جديد اللقاء الفني بينهما يثمر قريباً مدرسة «حواس» للتدريب على الأداء والإشارة والرقص أميمة الخليل وبيار جعجع جمعهما الهدف الفني ومعاً حملا لغة الإشارة إلى المسرح

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: من عادة المسارح أن تشير إلى نفسها عبر الإعلان المطبوع والمضاء، مع إنارة مميزة لمساحة منظورة من محيطها. هذا في المدن والبلدان الطبيعية، بينما في بيروت وخلال الدخول إلى مبنى المكتبة الوطنية الفريد بجماله وقدم هندسته لا بد من الإستعانة بضوء محمول لإستكشاف الطريق. هذا الخارج الموصول بشح الكهرباء اللبنانية يتبدّل في الداخل. تزول حالة الإنكماش حين يبدأ اللقاء مع أميمة الخليل وبيار جعجع وفريق الراقصين من الصم.
حفل يفرح ويُنسي ما سبقه. تعاون يتوسع بين أميمة وبيار ويستقطب جمهوراً واسعاً. أفق هذا التعاون مفتوح على اختبارات تشغل كليهما. لـ«القدس العربي» باحا أنهما بصدد تأسيس مدرسة للتدريب على الغناء والرقص، وقد اختارا لها إسم «حواس». عالم جديد أقنع أميمة الخليل، وحملها إلى لغة جديدة لها من يتكلمها. كما أن الشمعة التي أنِس لتراقص شعلتها في عتمة الملجأ بيار جعجع، أخذت بيده إلى طموح من دون حدود في عالم الفن.
عن حفل «زمن» ومشاريع المستقبل هذا الحوار مع الخليل وجعجع:
○ هل سلّمت بالـ»خربطات» التي أدخلها بيار جعجع على حضورك المسرحي بسهولة؟
•أميمة: عندما تعرّفت إلى بيار جعجع شعرت بالخجل لأنني أجهل اللغة التي يحكيها مع آخرين. وسريعاً طرحت على نفسي السؤال لماذا لا نعرف تلك اللغة، ولماذا لا نتعلمها؟ في داخلي رغبة كبيرة تدفعني للتوغل أكثر في كل جديد أتعرّف إليه لأكتشفه أكثر. وما شاهدتموه على المسرح، شعرت بالقابلية لتلقفه وإتقانه وتقديمه للجمهور. وإن وجدتِ في هذا تسليماً فليكن، إذاً سلّمت بخربطات بيار.
○ وهل وجدت سهولة بالحركة كون الجسد ولسنوات تأقلم مع الحضور الكلاسيكي على المسرح؟
•أميمة: في رأيي تسهل الأمور عندما نتسلّح الإرادة. لكني وبصراحة تراودني مشاعر متعددة على المسرح. ففي أحيان أشعر بالخجل، وفي أحيان أخرى أشعر بأني أخطئ على صعيد لغة الإشارة. ويبقى التأقلم مع الحركة مسألة ليست سهلة مطلقاً، فهي تستهلك من قدرات المغني وبخاصة لجهة النَفَس والتركيز.
○ هل نقول أنها أخذت من حضورك أم أضافت إليه؟
•أميمة: بالتأكيد أضافت. ما أقوم به ناتج من إيمان وبالتالي الإضافة هي المتوقعة والمنتظرة.
○ بيار جعجع أستاذ في تصميم الرقص والحركة على المسرح. كم تمتاز أميمة بالليونة الفكرية برأيك لقبول التغيير في حضورها على المسرح؟
•بيار: قررت أميمة أن نتعاون معاً وهي تمتلك الموهبة ولديها القدرة على الحركة. لم أكن بحاجة لإقناعها بالمشاركة في الحركة على المسرح، بل بنيت العمل مستنداً إلى موهبتها ورغبتها.
○ يبدو أن طموحك بعيد المدى على صعيد التعاون مع أميمة؟
•بيار: صحيح، الطموح كبير وهو أن نمتلك معاً مدرسة فنية إخترنا أن نسميها «حواس». أميمة تتولى التدريب على الأداء، وأنا أتولى التدريب على الإشارة والرقص.
○ كيف ترسم الكوريغرافيا بالتناغم مع معنى كلمات الأغنيات؟
•بيار: بعد اختيار الأغنيات وتوضيح الكلمات ومعانيها في لقاء مع أميمة، أنصرف وحيداً للتركيز على الكلام، والتفكير في صياغة الكوريغرافيا المناسبة. تحضيراً لحفل «زمن» في المكتبة الوطنية عملت مع أميمة لشهرين متواصلين طلباً لتوضيح كافة الأمور، والتوافق معاً على الإشارات وتحسين وتطوير بعضها لتصبح أجمل. وفي أحيان لا نتمكن من تجسيد وترجمة حَرْفية النص بما هو مناسب في لغة الإشارة، فنبحث عن المناسب والأفضل. وهنا نشير إلى تغيير وتطوير في لغة الإشارة، فهي استقبلت تجديداً مهماً. من جهة أخرى نلتقي أفراداً من الصم، ونتحاور معهم بحيث نختار معاً الحركة الأجمل التي تصل للمتلقي من خلال المسرح. إذاً من أميمة أتعرّف إلى معاني الأغنيات والكلمات، ومن ثمّ أقصد مدرسة تعليم لغة الإشارة لضبط معنى الكلمات مع الإشارة. في الواقع العمل لم يكن سهلاً، والفريق الذي تعاونت معه أخافته الصفحات المتعددة للأغنيات السبع التي كنا بصدد تجسيدها عبر الكوريغرافيا ولغة الإشارة. بالنسبة لي يصبح العمل أكثر صعوبة عندما يعتمد الكلمات وحدها من دون موسيقى.
○ بالعودة إلى برنامج حفل «زمن» لماذا قررت أن تركب «الطبقة الوسطى» في القطار الذي لا أثر له في لبنان؟
•بيار: كنا حيال سبع أغنيات وسبعة عناوين. الأسطى كان موجوداً في لبنان، وكذلك الـ«تران» وهما معاً اختفيا من الوجود. كنت صغيراً عندما كنت أرافق والديَ وأرى الـ«تران» سنة 1990 والذي كان يعمل بين الدورة وطرابلس والبقاع. وجدت تجانساً بين الطبقة الوسطى والـ»تران» والزمن الذي اختفى، فكان هذا التجسيد للأغنية.
○ هل تقرأ في هذه الأغنية بالتحديد أية اشارة اقتصادية أم اجتماعية؟
•بيار: أجدها تجمع الجميع في هذا الوطن إلى أي طائفة أو مذهب انتموا. فالطبقة الوسطى جمعت كافة الطوائف «بين الياما وياما». سياسياً تمثّل الطبقة الوسطى الوحدة. ومن خلال الفن نسعى لتقديم صورة مختلفة عن تلك التي تمارسها الدولة. فمن شأن الفن أن يضيء على مواقع الخلل في مجتمعنا علّنا نتمكن من تصويبها.
○ كيف تمّ اختيار البرنامج وما هو دور بيار في هذه العملية؟
•أميمة: نبحث أولاً فيما تحمله الأغنية من رسائل. كنا حيال اختيارات لها صلة بلبنان والأوضاع الحالية التي نعيشها. ومن المؤكد أن أي برنامج ستكون لفلسطين مساحتها الخاصة ضمنه، فأخترنا أغنية «بنت وصبي».
○ بيار: في بدايات تعاوني مع أميمة كنت أختار الأغنيات التي تتضمن إيقاعا كي أشعر بها، وأتمكن من بناء حركة عليها. حالياً اختلفت الحيثيات فأنا أصمم رقصاً على أغنية تؤديها أميمة أكابللاّ. فصوت أميمة يشبه الموسيقى.
○ هل تختاران الأغنيات بسرعة أم يستغرق النقاش وقتاً؟
•بيار: ربما نختار البرنامج بسرعة، لكن بناء البرنامج يحتاج إلى جهد كبير خاصة وأني لا أسمع. أعود مراراً إلى ما كتبته خلال التمارين، والملاحظات التي أدونها في كل تمرين بهدف التعديل.
○ في «نيالك» صممت رقصاً تعبيرياً مميزاً. ما الذي يعجبك في هذه الأغنية؟
•بيار: أحبها لأني أشعرها انعكاساً للوضع اللبناني. كثر يقتلون الوقت بلعب الطاولة في الهواء الطلق. فهل نحسدهم عندما نقول «نيالك»؟
○ وهل ترك الشاعر الراحل محمد العبدالله أثراً كبيراً في نفسك كونك تذكرينه على المسرح؟
•أميمة: أثره بنفسي كبير وعلى مستويات مختلفة. أظنّ بأني أكثر من غنّى من شعر محمد العبدالله. كان يشير لبعض الأشعار ورغبته بأن أغنيها، لكن العدد الأكبر من الأغنيات التي أديتها من كلماته من اختياري وحدي. كان يستغرب بعض اختياراتي، ومنها على سبيل المثال «هذا الرأس سيقتلني». وكان تعليقه «أوووف كيف يعني هيك»؟ وعندما سألته تفسيراً لاستغرابه كان رده «أنت امرأة وعليك الاهتمام بشكلك» وذهبت مباشرة إلى قصيدة «هذا». رحمه الله.
○ هل تفسّر لنا المقاصد من اسكتش الحذاء مع زميلك علي الأتات؟
•بيار: نتعاون أنا وعلي منذ سنوات، وهو يمتلك أفكاراً ذات أبعاد. يرى الناس ينظرون إلى حذاء الشخص بهدف تقييمه انطلاقاً منه. فهم يخمنون من ماركة هذا الحذاء، وكم ثمنه؟ وتالياً يضعون العلامة للشخص المعْني انطلاقاً منه. برأينا علي وأنا أن الإنسان هو الإنسان مهما كان نوع حذائه وشكله. المهم هو فعل هذا الإنسان. أردت إضحاك الحضور في حفل «زمن» حتى وإن كنّا نعيش في حالة درامية. كما وجدت هذا الإسكتش مناسباً للصغار خاصة وأني أرغب بمخاطبتهم في عروضي، فهم جمهور لا يزال نقياً. والأطفال لن ينظروا إلى حذاء الشخص لتكوين فكرة عنه بل هم سيضحكون لهذا العرض الإيمائي الذي أديته مع علي الأتات، تماماً كما ضحكنا ولا نزال نضحك لحضور شارلي شابلن على الشاشة. فشابلن يرتدي البنطلون القصير، المعلق بحزام إلى كتفيه بصورة كاريكاتورية معبّرة.
○ ماذا تعني لك أغنية «رسايل» التي جسدتها في اسكتش مع مجدالدين أسعد؟
•بيار: «أوووو» يبادر معبراً بصوت واضح. ويتابع: حقيقة عندما أسمع «رسايل» أبكي، أتوجع وأتذكر أيام وليالي الملجأ خلال الحرب الأهلية، وأكثر ما أذكره الشمعة. فهذه الشمعة ومراقبتي لحركتها في الملجأ، والكل يتكلم وأنا لا أسمع ماذا يقولون، شكلت الأنيس الوحيد لي. وهكذا صرت أقلد حركة ضوء الشمعة وأتمايل معه، ومن خلاله اكتشفت شغفي بتعلّم الرقص.
○ هل تجذبك الموسيقى أكثر أم الكلام لتصميم رقصة ما؟
•بيار: الكلام بالتأكيد.
○ في حفل متعدد الأطراف من يضبط المساحة الخاصة للجميع بهدف التناسق والتناغم؟
•أميمة: من المفروض أن أقوم بهذه المهمة. عندما أكون مع بيار أحياناً نتولى المهمة معاً، وأحياناً يقوم بها بمفرده. فالثقة به كبيرة كما وأصدق عمله. إنما في بداية تعاوننا كانت الأمور من مهماتي وحدي، لكن لاحقاً تأكدت من قدراته ووجدته يتناغم معي فكرياً، ويسير وفق نظام متقن. ومهم جداً القول أنه يمتاز بنقاء داخلي كبير. بيار يشبهني في امتلاكه دوافع فنية بعيداً عن أي هدف سياسي أو مادي. المال ضرورة لكن لن نُقدِم على عمل بدافع جني المال.
○ هل سيصبح أسبوع «الأصم العربي» مناسبة سنوية تحتفلون بها؟
•بيار: نعم وتوقيته عربياً في الأسبوع الأخير من شهر نيسان/ابريل من كل عام.
○ صفق الحضور بشكل غير معهود من سنوات للنشيد الوطني عندما قدّمته مرفقاً بإشارات اليدين. هل لاحظتهم؟
•بيار: بكل تأكيد. كنا في مؤسسة رسمية وطلب وزير الثقافة أن يُعزف النشيد واحترامنا رأيه. النشيد هو الوطن والعلم والحرية والعمل للشباب. إذا ما يقوله النشيد وما يهدف إليه ممتاز، لكن أين العمل؟ برأي الشخصي لا أجد التصفيق إثر النشيد محبذاً بعد تفجير المرفأ، فنحن في خيبة كبيرة من حكّام هذا الوطن.
○ أميمة: ونحن بدورنا خذلنا هذا الوطن.
•كيف اخترت فريق الراقصين علي الأتات ومجدالله أسعد وعبلة حداد التي رقصت على أغنية عصفور؟
•بيار: الفريق كبير بينه مجموعة من الأطفال، وكذلك تيا وزويه وماري جوزيه، وجميعهم حضروا معنا في حفل فندق البستان. تعرّفت إلى علي الأتات عبر فيسبوك. ومجدالله الأسعد تلميذي في المدرسة الخاصة بالصم «إيراب». كثر يرغبون بالانضمام للفريق لكن الإختيار دقيق ووفق معايير محددة. نحن في مرحلة اختيار للمزيد من العناصر، وهذا مرتبط بالإمكانات المادية التي نمتلكها. أتشاور دائماً مع أميمة بشأن أفراد الفريق، وذلك احتراماً للتعاون القائم بيننا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية