غزة – “القدس العربي”:
لم يكن شراء الملابس وحدها هو مقصد سكان قطاع غزة استعدادا للاحتفال بعيد الفطر، فإلى جانب اهتمامات السكان بشراء تلك الملابس في الحد الأدنى، كان “الفسيخ”، وكذلك “الكعك” حاضرين في اهتمامات السكان، فهما صنفان رئيسيان يقدمان في اليوم الأول من العيد.
وضمن عادة اجتماعية قديمة تحرص الكثير من الشعوب الإسلامية على تجهيز “الفسيخ” المقلي في الزيت، ومن ثم أكله، رغم ملوحته الزائدة، لدفعهم لشرب الماء، لاعتقادهم أن هذا الامر سيعوضهم السوائل التي افتقدوها في شهر الصيام، حيث يحرض سكان غزة على شراء هذا الصنف الذي ينتشر حاليا في محال مخططة لبيعه، وعلى “بسطات” في الأسواق الشعبية.
وتعج أسواق غزة بالعديد من أنوع “الفسيخ”، وهو السمك الذي يحفظ عن طريق الملح، فمنه المصنع محليا، وهو مرتفع الثمن، ومنه المستورد من الخارج، ويكون قد حفظ بالماء المملح، وهو ذو ثمن أقل بكثير من المحلي، الأمر الذي يمكّن الأسر الغزية، سواء ذات الدخل المرتفع أو القليل، من شراء هذه الأنواع.
المستورد أرخص
ويقول أحمد أبو عاصي، الذي يعمل في هذه المهنة، أنهم يبدأون قبل ستة أشهر من العيد بتحضير الفسيخ، عن طريق تنظيف السمك ومن ثم عملية التمليح، ويتوقع أن تشهد أسواق غزة بيعا أكبر هذا العام، كون أن العام الماضي بسبب الحرب التي شنتها إسرائيل نهايات الشهر، حالت دون شراء الفسيخ من قبل المواطنين.
ويشير أحد باعة “الفسيخ” الى أن ثمن الكيلو الواحد من الفسيخ يتراوح ما بين 25 إلى 35 شيكلا، حسب نوع السمك، فيما يجري بيع كيلو الفسيخ المستورد بأقل من عشرة شواكل (الدولار الأمريكي يساوي 3.25 شيكل). ويتوقع هذا الشاب الذي يضع “بسطة فسيخ” له في سوق فراس الشعبي، أن يستمر إقبال المواطنين على شراء هذا الصنف، حتى ليلة عيد الفطر، ويقول إن حصول الموظفين على رواتبهم قبل العيد، من شأنه أن ينعش الأسواق قليلا، والتي وصف الحركة فيها خلال الأيام الماضية بـ “شبة ميتة”.
وفي العادة في غزة يقبل السكان على تناول “الفسيخ” في وجبة الإفطار، ما يدفعهم إلى شرب الماء بكثرة طوال ساعات اليوم، ومن السكان هناك من يقيم وليمة صباحية لأقاربه من “الفسيخ”. ففي ساعات الصباح الأولى ليوم العيد، تنبعث روائح قلي “الفسيخ” من المنازل، فيما بدأت بعض السيدات بعملية التجهيز حاليا، للحفاظ على عدم وجود رائحة القلي في المنزل في اليوم الأول للعيد، الذي يكثر فيه الزوار.
يشار إلى أنه في كل عام تحذر الجهات الطبية المختصة مرضى ضغط الدم والقلب من هذا الصنف، الذي له أثر طبي أيضا على الأصحاء، لاحتوائه على نسب أملاح عالية.، لكن رغم أن هذه العادة غير صحية، إلا أن الفلسطينيين وسكان غزة تحديدا، لم يغادروها أبدا.
إلى جانب هذا النوع، يبرز أيضا “الكعك” الذي يعد التحلية الأولى للصائمين وزوار العيد، صنفا غذائيا رئيسيا على مائدة الغزيين. وما كان رائجا هذا العام، هو اعتماد السكان بشكل أكبر على “كعك الديليفري” كما يتردد، وهو الكعك الذي تحضره سيدات أقمن مؤخرا مشاريع اقتصادية للتغلب على ظروف الحياة الصعبة، يتم خلالها تجهيز الكثير من المأكولات الشعبية، وتخصص أعمالها في هذه الأوقات لتحضير الكعك. فعلاوة عن المخابز الكبيرة، تنشط سيدات “مشاريع المطابخ” في تحضير كميات كبيرة من “كعك العيد” بناء على الطلبات التي تردها من الزبائن، الذين يفضلون الشراء من صاحبات المشاريع على كعك المخابز، باعتباره مشابها لما يحضر في المنزل يدويا، من حيث الطعم والرائحة، إذ يحرض سكان غزة على معرفة الكعك من رائحته المميزة، بسب “الكلفة” التي توضع بداخله، وهي عبارة عن عجوة البلح الفاخرة، وكذلك السمسم ونوع السمن الذي يحضر به، إلى جانب المنكهات الخاصة. ويباع كيلو الكعك بنحو عشرون شيكلا، وينخفض قليلا في بعض المناطق. وتقول رنا أبو جمعة، وهي سيدة في العقد الرابع من العمر، وقد أنشأت مع شقيقاتها مطبخا خاصا، لصنع العديد من الأطعمة البيتية التي تحتاج إلى مجهودات كبيرة، إلى جانب المعجنات، أنهن منذ بداية الأيام العشرة الأخيرة لشهر رمضان، ركزن جهودهن على صنع “الكعك”. وتوضح هذه السيدة، التي افتتحت ورشة عمل كبيرة حاليا، أن مطبخها، الذي أقامته في منزلها في مدينة غزة، بدأ منذ دخول الأيام العشرة الأخيرة بتجهيز 200 كيلو كعك، وأنه من الممكن أن تزيد الكمية قليلا، بناء على طلب الزبائن. وتوضح لـ “القدس العربي” أن ثمن كيلو الكعك يقارب تكلفة صنعه منزليا، يضاف إليه ثمن العمل اليدوي.
طقوس خاصة
ويعرف هذا النوع باسم “كعك ديليفري” إذ يتم إيصاله إلى المنازل عن طريق مكاتب التوصيل السريع، التي تستخدم الدراجات النارية. لكن رغم توفر هذه الأنواع في الأسواق لا يزال العديد من النساء يحافظن على صنع الكعك منزليا، وهو أمر يمكن أن يعرف في غزة، عن طريق روائح الكعك المميزة التي تنبعث في هذه الأوقات من المنازل. ولعادة صنع الكعك في العيد طقوس خاصة، تستمر حتى ليلة العيد، وتكون من خلال تجمع الأخوات أو زوجات الأبناء أو الصديقات أو الجارات، في منزل واحد، وهناك تبدأ عملية تحضير عجينة الكعك، التي تأخذ وقتا وجهدا كبيرين، ومن ثم تترك بعض الوقت، فيما تجهز النسوة عجوة البلح التي تطحن جيدا وتخلط بالسمسم. وفي المرحلة الثانية يجري وضع العجوة داخل العجينة، التي تلف بطريقة حلزونية أو توضع في قالب، ومن ثم يجري خبزها داخل أفران على درجة حرارة معينة. وتنتهي هذه اللمة العائلية، بجمع كمية الكعك، ووزنة لمعرفة حجمه ومن ثم توزيعه على المشتركات، فيما هناك عادة جميلة في غزة، توزع فيها الأسر التي تصنع الكعك أطباقا على الجيران، حتى لو كانوا قد جهزوا هذا الصنف.
وعاد ما تحرص النساء، اللواتي يتجمعن لتجهيز الكعك منزليا، على أن تلائم الكمية احتياجات أسرهن في العيد، خاصة وأن هذا الصنف الذي لا يفسد بسهولة، تحافظ الأسر على أن يستمر وجوده في المنزل لأيام عديدة بعد العيد. وفي كثير من الأحيان تحرص الأسرة الواحدة على تجهيز كمية بين ثلاثة كيلو غرامات وخمسة حسب عدد أفرادها.