تثبت محكمة العدل العليا مرة أخرى بأن لا مثيل لها في أن تكون ختماً ومغسلة لمظالم الاحتلال. في قرار نشر بليل، بين يوم الذكرى ويوم الاستقلال، سمحت محكمة العدل العليا بطرد نحو ألف فلسطيني من بيوتهم من مسافر يطا جنوب شرقي الضفة الغربية، في صالح تدريبات الجيش الإسرائيلي. ومعنى القرار هدم ثماني قرى فلسطينية يعيش سكانها في هذه المنطقة منذ أجيال عديدة.
القضاة، دافيد مينتس، عوفر غروسكوف وإسحق عميت، ردوا ادعاءات الملتمسين بأنهم يعيشون في المنطقة قبل الإعلان عنها كميدان نار في العام 1981. العجيب أن مئات المستوطنين ممن يعيشون في المنطقة ذاتها، ومعظمهم جاء لاحقاً، لم يطلب منهم الإخلاء لصالح ميادين نار الجيش. هكذا سوغ الأبرتهايد الإسرائيلي في جنوب الخليل بختم أعلى من محكمة العدل العليا.
مشهد الطرد الانتقائي على أساس قومي، لن يعود ممكناً صد ادعاء وجود نظام الأبرتهايد، الذي حل محل نظام الاحتلال العسكري في “المناطق” [الضفة الغربية]. الاحتلال مؤقت بحكم تعريفه، أما الأبرتهايد فيبقى إلى الأبد. ومحكمة العدل العليا أقرت هذا.
قرار القضاة خطير هذه المرة على نحو خاص؛ أولاً بسبب حجم الطرد من ثماني قرى، أي نحو ألف شخص. ثانياً، بسبب الطابع الأيديولوجي للقرار: تفضيل موقف الجيش والمستوطنين على موقف السكان. وثالثاً، بسبب تقويض القانون الدولي.
السكان الألف الذين يسلط سيف الطرد على رقابهم، ولدوا وترعرعوا في بلاد المغر هذه، حيث تعيش جماعات الرعاة في ظروف قاسية جداً، بلا ربط بالمياه أو الكهرباء، وهي تحافظ على نمط حياتها التقليدي. وطردهم لا يعني إخراجهم من بيوتهم فحسب، بل وسحق ثقافة حياة برعاية محكمة العدل العليا.
كما ردت محكمة العدل العليا الادعاء بأن حظر الترحيل الإكراهي، المثبت في القانون الدولي، يلزم المحكمة أو ينطبق على دولة إسرائيل. مثل هذا الدوس على القانون الدولي، من جانب محكمة حظيت حتى وقت أخير مضى بمكانة دولية، هو صفعة لمؤسسات الأسرة الدولية ومنظومتها القضائية. القاضي مينتس، وهو مستوطن بنفسه، قضى عملياً بأن القانون الدولي في هذا الموضوع، بل وربما في مواضيع أخرى، لا يلزم دولة واحدة في المعمورة، إسرائيل، وهو متعلق بموافقتها. هذا طريق خطير لتفسير القانون الدولي، يسهم في الدوس عليه.
قرار محكمة العدل العليا سيذكر إذن كواحد من نقاط الدرك الأسفل للمؤسسة القضائية العليا في إسرائيل. حقيقة نشره في ظلمة الليل تشهد على أنها تضم بين جدرانها من فهموا العار الذي أوقعه القرار على المحكمة وعلى الدولة.
بقلم: أسرة التحرير
هآرتس 8/5/2022