ما بين الحديث عن الدراما الاجتماعية وحضورها الطاغي على شاشات الفضائيات المصرية، والغياب المُطلق للدراما الدينية والتاريخية، تتولد مُعطيات الكذبة الكبرى التي تتردد منذ سنوات عن الضعف الاقتصادي وقصور التمويل الإنتاجي اللذان يحولا دون إتمام المشروعات الدرامية التي تعتمد على الحدث الديني أو التاريخي، حيث أكدت الأعمال الضخمة التي أنتجت وعُرضت خلال شهر رمضان أن أزمة المسلسل الديني ونظيره التاريخي لم تكن أبداً في عدم وجود موارد مالية كما يروج البعض، بل هي أحد العوامل المهمة المطلوب توافرها والتي يُمكن التغلب عليها لو حسنت النية وباتت هناك رغبة فعلية في إنجاز عمل ديني أو تاريخي على غرار ما كان في السابق.
لقد بدا التدفق المالي قوياً للغاية في العديد من الأعمال والبرامج إلى الحد الذي يُمكن وصفه بالسفه، فهناك جهات تمويلية أنفقت على برامج هزلية بلا طائل أضعاف الميزانية المطلوبة للمسلسل الديني أو التاريخي وهو ما يجعل الوقوف عند مسألة المعوق المالي ضرباً من السذاجة إذا ما تم تصديق الحُجة الواهية المُعللة لغياب المُصنف الإبداعي الأهم.
فقد كان حرياً بمن ينفقون ملايين الدولارات على النكات والمساخر ومُسليات ومُشهيات ما بعد الإفطار أن يلتفتوا إلى خلو الخريطة الدرامية والفنية تماماً من أية مسحة دينية لها صلة بسيرة أحد الصحابة أو أي فتح من الفتوحات الإسلامية أو حتى مجرد الإشارة لغزوة من الغزوات التي انتصر فيها المسلمون ولو من باب التذكير وذراً للرماد في العيون.
لقد تم التركيز على محاربة الفكر المُتطرف أكثر من العناية بالبحث عن البديل الصحي ليكون صورة حية للإسلام الصحيح بمآثر رموزه من العلماء والمفكرين والمحاربين والأبطال كما حدث في العشرين عاماً الأخيرة التي كتب فيها الشاعر والكاتب عبد السلام أمين نماذج مضيئة من سير الخلفاء الراشدين، كمسلسل «عمر بن عبد العزيز» و«هارون الرشيد» و«تحت ظلال السيوف» و«قاهر الروم» و«آخر المماليك» وغيرها، بالإضافة لما كتبة الراحل يسري الجندي حول الوقائع التاريخية كمسلسل «الطارق» على سبيل المثال، أو ما أنجزه المخرج حسام الدين مصطفى الذي قدم مسلسلات غاية في الأهمية مثل، «الفرسان والأبطال» و«أبو حنيفة النعمان» و«صقر قريش» و«ابن حزم» و«عصر الأئمة» و«نسر الشرق» وغيرها من دلائل اهتمامه بالتاريخ الإسلامي.
فلم يكن المخرج الكبير يُقصر نشاطه الإبداعي على الأفلام فقط بمحتواها السياسي أو الحركي أو الاجتماعي، وإنما وضع في اعتباره الاعتناء بالتاريخ كمادة درامية خصبة تقدم دروساً مُستفادة للإنجازات والانتصارات والإخفاقات باعتبار ذلك من مهام المُبدع الأساسية ودورة الثقافي البناء.
هذه النوعيات التاريخية التي كانت من مكونات الدراما المصرية في عصر القوة الذي شهده قطاع الإنتاج في التلفزيون المصري قبل انهياره وتوقفه التام عن المُساهمة في أي شيء، ما دعا الجهات الإنتاجية الخاصة إلى الهيمنة الكاملة على الساحة وفرض أنماطها الهدامة باختلاق أزمات ومعارك وهمية داخل الحارات المصرية لم تكن قبل ذلك طافية على السطح بقبحها كما هو الآن.
لقد كانت مؤسسات الإنتاج القومي المصري المُتمثلة في قطاع الإنتاج وصوت القاهرة والإنتاج المُتميز والإذاعة، تتقاسم الأدوار الإبداعية في ما بينها وتتبارى للارتقاء بالذوق العام والتفتيش في سراديب التاريخ وخزائنه العامرة عن القصص والحكايات التراثية لتقدم للمُشاهد والمُستمع ما ينفعه ويُثقل ثقافته الدينية ويحميه من شطط الأفكار المغلوطة والهدامة، فالموارد المُتاحة كانت أقل بكثير مما هي عليه في الوقت الحالي، لكن العقول كانت ممتلئة بالأفكار والمواهب الحقيقية كان لها النصيب الأوفر من الفرص.
وبمُقتضى هذا المبدأ ولدت الأعمال الكبرى كـ»الوعد الحق» و«على هامش السيرة» والاثنان مأخوذان عن راويتين لعميد الأدب العربي طه حسين، بخلاف أعمال أخرى قيمة أنتجت في عدة أجزاء كمسلسل «محمد رسول الله» وهو من أيقونات الدراما المصرية وأكثرها ذيوعاً وانتشاراً ونجاحاً. غير أن هناك إنتاجا سينمائيا متميزا أيضاً كان محاذياً للإنتاج التلفزيوني ومُكملاً لدائرة الإبداع التاريخي والديني، والأمثلة الدالة عليه كثيرة وغنية، «فجر الإسلام» و«ظهور الإسلام» و«الشيماء» و«هجرة الرسول» و«بلال مؤذن الرسول» و«عظماء الإسلام» إلى آخر ما تتضمنه القائمة السينمائية المحفوظة عن ظهر قلب في ذاكرة ووجدان الجمهور المصري والعربي.
وبرغم المآخذ القليلة على بعض هذه الأفلام إلا أن وجودها كان ضرورياً ومهماً وداعماً للثقافة العربية بوجهيها الديني والتاريخي.
إن أهم ما لفت النظر في الإنتاج الدرامي الرمضاني بزخمه وتفاصيله هو ذلك التشريح المُجتمعي على نحو بالغ السلبية، حتى الأعمال الكوميدية الخفيفة اتسم معظمها بالركاكة والبلاهة فمسلسل «رانيا وسكينة» لروبي ومي عمر كان تنويعاً غير مُستساغ على قصة ريا وسكينة التي استُنسخت في أكثر من شكل، فمنها فيلمان أحدهما تراجيدي أبيض وأسود بطولة أنور وجدي ونجمة إبراهيم والثاني كوميدي بطولة شريهان ويونس شلبي، بالإضافة للمسرحية الشهيرة التي لعب بطولتها سهير البابلي وشادية وعبد المنعم مدبولي وأحمد بدير.
كل هذه دلالات وإمارات الفوضى التي شهدها موسم الضحك على الجمهور والذي تم إغراقه بالعشرات من النماذج الدرامية الغثة ولم يغب عنه سوى الإبداع الديني والتاريخي، ثنائي التميز الوحيد المُفتقد منذ سنوات بقصد أو بالصدفة!