غزة: فرق شبابية تنظم مبادرات تطوعية لترميم الأماكن الأثرية المهجورة

إسماعيل عبدالهادي
حجم الخط
0

تواجه العديد من المناطق الأثرية في قطاع غزة التهميش المتعمد من قبل الجهات المسؤولة عن حمايتها وإعادة ترميمها، حتى بات جزء كبير منها مكباً للنفايات، نتيجة إهمال قيمتها. وانطلاقاً من وعيهم وحفاظاً على القيم الحضارية العريقة الممتدة لآلاف السنين، أطلق فريق شبابي مؤخراً مبادرة لترميم المنازل الأثرية المتروكة وحمايتها من الاندثار.
وعند المرور في طرقات وأزقة منطقة غزة القديمة والتي تمتد من ميدان فلسطين غرباً حتى حي الشجاعية شرقاً، يرى الزائر الجدران العتيقة والأقواس بلونها الرملي، التي يعود جزء منها إلى الحقبة العثمانية، ومعظم الجزء الآخر للحقبة المملوكية والكنعانية.
وعادة ما يتولى ترميم المناطق الأثرية هواة أو فرق شبابية تعمل ضمن برامج ممولة دولياً، في ظل غياب الجهود الرسمية المحلية، والانشغال في القضايا السياسية وكذلك ضعف السياحة، وتهميش منظمة السياحة العالمية قطاع غزة، بسبب سيطرة حماس عليها قبل أكثر من عشرة أعوام.
وتمكن فريق مكون من 20 شاباً وشابة، من البدء بإعادة ترميم مجموعة من الأماكن الأثرية، بهدف إعادة إحيائها، ولفت الأنظار إلى أهمية الحفاظ على التراث المعماري المهدد بالاندثار، خاصة وأن غزة سكنتها العديد من الحضارات القديمة على مدار العصور.
وتحتضن مدينة غزة عدداً كبيراً من المعالم السياحية والتاريخية والأسواق والمساجد والكنائس والقصور والمقامات والتلال، ويعتبر بيت السقا الذي يمتد عمره لمئات السنين على مساحة تبلغ نحو 700 متر، واحدا من أبرز المنازل المهجورة، وتم ترميمه من قبل الفريق الشبابي قبل فترة وتحويله إلى مركز ثقافي.
ويطمح القائمون على المبادرات على إبراز الدور الذي يمكن للثقافة والفنون أن تلعبه كأداة فعالة لتحقيق التغيير المجتمعي عبر حماية الأماكن الأثرية. وسعى أصحاب بيت السقا سابقاً، إلى تحويله لمتحف أثري يظهر جمالية التاريخ والثقافة والحضارة الفلسطينية، إلا أن الجهود الرسمية المبذولة تجاه البيت وغيره من البيوت القديمة غير كافية، إذ تحتاج إلى تمويل دائم لا تستطيع توفيره، وتحاول الجهات الحكومية العمل على حماية الآثار من الدمار بشكل بسيط حسب الموازنات المتاحة.
يقول الخبير في الآثار فضل العطل إن المبادرات التي تنطلق من غزة ساعدت في الحفاظ على مجموعة كبيرة من المناطق الأثرية الشامخة التي تروي جدرانها العتيقة حكايات من التاريخ والمجد، وإحدى هذه المبادرات التي انطلقت مؤخراً، هي «بيتكم عامر» والتي تهدف لبث الحياة في الأماكن الأثرية، من خلال إزالة القمامة والركام من داخلها والحفاظ على تاريخ وهوية هذه المناطق.
ويوضح لـ«القدس العربي» أن عمليات الترميم والتنظيف تتم باستخدام أدوات بدائية وتحتاج إلى دراسة جيدة، كما أن الترميم يبدأ بعد التعرف على نوعية مادة البناء التي تكون عادة من الحجر الرملي، ثم درس سمك الجدران والأساسات الأصلية التي بنيت منها، ليصمم الفريق قوالب تتناسب مع عملية الترميم، وتكون متوافقة مع الشكل المعماري للمبنى.
ولفت إلى أن المبادرات تأتي بعد تنفيذ العديد من الفعاليات الثقافية والمجتمعية الهادفة إلى إحياء البلدة القديمة شرق مدينة غزة، بهدف تعزيز مشاركة أكبر عدد ممكن من المتطوعين، وبناء حوار مجتمعي معهم وتعريفهم بالهوية الثقافية وبأهمية عمل المبادرة.
ويقول أستاذ علم الآثار الدكتور أيمن حسونة أن هناك العديد من المناطق والمواقع الأثرية في قطاع غزة تعرضت بسبب الزحف العمراني للهدم والتجريف ولاسيما البيوت التي تجاوز تشييدها 200 عام، وهي تعود لعائلات عريقة في القطاع، ومن أبرزها بيت السقا وغيرها من البيوت التي تعود ملكيتها لعائلات أخرى. وأشار لـ«القدس العربي» إلى أن تصاعد نشاط المبادرات التطوعية مؤخراً، يهدف إلى محاولة التدخل السريع لإنقاذ المواقع الأثرية من الانهيار، لأن عملية الترميم تعيد للمواقع مكانتها التاريخية والثقافية، وتحافظ على ما تبقى منها وتحميها من الضرر الواقع عليها من الهجر والإغلاق، وتسهم في تحويلها إلى مقاصد للسياحة وتصبح أكثر جذباً للزوار.
وأضاف أن عملية الترميم تحتاج إلى مبالغ كبيرة وغالباً ما يتم تغطية تكاليف هذه المشاريع من قبل مؤسسات دولية تهتم بالآثار، كما أنها مهمة ليست بالسهلة بل تحتاج إلى درس عميق للمكان لمعرفة تاريخه وطريقة تشييده، لافتاً إلى وجود بعض المبادرات الشبابية الشخصية، التي تقوم على تنظيف الأماكن الأثرية من الركام والأتربة تسهيلاً لعملية الترميم. ووفق وزارة السياحة والآثار في غزة، فإن عدد المباني الأثرية في البلدة القديمة شرق مدينة غزة بلغ 117 تتنوع بين البيوت والمساجد والكنائس والقصور والمقابر والمدارس، وتعمل الوزارة والجهات الخاصة على حماية هذه الأماكن، وجذب الزوار وتعريفهم بتاريخها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية