حين أحدثك عن زيتونة جلست تحت ظلها في يوم صيفي أو أحدثك عن جنيها وغلتها في موسم الجني وعصر الزيتون، فأنت ستعلم أنني أحدثك لا عن زيتونة مقطوعة عن جغرافيتها، بل أنت ستستمع إليّ وتعلم أني لست في الصحراء مثلا ولا في المناطق الجليدية، بل أنا في أرض تكثر بها الزياتين وترتبتها صالحة لهذا الغرس. هناك معطيات لا بد من أن تتوفر لكل من يتحدث عن الزيتون، يعلمها السامع ويعلم المتحدث أن السامع يعلمها ويتقاسمان المعرفة الخلفية بتلك المعطيات.
المعرفة الخلفية ضرورية كي تفهم الوحدات اللغوية البسيطة كعبارة (زيتونة) أو المركبة كالجملة (جلست أتفَيأ ظل زيتونة في حقل قمح). حين تقرأ هذه الجملة ولا تفهم معنى (أتفيا) فستبحث في جيوب السياق، كي تعثر على فتات من هنا وفتات من هناك ينقد حيه المعنى الغامض، وحين تعجز ستسأل من تعتقد أنه قادر على مساعدتك وقدرته لا تكمن في أنه يعرف المعنى سلفا، بل في أنه أقدر منك على استنباط معنى الفعل من السياق، فقد تكون أنت قليل صبر على الاستدلال على المعنى من السياق، أو على استنباطه منه ويكون هو أكثر صبرا على استخراج الدلالة، وقد يكون عارفا معرفة مسبقة بالمعنى إذ صادف الفعل من قبل وخزنه في الذاكرة الحافظة، وحين تستوفى هذه العناصر ولم تهتد إلى المعنى فإن اللجوء سيكون إلى المعاجم الرقمية أو الورقية.
ما زالت هذه القواميس منافذ للنجدة، ولا سيما إن تعلق الأمر بتعلم اللغات التي لا ينتطق بها المتعلمون على السليقة، وحين تفتح المعجم ستجد معلومة عن تفيأ مثل التالية: «تفيا فيه تظلل» (لسان العرب 1/124). ويمكن أن تستزيد فيزيدك المعجم معلومة عن سر تسمية الظل فيئا فيقول: «وإنما سمي الظل فيئا لرجوعه من جانب إلى جانب» (المصدر نفسه والصفحة). لا يحتاج من أشكل عليه معنى (تفيأ ) إلى هذه المعلومة، بل إنه حين تعرض له ويشغل بها نفسه سيدخل بعد أن يقرأها مجاهل لا تفيده، بل ستشكل عليه. هذه المعلومة لا تفيد المتكلم البسيط، بل تفيد الباحث في تأصيل الكلمة أو في ايثيمولوجيا العبارات، أو لنقل في ضرب من علل اشتقاق الكلام اشتقاقا يراعي تنويع زوايا النظر إليها؛ فالظل تسمية عامة والفيء تسمية له تراعي خصيصة فيه: إنه يعود من جانب إلى جانب. إن اللغويين ليمضون في البحث عن أسرار اختلاف تسمية الفيء عن الظل فيقولون: ما قاله ابن السكيت: «الظل ما نسَخَتْهُ الشمس والفيء ما نسخ الشمس» (لسان العرب 1/125). وهو يعني أنك لا تسمي ظلا إلا ما كان كذلك قبل أن تغمره الشمس، ويسمى الفيء ما كان ظلا بعد الشمس. حين أجلس تحت الزيتونة في الساعة العاشرة صباحا فأنا استظل بها لأن الشمس لم تغمرها بعدُ فتذهب عنها ظلها أو تختزله وحين أجلس تحتها في السادسة مساء مثلا والشمس قد غادرتها فأنا عندئذ أتفيؤها لأن الظل استحوذ على فضاء كانت الشمس متحوزة عليه قبل أن تقترب من الغياب.
من الممكن أن ترى زيتونة في الفيافي. إن وجدتها فلا تصدق أن ظلها سيحميك من الشمس، سواء أكان الظل ظلا أم فيئا؛ لأن الشجرة إن استطاعت أن تعيش هناك عيشا قدريا فلأنها تغلبت على ضربة الشمس التي لا تبقي للبشر شيئا ولا تذر.
هل أن العربي الذي يستعمل (يتفيأ) يضمر هذا المعنى المختلف عن استظل؟ حتى يكون له ذلك العلم لا بد أن يكون واعيا بأن إخباره بالجلوس تحت الزيتونة، أو غيرها من الأشجار أو الأشياء ذوات الظلال مفيد زمنيا كأن يقول مثلا (جلست في ظل الشجرة مساء) ثم يميل إلى الاقتصاد فيقول: (تفيأت ظلها) فيفهم منه الاستظلال وزمانه، وهذا بذخ كبير في اللغة يشبه بذخ من له قصر فيه أربعون بابا، و له باب آخر تحتي يستعمله هو حين يعود من سفر بعيد . هذا التمييز لن يكون مفيدا إلا في سياقات قليلة أو دقيقة كالسياق الطبي الذي يحتاج أن يميز الطبيب فيه بين ظل ما قبل الشمس، وظل ما بعدها أو كالسياق الزراعي الذي يميز فيه بين سقي الزيتونة في ظل أدبرت شمسه أو أقبلت. ولا أعتقد أن هذه معطيات كانت مفيدة لبدو يبحثون في حلهم وترحالهم عن ظل لا يعنيهم منه أنه سابق للشمس أو لاحق. كل الاعتقاد أن هذا التمييز من صنع علماء اللغة والاشتقاق الذين يقربون بين الكلام ومعانيه المختلفة أو يبحثون عن الفوارق بين معنى وآخر. ليست كل المعلومات التي تورد في المعاجم معلومات يحتاجها المتكلم أو يتعامل بها فللعلماء حاجات وللمتكلمين أخرى.
يستعمل اللسانيون العرفانيون مصطلحا مهما في هذا السياق هو Grounding ويقصدون به استناد الوحدات الدلالية إلى أرضية ترتكز عليها، ولهذا سنستعمل عبارة تأريض تعريبا له. يعني التأريض عند علماء الدلالة والنحويين العرفانيين أن كل وحدة لغوية من نوع الاسم (زيتونة) والفعل (تفيأ) وهي عندهم وحدات رمزية ترتبطة بالمحيط الثقافي الذي ندركها فيه. فعلى سبيل المثال فإن المعلومات التي يحتاجها كل متكلم يستعمل عبارة زيتونة، فضلا عن تمثله لها ، هي أنها شجرة يُستخرج من ثمرها الزيت وأنها ليست صحراوية وأن ثمرتها ليست من الغلال وأنك لا تشتق منها عصيرا تجلس لتشربه مع ضيفك وأنتما تتفيآن ظلا في الحديقة.
هذه المعلومات تمثل أرضية مشتركة لكل من استعمل هذه العبارة لأنها معلومات عامة يكتسبها الإنسان وهو يتعامل بهذه الوحدة الرمزية. فالتأريض يعني بهذا جملة المعطيات التي ترافق تصوره ولا تكاد تنفصل عنه. وتتغير هذه المعطيات بتغير الثقافات والعصور ولذلك لا يوجد تأريض ثابت لاسم ثابت؛ فعلى سبيل المثال حين تذكر الزيتونة في سياق قرآني فإن سمة (لا شرقية ولا غربية) تقفز إلى الذهن باعتبارها معطى من معطيات نعرفها عبر النص القرآني عن الشجرة. لكن هذه الصفة لا يمكن أن تصبح جزءا من التأريض إلا إذا كانت معلومة سارية وشائعة ومفهومة، وهو ما لا يتوفر للناس جميعا حين يودون فهم (لا شرقية ولا غربية) التي اختلف المفسرون في تأويلها. بعض الدارسين يذهبون إلى أن هناك ضربين من التأريض (انظر Staffan Larson) التأريض التواصلي، وهي المعلومات التي نتقاسمها ونحن نتحاور من غير أن نصرح بها، فأثناء كل حوار توجد أرضية مشتركة متألفة من جملة من المعارف الموسوعية التي اكتسبناها من عيشنا المشترك. وتدخل في هذا السياق المعرفة بالكلمات والمركبات، وما تدل عليه والأطر التي تستعمل فيها والأعراف والعادات والمعتقدات، وغيرها من المعطيات الثقافية. فإن أقول لك (جلست العصر تحت زيتونة) فتقول لي: (اليوم أم متى؟) فأنا وأنت قد استعملنا معلومات في التواصل لم نصرح بها حول الزمن الطبيعي والديني. هذه المعلومات نتقاسمها ولذلك نمر عليها مرورا دون السؤال حولها فلو قلت مثلا وأنا أخبرك عن جلوسي العصر تحت الزيتونة: ما الزيتونة؟ أو ما العصر؟ فهذا يعني أنه ليست لك معرفة لا بالكلمة ولا بالخلفية الثقافية التي تخصها.
أما الضرب الثاني من التأريض فهو التأريض الرمزي وهو تأريض نقيم به علاقة بين اللغة والكون عن طريق الإدراك. وينبغي أن يكون التأريض الرمزي حاملا لمعطيات يشترك فيها المتكلم والمستمع ويتقاسمانها وهي معلومات حول العالم المدرَك أو الفيزيائي. هذه المعلومات وحسب هارناد Harnad هي التي ترسخ الربط بين تسمية اعتباطية وما تسميه، فلولا أن الزيتونة شجرة منها يعصر الناس الزيت ويستعملونه في الطبخ، ولولا أنها شجرة تنبت في غير الفيافي لما استقر اسمها عليها. لكن من الممكن أن ترى زيتونة في الفيافي. إن وجدتها فلا تصدق أن ظلها سيحميك من الشمس، سواء أكان الظل ظلا أم فيئا؛ لأن الشجرة إن استطاعت أن تعيش هناك عيشا قدريا فلأنها تغلبت على ضربة الشمس التي لا تبقي للبشر شيئا ولا تذر.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية