«سفر الأحلام»… دراما مصرية تنحاز للقيم الاجتماعية والأخلاق

لا تزال قضية الدراما المصرية ومستواها الفني والإبداعي الذي تراجع بشكل ملحوظ، تشغل الرأي العام، رغم الشروع في إنقاذها عبر ضمانات كثيرة وعدت بها الجهات المعنية للارتقاء بالذوق العام، والحد من الإسفاف وصور المحاكاة في الشارع المصري، من جانب عينات خاصة من الجمهور، لم تأخذ حذرها الكامل من عواقب التقليد السلبي لما يُقدم أحياناً على الشاشة، من أعمال العُنف والبلطجة لتأكيد الرجولة والسيطرة، حسب السياقات الدرامية المصنوعة من هواة الكتابة والإخراج والتمثيل.
ولأن الأشياء تتميز بما هو ضدها فإن ما يتم عرضه على قناة «ماسبيرو زمان» وغيرها من أعمال فنية كان لها السبق في عرض القضايا الاجتماعية ذات الأهمية الكُبرى، يجعل المقارنة بين القديم الفائت والحديث الآني أمراً حتمياً، في ضوء الشكوى المُستمرة من رداءة المُنتج الحالي والانحياز الكامل للنوعيات الدرامية، التي أنتجت في الماضي القريب أو البعيد.
من بين المُسلسلات التي جرى عرضها مؤخراً لعدة مرات وحظيت بإعجاب المُتابعين من جميع الفئات، مسلسل «سفر الأحلام» للكاتب والسيناريست الراحل وحيد حامد، والمخرج سمير سيف، في أول تجربة تليفزيونية للمخرج السينمائي صاحب الرصيد الأوفر من أفلام الحركة «الأكشن».


المسلسل الذي أنتج في عام 1986 لعب بطولته الفنان محمود مرسي بالمُشاركة مع آثار الحكيم وصلاح السعدني ونجوى فؤاد وعبد العزيز مخيون ونجاح الموجي وحسن مصطفى وآخرين. وقد ناقش العمل الدرامي الفارق في حلقاته المُتميزة والمُثيرة عبر مجموعة من المحاور الرئيسية عدة مُشكلات على قدر من الأهمية، أولها مشكلة التقاعد بعد بلوغ الموظف الحكومي سن المعاش، وهذا المحور تمت الإشارة إليه في حلقة أو حلقتين قبل عبور المشكلة والذهاب إلى محور آخر على المستوى نفسه من الأهمية. وبشكل جدي وفي سياقات إبداعية مُحكمة عرج الكاتب وحيد حامد على خطوط كثيرة موازية، تشابكت فيها الهموم الاجتماعية التي ألقت ظلالها على المواطن الفرد فأثرت في حياته اليومية والمستقبلية أيما تأثير، مثل مشكلة البطالة على سبيل المثال، بوصفها من عوامل الإحباط واليأس، والبطالة بالصورة التي ناقشها الكاتب مع المخرج، يتساوى فيها كل من العامل والموظف وخريج الجامعة والفنان الموهوب الباحث عن فرصة لاكتشافه. لقد جمع الكاتب وحيد حامد بين النوعيات الإنسانية المؤرقة والمهزومة، ووضعهم في مكان واحد كي يقرب المسافات بينهم ويجعلهم في مرمى البصر وداخل بؤرة الوعي، إذ لا فرق في الأزمة بين الرجل المُثقف والإنسان العادي، طالما أن الاثنين يعيشان في واقع متشابه ويواجهان تحديات واحدة. وبالنظر لطبيعة المُشكلات التي يُلقي عليها المؤلف الضوء وتعكسها رؤية المخرج، نجد أنها بالفعل مؤلمه وقاسية وتحتاج لكثير من الوقت للتغلب عليها، بغض النظر عن طُرق ووسائل التعامل معها، وتلك هي عبقرية التناول التي يتميز بها المُسلسل شكلاً وموضوعاً.
في البداية تبرز مشكلة البطل محمود مرسي (الأستاذ أنيس) الذي يُعاني من الوحدة بعد وفاة زوجته، وإحالته على التقاعد، وبعد التمهيد في الحلقتين الأولى والثانية نرى كيف تخلص الرجل من الوحدة، عن طريق تحويل شقته الصغيرة إلى «بنسيون» كي يؤنس وحدته ويعيد لنفسه الحياة برونقها الأسري وفق اختياره الجديد. كذلك نلاحظ قدوم العامل الهارب من جحيم الإفلاس والعوز خميس (نجاح الموجي) إلى القاهرة، بعد أن تقطعت به سُبل العيش في قريته، التي تُمثل المجتمع الريفي الاستهلاكي غير المُنتج بفعل الانفتاح الاقتصادي، الذي غير شكل القرية المصرية وحولها إلى نموذج مشوه لمدينة طاردة. كما جاءت الفتاة الجامعية أماني (آثار الحكيم) الباحثة لنفسها عن وظيفة في قلب القاهرة المُزدحمة، كنموذج لإنسانة مكافحة تحاول الاحتماء بأخلاقها وتكوينها النفسي والتربوي السوي، وتتصدى لكل عمليات النصب والاحتيال، كي تحتفظ بنقائها الريفي وقيمها الإنسانية النادرة .
وللتأكيد على وجود العنصر الأخلاقي كضمانه أساسية للوقاية من السقوط في براثن السرقة والنهب، نجد شبيها لأماني في النقاء والاستقامة، حازم (صلاح السعدني)، الكاتب المسرحي الناشئ الذي يرفض البيع والمساومة رغم ظروفه المادية الصعبة، فيقاوم بصلابة إغراء المال، ويرفض الاستفادة من صفقة الزواج العُرفي التي أوقعته فيها نجوى فؤاد.
وعلى جانب آخر يُفضل عبد العزيز مخيون كمهندس، العمل اليدوي الشاق على التكسب من الفساد والانحراف فيُتهم بالجنون لغرابة تصرفه الذي صار من وجهة نظر المجتمع الانفتاحي تصرفاً شاذاً مغايراً للسائد والمألوف!
تلك هي الشخصيات الإيجابية التي بنى عليها المؤلف وحيد حامد عمارته الدرامية في مسلسل «سفر الأحلام» مع المخرج سمير سيف، بينما أورد في إشارات عابره بعض السلوكيات المرفوضة الدالة على الفوضى، من خلال نقده الضمني للشخصيات الأخرى المُدانة، حسب توظيفه، كشخصية حسن مصطفى التاجر المُستغل الراغب في شراء كل شيء بالمال والمُتحصن بثروته مجهولة المصدر. وأيضاً شخصية نجوى، المرأة الغنية صاحبة النفوذ، الطامحة لامتلاك الكاتب المسرحي الشاب بمالها وإمكانياتها وعلاقاتها المؤثرة، كي يُصبح بديلاً لطليقها رجل الأعمال المغرور المتغطرس!
حالات متنوعة ونماذج بشرية مشوهه قُدمت في المُسلسل كناتج سيئ لثقافة الاستغلال والسلب والنهب التي طرأت على المُجتمع في ظروف استثنائية، بفعل تحولات سياسية فرضت قوانينها الخاصة في مرحلة زمنية معينة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية