مراجعات في الذكرى الرابعة للربيع العربي والمسافة بين الأمل واليأس

تمر هذه الأيام الذكرى الرابعة لموجة الانتفاضات الشعبية العربية، فيما سمي عالمــيا بالربيع العربي، التي انطلقت من سيدي بوزيد في تونس وشملت تقريبا معظم أرجـــاء الوطــن العربي.
كانت الثورات الشعبية تحمل مضامين اجتماعية بسيطة تتمحور حول الحرية والكرامة والعيش الكريم، وإنهاء عهود الطغاة وقيام دولة القانون والتخلص من مافيات الفساد واستبداد الأجهزة الأمنية. قبل أربع سنوات كان العالم العربي يعيش موجة من الانبعاث والطاقة المتجددة والأمل والفرح والحلم، وكأن تلك الطاقة التي انبعثت في الأمة على إثر موجة الانتفاضات المتتالية التي استطاعت أن تسقط طغاة أربعة في فترة زمنية قياسية تبشر بتحول عظيم نحو قيام أنظمة تمثل شعوبها فعلا لا تزوير،ا تأخذ البلاد نحو الاستقرار والتنمية الرشيدة وبناء المؤسسات والتحرر من التبعية، كما حدث في أوروبا الشرقية بعد انهيار حائط برلين، أو كما حدث في أمريكا اللاتينية بعد نهاية حكم العسكر على إثر انتهاء الحرب الباردة. لقد جاءت تلك اللحظة بعد يأس طويل ومسلسل من الهزائم بعد اتفاقية كامب ديفيد المشؤومة، التي جرّت على الأمة وما زالت مصائب «لو حلت على الأيام صرن لياليا».
بعد اتفاقية كامب ديفيد بدأت الانقسامات تتعمق في جسم الأمة واشتعلت الحــــروب البينية والعابرة للحدود، وتغولت إسرائيل ووصلت ذراعها الطويلة إلى بيروت وبغداد وتونس ودير الزور ودبي.
حرب أهلية في لبنان وحرب بين العراق وإيران وحرب إسرائيلية على لبنان أدت إلى رحيل منظمة التحرير الفلسطينية عن آخر نقطة تماس مع العدو، وانهارت جبهة الصمود والتصدي، وكلل النظام العراقي مسلسل التفتيت باحتلاله للكويت، ما أعطى المبرر للولايات المتحدة، التي انفردت في موقع الدولة العظمى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، أن تكبل العراق تحت طائلة العقوبات وصولا إلى الاحتلال المباشر. كوّعت منظمة التحرير الفلسطينية بتوقيعها اتفاقية أوسلو الكارثية تلتها اتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل. انفصل جنوب السودان عن السودان ودخل العراق ما يشبه الحرب الأهلية، وغابت مصر عن التاريخ والجغرافيا وكأنها غير موجودة. حرب على الضفة الغربية عام 2002 وحروب وحصارات متلاحقة على غزة. لقد استقر اليأس عميقا في النفوس، رغم محاولات فصائل المقاومة في لبنان وفلسطين أن تنعش شيئا من الروح، إلا أن المواطن شاهد تدمير الجنوب اللبناني وغزة والعراق، وشاهد تلك الوجوه الكالحة لرؤساء تكلسوا على كراسيهم يقفون إلى جانب من دمر العراق وأحرق غزة والجنوب اللبناني. لقد أصبح النظام العربي المحنط جزءا من مأساتنا اليومية، ويكفي أن نعرف أن الرؤساء الأربعة الذين أًسقطوا حكموا 128 سنة بمعدل 32 سنة لكل واحد منهم لنعرف حجم المأساة التي عاشتها الأمة. الا تستحق كل تلك المصائب براكين غضب تهدم هذا البنيان الفاسد؟
جاءت الشرارة المنتظرة فانفجرت الجماهير قهرا وقررت مواجهة أنظمة الطغاة بصدورها العارية وتصميمها الصلب فأعادت لنا شيئا من الأمل والثقة بهذه الأمة وقواها الحية. لكن عمر الأمل كان قصيرا، حيث تحركت قوى الثورة المضادة فورا وقررت إجهاض ذلك الأمل وإعادتنا مرة ثانية إلى مربع اليأس. وها نحن بعد أربع سنوات يكاد الكثيرون منا يتمنون لو بقيت الأمور على ما كانت عليه لكان أفضل بكثير مما آلت إليه.

بين نظرية المؤامرة والانطلاقة العفوية للانتفاضات

انقسم المثقفون والكتاب وصناع الرأي حول تفسير الظاهرة. قسم راح يحلل الأسباب الموضوعية التي أدت إلى انفجار الشارع ضد الطغاة، وقسم أكد أن ما يجري إنما هو سيناريو معد وتجسيد للفوضى الخلاقة والشرق الأوسط الكبير، كما بشرتنا كوندوليزا رايس. إن الترويج لنظرية المؤامرة، في رأينا، إهانة للشعوب العربية التي نزلت بالملايين إلى الشوارع ضد الحكم الفاسد للطغاة، ونعتبره من الخطايا غير المغفورة. فمن غير المقبول أن نتهم هذه الملايين بأنها تتحرك بناء على تعليمات ديفيد ليفي أو ساركوزي أو الـ «سي آي أيه». إنها ثورات حقيقية شريفة تحاول جادة أن تصنع التاريخ من جديد، رغم العديد من الأخطاء والمطبات. نحن نعرف أن قوى الشر لن تقف على السياج تتفرج، وعناصر الثورة المضادة لن تبقى مكتوفة الأيدي بانتظار نجاح الثورة، بل ستحاول أن تنقض عليها وهي ما زالت في طور البراعم، حتى لا يشتد عودها وهذا بالضبط ما حدث وما حذرنا منه مرارا، فسرقة الثورات وحرفها أو انحرافها عن مسيراتها السليمة ظاهرة عالمية. فالشعب الإيراني بكل قواه الحية أطلق ثورة عظيمة ضد الشاه، لكن التيار الإسلامي استطاع أن يحوزها لنفسه ويعلق رؤوس المناضلين اليساريين والليبراليين على المشانق، وستالين ورث أعظم ثورات القرن العشرين من صانع الثورة لينين فحولها إلى مجزرة ذهب ضحيتها الملايين، ونابوليون أعاد الديكتاتورية إلى فرنسا عام 1799 واضطرت الثورة الفرنسية أن تصحح مسيرتها مرتين عام 1830 و1841 حتى استقامت أمورها، والثورة الفلسطينية تم حرفها عن مسارها فاستبدل جماعة أوسلو برنامج التحرير ببرنامج المفاوضات العبثية التي فرطت في كل المبادئ التي قامت على أساسها الثورة، وتحولت إلى جماعة أمنية تنسق مع إسرائيل في اعتقال المناضلين، وثورة الضباط الأحرار عام 1952 في مصر تم الارتداد عنها تماما وخيانتها فيما سمي بتصفية مراكز القوى في مايو 1971.

لماذا الردة على الثورات؟

قد لا يختلف الكثيرون على أن إسقاط أربعة من أعتى الطغاة العرب في السنة الأولى من الانتفاضات كان إنجازا عظيما في حد ذاته، ومكسبا للأمة العربية وشعوبها المضطهدة المهمشة والمسلوبة، لقد فتح الربيع العربي في بواكيره الجميلة أبوابا من الآمال الكبرى التي تقول إن نسائم الحرية وصلت المنطقة التي أطلق عليها الأكاديميون الأجانب «الاستثناء العربي أو الاستثناء الإسلامي»، لأنها عيية على الديمقراطية والتعددية. نعم كان هناك مؤامرات ولكن ليس في الانتفاضات، بل في عملية تدميرها وليس في مسيرات الشباب السلمية في الميادين والساحات، بل في غرف عمليات الجيوش ومكاتب المخابرات. هؤلاء الذين نزلوا إلى الميدان لتدمير الثورات بإيعاز أو تنسيق أو تشجيع أو تمويل أو تخطيط أو مباركة (أو كلها جميعا) من إسرائيل وأذنابها وعملائها من أنظمة القرون الوسطى، لماذا؟
هل هناك وضع مثالي لإسرائيل والولايات المتحدة أفضل مما كان عليه الوضع العربي الرسمي، ممثلا في أنظمة الجمهوملكية في كل الوطن العربي؟ أنظمة تستقدم القوات الأجنبية لتدمير بلد عربي، وينخر فيها الفساد، وتكدس ثرواتها في حفنة من الأيدي يطلبون حماية أمريكية ويقيمون قواعد لها في بلادهم، يهادنون إسرائيل ويغلقون كافة الحدود لحمايتها، ويقهرون رجال المقاومة ويتآمرون على كل من هو وطني وشريف وصامد، ويشترون سلاحا بالمليارات لتشغيل عجلة الاقتصاد الغربي لا لأن هناك حاجة لذلك السلاح. ويلاحظ الكثير من الكتاب أن هناك ظواهر مشتركة عمت الوطن العربي من محيطه إلى خليجه، خاصة ظاهرة «الرئاسة مدى الحياة» سواء كان الحاكم ملكا أو رئيسا أو أميرا، إذن لماذا يغيرونهم؟ ولماذا يخاطرون باستبدال من جربوه وأثبت للمرة الألف أنه ينفذ ما يملى عليه. هل حقيقة تقبل الولايات المتحدة بقيام دول في منطقة الطوق خاصة تحكمها المؤسسات ويسود فيها القانون ويضرب الفاسد فيها على يديه ورأسه، ويسود فيها تعدد الأحزاب وتلغى الطائفية وتتمكن فيها الشعوب من تغيير حكامها عبر صناديق الاقتراع، وترتقي المرأة فيها لتأخذ دورها ويتم إنهاء دور المؤسسة الدينية الوظيفة التي تشكل غطاء لفساد الحاكم؟ ألم يصف بنيامين أليعازر، وزير دفاع إسرائيل الأسبق مبارك بأنه كنز إستراتيجي لمصر فلماذا يستبدلون من يعرفون بمن لا يعرفون؟
إن ما يجري الآن في بلاد الربيع العربي (ما عدا تونس) هو استكمال لعملية الارتداد عن الثورات العربية ومهاجمتها وإعادة الاعتبار لرموز العهود السابقة وإغراق بعضها في الدم أو الفوضى والطائفية المقيـــتة أو قمـــعها بالقوة المسلحة، بهدف وقف زحف الثورات كي لا تصل إلى من مولوا هذه الانقلابات أو تآمروا عليها أو حاولوا شراءها بالمال.
الردة على الثورات بدأت منذ انطلاقاتها خوفا من أن يحصل المحظور ويدخل نسيم الثورة كل مكان، بما فيها «مدن الملح» كما وصفها المرحوم عبد الرحمن منيف، ما أدى في النهاية إلى انفضاض كثير من الجماهير العربية عن الثورات مفضلين بذلك الاستقرار والأمن على التغيير والديمقراطية.
إن أربع سنوات من عمر أي ثورة أو حركة تغيير جذرية تعتبر أقصر من رمشة عين في كتاب التاريخ. فلا توجد ثورة تولد كاملة وتنتقل إلى الاستقرار فورا. فكما كانت مرحلة الميلاد طويلة وعسيرة فلا شك أن الفترة الانتقالية التي تعبرها كل ثورة لتصل إلى شاطئ الاستقرار قد تطول وتقصر بناء على عوامل ذاتية وأخرى موضوعية خارج سيطرتها. فالقوى المعادية للثورة والقوى العميلة المرتبطة بأجندات خارجية، بالإضافة إلى التدخلات الخارجية المباشرة وغير المباشرة كلها تلعب دورا في تسريع أو تأجيل التحول النهائي نحو دولة الاستقرار والقانون والتعددية واحترام حقوق الإنسان والانتقال السلمي للسلطة، لكن تلك المرحلة آتية لا ريب فيها، قد تأخذ وقتا طويلا وتضحيات كثيرة لكنها قادمة لا محالة فالشعوب الحية لا تنتحر كما قالت لنا كتب التاريخ.

أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

د. عبد الحميد صيام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية