الشرق يصالح نفسه

حجم الخط
2

كثيرة هي المدن التي أصبحت ترتدي أثوابا عربية، عباءات واسعة وألوانا تذكرنا بنقوش كنا نراها فقط في المساجد وعلى أغلفة المصاحف. كل ما يحيلنا لثقافة الشرق والثقافة الإسلامية تحديدا يعود بقوة منذ سنوات قليلة. وهذه صحوة أخرى ربما تختلف تماما عن صحوة سابقة لم تؤتِ ثمارها. تبدو في ظاهرها نوعا من المصالحة الشرقية مع الثقافات على اختلافها، أما في باطنها فقد تختفي أمور أخرى، منها إحياء التراثيات وإعطاؤها صبغة حداثية، دون التعمق في التفاصيل. يتم التسويق لهذه الأفكار من باب العبور الآمن إلى شرق دون عنف، وهذا هو الأرجح أمام قراءات عديدة مطروحة.
عاد الحكواتي على سبيل المثال إلى مقاهٍ كثيرة، حاملا كتابه الضخم العتيق المليء بقصص الغابرين، كما عادت الشموع لتزين طاولاتها، عاد البخور ورائحة العود إلى أسواق كانت سابقا تعج بالمنتوجات الإلكترونية والمفرغة من أي روح، والمقبلة من الصين وتايوان. ثمة غلبة اليوم ربما للمنتوج الهندي هذه المرة، هذا غير تشجيع الصناعات اليدوية العربية بعد أن كادت تقضي عليها السلع الجاهزة المستوردة من أوروبا، والماركات العالمية التي سيطرت على أغلب الأسواق في العالم ومن بينها أسواقنا.
التيار الأدبي السائد على مدى نصف قرن وأكثر، بدأ يتراجع أمام زحف تيار جديد، يمكننا وصفه بالتيار الصوفي. وسواء عرف هؤلاء معنى الصوفية أو لا، فإن رواية واحدة قلبت موازين المشهد الثقافي العربي.
صدرت رواية التركية إليف شافاق «قواعد العشق الأربعون» عام 2009 في تركيا، وسريعا حققت نجاحا باهرا، ما جعلها تترجم سريعا إلى لغات عدة فاقت الثلاثين لغة منها العربية. لم تُبرِز هذه الرواية جلال الدين الرومي فقط ومرشده الروحي شمس التبريزي، بل أخرجت مكنونات عصر مضى كانت قد طويت معه معالمه الصوفية بقرارات سياسية. خرج جلال الدين الرومي بعباءة تركية إلى العالم مجددا، ويبدو أن إعادة قراءته من خلال مفهوم شافاق للصوفية، جعله فعلا يتوافق مع روح العصر، إنه يقدم رؤية مختلفة ومريحة للمفاهيم التي كسرت مجتمعاتنا على مدى قرون بسبب التشدد الديني. فتحت شافاق الباب إذن، فخرج ابن عربي أيضا من مدفنه، وعاد إلى المكتبات مثل الرومي، فامتلأت رفوف المكتبات بكتب عن الصوفية وأخبار المتصوفين والمتصوفات في أزمانهم.
سبع سنوات فصلت رواية شافاق عن صدور رواية «موت صغير» لمحمد حسن علوان، التي أعاد فيها بناء حياة كبير الصوفيين محيي الدين بن عربي. بعد فوزها بجائزة بوكر العربية عام 2017 لم يعد هناك ما يمنع من إقبال مكثف على قراءة ابن عربي والرومي والتأثر بهما. وقد يكون هذا التأثر بعيدا كل البعد عن العمق الفلسفي الذي طرحه كل منهما على حدة، لكن الأكيد أن ما تركته الروايتان من بصمات واضحة على طريقة تفكير جماهير بأكملها سنلمسه بوضوح على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل انتقاله من العالم الافتراضي إلى الواقع، حيث حملت أثواب ومناديل وقطع أثاث عبارات للرجلين، وأخرى لشمس التبريزي، بخط عربي جميل، أعاد للخطاطين بعضا من مكانتهم المفقودة.
أصبح الحرف العربي المغناج جزءا من أناقة سيدات المجتمع، وإن كان هذا الأمر يتعارض مع زهد الصوفيين بأنواعهم، بحكم اختصارهم لكل جماليات الدنيا في علاقتهم الجميلة بالله ومخلوقاته، دون الإخلال بهذا التوازن مهما حدث.
هل كل هذا خرج من رواية؟
ربما لا قد يقول البعض، وربما نعم، لكنها تبقى علامة فارقة في المشهد الثقافي العربي خاصة، فرواية بضخامة «قواعد العشق الأربعون» ما كانت لتكسب قارئها، لولا إثارتها لجانب من المتعة في نفسه، هذا غير تلك الرغبة التي حركت مياهه الراكدة في أعماق كل فرد ليعيد ترتيب علاقاته مع كل ما يحيط به، والتفكير في نفسه وبناء ذاته من جديد، وفق رؤية جديدة للدين والحياة والحكمة من الحياة نفسها.
هناك كتب هكذا، تحدث تلك الصدمة التي تغير معالم فضاء بأكمله. هناك كتب فكرية وأخرى سياسية، لها مفعول السحر في زرع فكر جديد في مجتمعات يصعب تغييرها. فعل نيتشه ذلك، كما فعل ماركس، وآخرون. وقد يتعلق الأمر بنوع من التغيير، لكن ما نعيشه مختلف. البحث عن عالم يشبه عوالم الماضي، وإحياء مظاهرها، هل يعني فعلا أن شرقنا تصالح مع نفسه؟ أم أنه نوع من الهروب من العالم التكنولوجي، والعالم الافتراضي الذي يمص طاقاتنا يوميا بلا هوادة، والذي أنهكنا بصخبه وسرعته الفائقة لسرعة استيعابنا لما يحدث؟

هذه الفئة تكتفي بتزيين حاضرها، لكنها في الغالب تؤسس لثقافة جديدة، تُزاوِج بين الثقافات لإنتاج ثقافة هجينة، «تُعصرنُ» من خلالها كل ما تجاوزَه الزمن مُحاوِلة ًإنقاذ روحانيةٍ منهكة، مادامت تطبيقات العلم تثير مزيدا من الخوف.

إن كان ما نراه من زخارف شرقية، تُزَين بها الألبسة والأمكنة، دواءً لتأثيرات الواقع الذي فرضته التكنولوجيا، فإنها هي أيضا نوع من العوالم الافتراضية، وتجسيد لمجسمات نفترض أنها من التراث، لكنها مثل أي عمل إبداعي، لا يخرج عن كونه مجرد تصور لفكرة، قد تكون بعيدة كل البعد عن الحقيقة. لكن أليس انتقال الفكرة من حالة التصور إلى حالة التجسيد ابتكار لواقع جديد؟ وهو واقع نلمسه ونتحسسه بحواسنا الخمس. أليس واقعا تجاوز حاسة اللمس إلى حاسة الإدراك؟
يحمل الحرف العربي عبء هذا التوجه الجديد بخفة غير متوقعة، يهب مثل نسيم عليل على بقاع بعيدة من العالم، ويزداد تطورا كلما حلق في فضاءات جديدة. ففي رحلته العجائبية يصبح جزءا لا يتجزأ من الفنون العالمية، لكننا نكتشف ذلك متأخرين. فحين يصبح مادة مهمة في أهم جامعات العالم، حاملا في ثناياه طريقة تواصل يفرضها بالتأمل، عابرا لكل الاختلافات بين أناس بعقليات وديانات وجنسيات ولغات وماض مختلفة، فهذا يعني أنه من المهم جدا فهم أسراره وتحوله لمادة فنية يسهل امتصاصها.
ترى هل هذه المصالحة جاءت من تقدير الغرب لتراثنا الإسلامي وكل متعلقاته؟ ربما، مع أني اعتقد أن ما نشهده في السنوات الأخيرة مختلف عما ميز الخطاطين التقليديين، الذين ارتبط الخط العربي عندهم بجذور دينية عميقة. فما يمثله اليوم هو حالة فنية وانعكاس لحاجة دفينة في الإنسان العربي لإثبات ذاته ووجوده، مثل باقي الفنون التي شقت طريقها من الماضي إلى الحاضر بقفزة زمنية لا تفسير لها سوى ما طرحناه. إذ ليس من المستغرب أن تزدهر هذه الحركات التي تميز المشاعر والأحاسيس، بحثا عن علاقة سامية مع الله، لا خوف فيها بتاتا بقدر ما هي فائضة بالمحبة والطمأنينة.
بين هذه المرحلة التي يعيشها المتصوف، ومن يحاول أن يشبهه ويعيش أشياء يوهم نفسه بأنها من قواعد ذلك العشق الرباني الذي شرحه التبريزي أو الرومي، نكتشف فئة شاسعة جدا من الناس، هي الغالبة، وهي التي تصنع الحدث. فئة تملأ الدنيا بتيار جديد، ينتصر للقليل الذي يعرفه من التراث، يقوم بإخراجه حسب المعطيات الحديثة التي تبهج القلب، وكفى.
هذه الفئة تكتفي بتزيين حاضرها، لكنها في الغالب تؤسس لثقافة جديدة، تُزاوِج بين الثقافات لإنتاج ثقافة هجينة، «تُعصرنُ» من خلالها كل ما تجاوزَه الزمن مُحاوِلة ًإنقاذ روحانيةٍ منهكة، مادامت تطبيقات العلم تثير مزيدا من الخوف. إنه بالفعل تناقض صارخ في المشهد الإنساني المعاصر، لكنه ليس سيئا، فهو يؤكد أن الروح التراثية أو الكلاسيكية لا تموت، وأن العقل المعاصر أكثر حساسية وتواصلا مع مكونات العالم، وأن البحث عن الله قد لا يحتاج لإجابات كبيرة على أسئلة فلسفية صعبة، لكنه يحتاج لقليل من الجمال والتأمل وبعضٍ من محبة خالصة.
تتقاطع الأزمنة في مشهد سيريالي، حيث ينضم شاب ببنطلون جينز و «تي شيرت» أزرق يزينه حرف الألف إلى فرقة دراويش يدورون حول أنفسهم لبلوغ النشوة الروحية، في طقوس لم تتغير منذ القرن الثالث عشر. ترقص خيوط الضوء على إيقاع الأناشيد الدينية، يندمج المنبهرون بالمشهد، حتى الضياع التام خارج المكان والزمان. وكأنه مختصر لرغبة الشرق في إنهاء متاعبه، وإصرار غريب لعبور الأزمنة، حتى تتحقق المصالحة.

شاعرة وإعلامية من البحرين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية