«بيت الشدة»… تجديد الحكاية الأسطورية في الدراما المصرية

عادة ما يتسبب التركيز الإعلامي على مُسلسلات كبار النجوم في رمضان في ظلم مُسلسلات أخرى جديرة بالاهتمام والمُشاهدة، ذلك أن الدعاية تلعب دوراً كبيراً في التأثير السلبي على الاختيار الجماهيري والشعبي فتوجه الأنظار ناحية العمل الفني المُسلطة عليه الأضواء، لكن هذا التأثير لم يستمر طويلاً فسرعان ما يكتشف المُشاهد أنه وقع تحت ضغط الدعاية الكاذبة، فيُعمل عقله وذائقته ويختار ما يراه أفضل بعيداً عن كل المؤثرات.
هناك أعمال كثيرة رديئة سحبت البساط من تحت نوعيات مُختلفة تستحق المُشاهدة والتقييم وأحدثت شوشرة حول ما هو جاد ومُغاير، وربما يبرز من بين ذلك الصنف المظلوم نقدياً ودعائياً مُسلسل «بيت الشدة» للكاتب ناجي عبد الله والمخرج وسام مدني، فهو يطرح حالة إبداعية جديدة لم نرها منذ قدم يحيى الفخراني مُسلسلة الشهير «ونوس» قبل عدة سنوات مع نبيل الحلفاوي وهالة صدقي، اللذين شاركاه البطولة.

وتعد هذه هي المرة الثانية التي تقدم فيها الدراما التلفزيونية تنويعاً خاصاً على الأجواء الأسطورية والميتافيزيقية، في تضافر مُحكم بين الحدث الواقعي والحدث الغيبي أو الأسطوري، فـ»بيت الشدة» كما يصوره المؤلف ناجي عبد الله هو عنوان الفكرة الخيالية أو الغرائبية الموحية بتفاصيل الحدوتة المُثيرة للخيال والجدل في آن واحد، حيث لا يُمكن فصل الأحداث والشخصيات عن الأجواء والإيحاءات التي تقود المُشاهد إلى مسلك آخر في المُتابعة، تطغى عليه الحالة السحرية فتبرق في الذهن مفاهيم لها صلة بالعالم السفلي، حيث الجن والعفاريت والشخصيات الخرافية الخارقة التي تنتمي إليها بطلة المُسلسل وفاء عامر.
ولأن مثل هذه الحالات تتميز بالغموض والتركيب وتعدد الأبعاد يحتاج فهمها لكثير من التدقيق والتركيز في ما وراء الحدث الظاهر والجمل الحوارية الواردة على لسان الشخصيات، فقد يكمن المعنى كله في التفاصيل الصغيرة، لذا يتوجب الانتباه جيداً إلى الخلفيات باعتبارها جزءاً مكملاً للمعنى، أو دالاً عليه، كالصورة والإضاءة والموسيقى والديكور والألوان وتترات المُقدمة والنهاية، وغيرها من العناصر المرئية والمحسوسة المؤدية إلى اتساع نطاق الرؤية خارج الحدوتة التقليدية التي لا تُمثل أكثر من إطار للمحتوى الفكري والفلسفي والإبداعي.

فالحكاية الدرامية في حد ذاتها ليست هي الهدف، فهي مجرد مفاتيح فقط للمفاهيم العميقة التي يُريد المؤلف والمخرج أن يصلا إليها بوساطة الأبطال الرئيسيين والممثلين الثانويين، كل حسب دوره وموقعه ودرجة تأثيره، فوفاء عامر تجسد شخصية مزدوجة تحمل الصفات البشرية كافة، من شكل وجسم ولغة وحضور، وفي الوقت نفسه ينطوي جوهرها النفسي على روح مُختلفة تبدو قوية وشريرة أحيانا، وطيبة ورقيقة أحياناً أخرى، وهي ذاتها فكرة الغواية المُتصورة عن الكائنات غير الإنسية التي تُجيد المراوغة والمُراودة في تعامُلها مع بني البشر المُستهدفين للسيطرة عليهم وتطويقهم.
ومن سمات الشخصية الشيطانية ذلك التلون الباعث على الخوف والقلق والحيرة والتساؤل عن أغراض الجن وأعراضه، وكيفية وجوده وحضوره واختفائه بالأطوار التي يظهر فيها للإنسان، وتلك هي النقاط الجوهرية للعمق الدرامي والفكرة المُستلهمة لاستبيان ما يُمكن أن يحدث لبني آدم طبيعي لو صادف كائناً كهذا داخل مكان مهجور كبيت الشدة، وما علاقة البيوت المهجورة بأصل الاعتقاد الشعبي القائم في الأساس على تأثيرات الخوف والوهم.
لقد استغل المخرج وسام مدني الأحداث والمواقف المكتوبة في السيناريو لتفعيل الحالة الاجتماعية داخل الحارة، بافتراض أنها واقعية وضمن في سياقاتها المفاهيم الخاصة بالتصورات العديدة في الموروث الشعبي عن عالم الجن والسحر والشعوذة، لهذا بدت الحكاية الأسطورية مُقنعة لدى المُتلقي، خاصة مع اختفاء وظهور الخط الهميوني الفاصل بين الواقع والخيال.

غير أن حالات التقمص الشديدة من جانب الأبطال ساعدت كثيراً على تفعيل الحالة الدرامية وتصديقها، فشخصية مختار، التي يجسدها أحمد وفيق، تُمثل دعماً قوياً لبنية العمل ككل، فمع رمزية الاسم وخصال الشخصية الشعبية المُنتمية للحارة المصرية التقليدية تتبلور المعاني الإيجابية المقصودة، التي من شأنها الإقرار بمبدأ وجود الخير الإنساني وصيرورته في مواجهة الممارسات الشريرة للكائنات السفلية. ولا شك في أن قوة النص المكتوب وكفاءة الإخراج، ساهما كثيراً في نتائج الأداء التمثيلي لبقية الأبطال، مها أحمد – الدكتورة الصيدلانية، ومحسن منصور – الشيخ عبد القادر وصبري عبد المنعم صاحب محل النحاس وعمرو رمزي المُستثمر الذي يرغب في شراء المحلات التجارية في الحارة لتطويرها وتغيير معالمها وملامحها، وهو إسقاط درامي مقصود على النفوذ الرأسمالي لرجال الأعمال، الذين يعملون على تخريب العقول وإفساد الأفكار بإصرارهم على تغيير هوية المكان والزمان، وطمس الحضارة والتاريخ وهو المعنى الذي يصب في الدائرة نفسها، حيث الغياب المنطقي للأشياء والفرار من الواقع إلى عالم ما وراء الطبيعة.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية