يرى المركز الفلسطيني للشؤون الإسرائيلية (مدار) أن سلطات الاحتلال تصعد من سياسة “العصا والجزرة” أو فصل الساحات والجبهات الفلسطينية، وقال إن قرارات المجلس الأمني السياسي المصغر “الكابينيت” الذي عقد في الثلاثين من آذار/مارس الماضي، يعكس الطبيعة المزدوجة التي تتطلبها مواجهة هذه الموجة من العمليات، فإلى جانب النشر المكثف لقوات الشرطة والجيش وحرس الحدود في المدن الإسرائيلية وعلى طول الخط الأخضر، وإغلاق الفتحات في جدار الفصل، تمت زيادة ميزانيات الشرطة واستدعاء مزيد من القوات ونشرها في الضفة الغربية وعلى الحدود مع غزة، وإقرار خطوات تعتمد على المبادرة وإحباط العمليات، وهي قرارات تهدف إلى منع العمليات المستقبلية، والأهم استعادة الشعور بالأمن الشخصي لدى الاسرائيلي العادي، وترميم صورة الردع وهيبة المنظومة الأمنية. منوها أنه في المقابل تم حصر العقوبات والإجراءات الانتقامية والرادعة بأصغر دائرة ممكنة من عائلات منفذي العمليات أو المناطق التي يخرجون منها، خاصة مدينة جنين التي تم إغلاقها ومعاقبتها لفترة وجيزة وشملت العقوبات عليها منع مواطني الداخل من زيارتها والتسوق منها لأسبوع وسحب عدد من تصاريح العمال والتجار، وإغلاق بعض المعابر، حيث قرر الكابينيت عدم إلغاء التسهيلات التي كانت قد أقرّت مسبقا لمناسبة رمضان قبل اندلاع موجة العمليات الأخيرة، والتشديد على أن سحب تصاريح العمل سيكون من الأقارب من الدرجة الأولى، إلى جانب هدم منازل المنفذين.
وأطلق جيش الاحتلال على مجمل هذه القرارات والسياسات والتوجهات العملياتية العسكرية أو الاستخباراتية أو السياسية والإعلامية اسم (كاسر الأمواج) وذلك لتجسيد الانطباع القوي السائد لدى الاوساط الأمنية بأن هذه الموجة لا تشبه العمليات التي كانت تنطلق من مدن الضفة في ذروة الانتفاضة الثانية، والتي كانت تقف خلفها مجموعات منظمة تمتلك بنية تحتية عسكرية تتحصن داخل المدن التي لم يكن يدخلها الجيش الاسرائيلي بسبب اتفاق أوسلو حتى حملة “السور الواقي” واجتياح الضفة التي قادها رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق أريئيل شارون في أواخر آذار 2002.
ويشير “مدار” ألى أن عملية “كاسر الأمواج” تعتمد على محاربة عدو خفي، فردي، مباغت، يصعب التنبؤ به، لذا فإنها ستسعى إلى ممارسة ضغط مكثف وشديد وخاطف ومركز، تقوم به قوات خفيفة ومدربة (مستعربون ووحدات نخبة مختارة) ضد أهداف وأشخاص وفئات مرشحة لأن تكون ضمن المنفذين المحتملين لعمليات مقبلة. ويضيف: “اعتمدت العمليات العسكرية في “كاسر الأمواج” على الدعاية والاستعراض في جانب كبير منها، حيث تم اقتحام مدينة ومخيم جنين وتنفيذ اعتقالات وخوض اشتباكات مسلحة مع شبان فلسطينيين فيهما في وضح النهار، بهدف إظهار وإبراز عامل الردع وعدم الخشية من المواجهة”.
ولخص وزير الأمن الاسرائيلي بيني غانتس السياسة الأمنية التي تنتهجها إسرائيل في مقابلة مع موقع “واينت” في الثالث من أبريل/نيسان الحالي بأنها تقوم على “سياسة مدنية واسعة قدر الإمكان” تتمثل في زيادة عدد العمال الفلسطينيين العاملين في سوق العمل الإسرائيلية والتعبير عن الرغبة في “استمرار اللقاءات مع الرئيس أبو مازن” للحفاظ على التنسيق مع أجهزة أمن السلطة، وكل هذا كان مقصودا به احتواء الموجة، وعدم تزايد ظاهرة العمليات الفردية أو دائرة المؤيدين لها والراغبين في الانضمام إليها ومحاكاة منفذيها. كما لخص الصحافي المحلل المتخصص في الشأن العسكري في صحيفة “يسرائيل هيوم”، يوآف ليمور، أهداف هذه السياسة في مقالة له نشرها في31 آذار/مارس الماضي، اعتبر فيها أنها تأتي جراء “الدرس الرئيس الذي يتوجب على أجهزة الأمن الإسرائيلية تعلمه من أحداث أيار/مايو الماضي، الحاجة إلى الفصل والتمييز بين الجبهات” بما فيها جبهة الداخل “وعدم الانجرار إلى المعادلة التي تحاول فرضها الفصائل في غزة بالربط بين القدس وغزة والضفة ومناطق الـ48. ويتفق المراسل العسكري لصحيفة “معاريف”، طال ليف رام مع هذه القراءة وقال إن تقديرات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تشير إلى أن “التوترات والأحداث الاستثنائية في القدس ستمتد إلى مناطق أخرى إذا ما تواصلت خلال الأيام المقبلة” الأمر الذي يشكل “تحديا كبيرا” للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية التي باتت ترى أن احتمالات التصعيد في غزة ارتفعت في الأيام الماضية” معتبرا أن التصعيد في حال استمراره “قد يدفع الفصائل إلى إطلاق الصواريخ من غزة تجاه المستوطنات الاسرائيلية” وهو ما يبرر السياسة “غير المتشددة” تجاه الجمهور الفلسطيني العريض، خاصة في شهر رمضان والتركز في مواقع محددة.
المحلل العسكري لصحيفة “هآرتس”، عاموس هرئيل اعتبر أن حالة التوتر تسود “كافة الساحات” وأن ما يشجع على اتخاذ سياسات “مدنية” هو أنه “لا يرى زخما فلسطينيا للاحتجاجات والمواجهات مع قوات الاحتلال في عموم الضفة الغربية المحتلة” وأن الفصائل الفلسطينية قد تلتحق تنظيميا “بموجة العمليات الفردية. ويقول “مدار” إن سياسة الإبقاء على التسهيلات التي انتهجها غانتس، وأقرها الكابينيت المصغر، للتعامل مع موجة التصعيد، وخاصة في ظل عدم فرض إغلاق شامل على الضفة الغربية، لاقت استخفافا من قوى اليمين المعارضة وممثليه، عبر عنه عضو الكنيست عن حزب الليكود أوفير أكونيس، حيث اعتبر، في مقابلة مع القناة السابعة، أن موقف الحكومة يعبر عن “حالة ضعف فظيعة، وخضوع سيشجع على مواصلة الإرهاب” مشدّداً على أن التجربة أثبتت أن “إحناء الرأس أمام الإرهاب يعمل على زيادته لا إخماده”. على خلفية ذلك من المتوقع أن تزود عملية إطلاق الصاروخين من جنوب لبنان للجليل ليلة أمس ذخائر دعائية للمعارضة برئاسة نتنياهو ضد “حكومة التغيير” المتهمة بالعجز والضعف وتتعرض للسخرية والاستخفاف.
فقدان الأفق السياسي
ويعتبر “مدار” في هذا المضمار أن سياسات إسرائيل العنصرية تحول أراضي 1948 إلى ساحة واحدة، وتمارس سياسة تمييزية ضد غير اليهود، عبرت عنها بشكل متواتر منظمات إسرائيلية وعالمية معروفة مثل منظمة “بتسيلم” وتقرير المنظمة الدولية التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها “هيومان رايتس ووتش” في العام الماضي، وتقارير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة فضلا عن التقرير اللافت لمنظمة العفو الدولية (أمنستي) في مطلع شباط/فبراير من العام الحالي، والذي صرحت الأمينة العامة للمنظمة، أنييس كالامار، في مؤتمر صحافي بأنه “يكشف النطاق الفعلي لنظام الفصل العنصري في إسرائيل”.
وفي المقابل اعتبر رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي الأسبق، غيورا آيلاند، في مقال نشرته “يديعوت أحرونوت” أن كل هذه الخطوات تكتيكية ومؤقتة ولا تحل جذر الأزمة الكامن في غياب أفق سياسي حقيقي لحل الصراع من جذوره. ويرى آيلاند أن المصلحة الإسرائيلية، في ظل هذه الظروف المتوترة، تقتضي “فحص إمكانيات أخرى محتملة لإنهاء الصراع وعدم الانغماس بالإمكانية الوحيدة المعروضة” منذ العام 1993 والأمر الثاني، والأكثر واقعية، هو “إدارة الصراع”.
ويرى “مدار” أن فصل الساحات بهذه القراءة يعتبر واحدا من فصول إدارة الصراع أو السلام الاقتصادي أو بتعبيرات سابقة أكثر مباشرة سياسة العصا والجزرة، كما عبر عنها رئيس حكومة الاحتلال نفتالي بينيت نفسه، وهي سياسات سبق أن جربت وقادت إلى نتائج معاكسة تماما بسبب أنها تعمق الصراع وتعقد سبل حلّه وتضعف خيار حل الدولتين وتدمج بين الساحات وتحولها إلى ساحة واحدة وعودة للمربع الأول، مربع 1948. ويعتبر أنه في غياب فعل دولي أكثر حسماً وإعادة تفكير شاملة بالمقاربة الدولية للصراع، يمكن لهذا المسار أن يفضي إلى المزيد من الابتعاد عن حل الدولتين الذي تدعي الولايات المتحدة دعمه، وإلى تآكل حقوق الفلسطينيين وتشجيع تجدد العنف” أو بكلمات اخرى تحويل مساحة فلسطين التاريخية إلى ساحة واحدة.
وهذا ما يحذر منه المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس”، عاموس هرئيل الذي يشكك حتى على المستوى التكتيكي وفي مواجهة الموجة الحالية، بقدرة هذه السياسات على احتواء المواقف، لا بل إنه يرصد ما وصفها بـ”إشارات مقلقة” صادرة عن حركة فتح مشيراً إلى “حضور لافت لناشطي الحركة في جنازات الشهداء الذين قتلوا برصاص الجيش الإسرائيلي في مواجهات مختلفة في شمال الضفة المحتلة خلال الفترة الماضية”. والأخطر من ذلك، برأيه “المشاركة الاستثنائية لممثل عن حركة فتح في غرفة العمليات المشتركة لفصائل المقاومة في قطاع غزة، الأسبوع الماضي”. ويخلص “مدار” للاستنتاج أنه بناء عليه، فإن موجة العمليات والمواجهات وسبل التصدي لها تدخل اسرائيل في أزمة حقيقية مع الفلسطينيين فضلاً عن أنها تعرض كل المكاسب التي حققتها من “اتفاقات أبراهام” للخطر، وتوتر علاقاتها مع الأردن.