الجناح اللبناني في بينالي البندقية: تناقضات والسعي لجمع المال حميم وسياسي في آن

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي» : الفنان التشكيلي أيمن بعلبكي وصانعة الأفلام دانيال عربيد مثّلا لبنان في بينالي البندقية الذي افتتح في 23 نيسان/أبريل ويستمر إلى 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2022. ففي هذا الجناح ينطلق نصب «بوابة يانوس» العظيم والطامح لأيمن بعلبكي، كما فيديو «ألو، حبيبتي» الصاخب لدانيال عربيد من شوارع بيروت.
بين الفنّانين حوار ذو دلالات في مدينة تجسّد ليس لبنان وحسب، بل العالم أيضاً. يصورانها في خضمّ اضطرابات الأزمة العالمية وعدم الاستقرار العاطفي في علاقتنا مع الواقع المحكوم بالتكنولوجيا.
في عمله يقدم أيمن بعلبكي نصباً ثنائي الوجه، على صورة بيروت، مشرذمة تتأرجح باستمرار، على غرار الإله اللاتيني يانوس، بين الماضي والمستقبل، بين الأخطار والوعود، بين الكواليس والواجهة، بين السِلم والحرب.
أما المساحة العامة فتمّ تزينها بإعلانات برّاقة تذكر بواجهة المباني قيد الإنشاء الكثيرة في بيروت. وتشكل الجهة الخلفية كواليس الديكور، وهي لبيت حراسة قديم يشبه كوخاً متواضعاً في حي فقير. وبين المساحتين، يبقى الباب مفتوحاً للمرور عبره والتأرجح بين ناحية وأخرى.
ووفق أسلوبها تنقل دانيال عربيد صدى هذه الشرذمة في بيروت في «ألو، حبيبتي» من خلال نظرة مضطربة للزمان والمكان، تظهر جليّة بصور ملتَقطة بواسطة هاتف خلوي مبْرِزةً التنافس الذي يشتد ضراوةً بين الواقعي والافتراضي.
وتُشرك عربيد المتابعين لبينالي البندقية في رحلة عبر السيارة مع والدتها، التي ذهبَت في سباق محموم لجني الأموال في شوارع بيروت. وهو سعي حميم بقدر ما هو سياسي، عندما ندرك الأزمة التي تدمّر لبنان حالياً.
وأمام أعين الزوّار يدور المشهد البيروتي من وراء الواجهة الأمامية للمزيد من الغموض بين المساحة العامة والمساحة الخاصة. ويسلّط فيديو «ألو، حبيبتي» الضوء على تطابق الصوت والصورة اللذين تمّ التقاطهما كلّ على حدة عبر استعمال تقنية الشاشة المنقسمة للمرة الأولى في عمل لدانيال عربيد. وكما في ألعاب الفيديو، نتأرجح معها تارةً إلى اليمين وطوراً إلى اليسار فندخل في عملها الفني مثلما نجتاز «بوابة يانوس».
أما أيمن بعلبكي فيعتمد التنويع في فنه التفاعلي التشكيلي. ويتمثل هذا التنويع بأقمشة الأشرعة المدمَّرة، والممزّقة، والمرقّعة، والمحروقة، والمثقوبة، والمطليّة أخيراً عبر تقنية اللطخ، مما يعكّر كل الدلائل المكانية والزمانية. يوفر هذا المعرض لجميع اللبنانيين المقيمين والمغتربين مساحة للتبادل الرمزي حول تاريخ لبنان وحاضره من خلال الحوار الذي جسّده الفنان أيمن بعلبكي الذي يعيش ويعمل في لبنان، وصانعة الأفلام والفنانة دانيال عربيد التي تركت بلدها الأمّ في سنّ الـ17 ورغم ذلك يستمر مصدر إلهام لها.
البعد السياسي للعملين اللذين مثّلا لبنان في بينالي البندقية يكمن في تسليط الضوء على الوضع الراهن في لبنان. عملان يعبّران عن التناقضات اللبنانية، والصعاب البارزة من خلال العديد من العلامات. وهكذا يقترن السباق المحموم إلى جني الأموال بالعنف الذي يحتدم حالياً في لبنان. أما المضاربة العقارية التي تَعِد بالأحلام فتخفي الهلاك وتضللّ المشتري. وهكذا بدأ القلق بشأن الانهيار الاقتصادي والسياسي في لبنان يظهر أكثر فأكثر. ويُحيي كل من الفنانين وبوسائله الخاصة، وبسيرهما على خيط العودة الأبدية جسد لبنان في خضمّ فوضاه وكمال جماله.
ولبّت السينوغرافيا في الجناح اللبناني متطلبات مشروع تنظيم الأعمال الفنيّة، أي فكرة الحوار التي تعتبر عاملاً أساسياً في روح هذا المشروع.
وكصدى لأعمال دانيال عربيد وأيمن بعلبكي، قدمت المهندسة المعمارية ألين أسمر دامان جولة في قلب لبنان، حيث اتخذت الهندسة المعمارية للجناح اللبناني شكل صدفة بيضاوية صلبة. وفي ذلك إشارة إلى العهد الأبدي بالنهضة والوحدة. فالشكل الهندسي المغلف يدعو الأعمال إلى الحوار من دون حيل، ووجهاً لوجه وتقصير المسافات، كما هو الحال بمحادثة فطرية وطبيعية». وتشير الهندسة المعمارية الأولية للجناح اللبناني إلى الآثار المعاصرة للمشهد العمراني اللبناني، وإلى الـ«بيضة» في وسط المدينة التي صممها المعماري جوزيف فيليب كرم، وإلى معرض رشيد كرامي الدولي في طرابلس الذي صممه المعماري البرازيلي أوسكار نيماير.
هذا المعلم السينوغرافي الذي تبلغ مساحته 150 متراً مربعاً تقريباً، والمُستمد من عمارة الـ»بروتاليست» التي ازدهرت في لبنان منذ الستينيات، يشير إلى تجوال أيمن بعلبكي ودانيال عربيد في بيروت. تغطّي هذا المعلم ألواح منحنية مطلية بنسيج خرساني يشير إلى مدينة تشهد إعادة بناء دائمة.
لدى دخول الجناح اللبناني في بينالي البندقية يستقبل الزائر عمل أيمن بعلبكي، قبل أن يلفت انتباهه فيديو دانيال عربيد الذي يُعرض على جدران المعلم.
يُذكر أن هذه المشاركة برعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم الجمعية اللبنانية للفنون البصرية. وفيما يدخل المعرض العالمي للفن المعاصرـ بينالي البندقية عامه الـ59، يقدّم لبنان رحلة رمزية من عالم الحاضر وعلى صورة الإنسان، ومن خلال مدينة بيروت.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية