« لايسن المفقودة»: مُسَوَّدات مارغريت ميتشيل الزرقاء

لوقتٍ ينقِّط حروفَهُ، ويزيِّنُ لحظاته الجميلة بعالم صغير، وزمنٍ أصغر مفتوحٍ على لونه، وعلى وقتٍ يضرب أرقامه بالصِفر، وبالأصفر الغيور ليبدأ في كل مرة من جديد، و: بـ(نعم)عادلة تُقَسِّم الحب فقط على اثنين (كليفورد وبيغي).
ذلك الحب الأول، تلك السلة الفارغة المُعَلَّقة بالروح لا بالرسغ، وبتلك الألوان التي يتحرَّاها القلب في عالمه البِكر خارج أسوار الجسد. حُبٌّ أولُ تكتبه قطرتان من لُعابٍ يرتجف على شفاهٍ جافة، حبٌّ بطعم أول ثمرة في الموسم.
متمثلةً الحالة الأولى في مقولة منسوبة لأنطون تشيخوف «في حياة الرجل ثلاثُ نساء: امرأة تحبه، وامرأة يحبها وامرأة يتزوجها» تكتب مارغريت ميتشيل روايتها الأولى ذات السبع وخمسين صفحة، وتُعَنْوِنُه «لايسن المفقودة» العمل الروائي القصير الذي أخفَتْهُ خلف اسم (بيغي): وهو الاسم الذي اختارته الفتاة الأمريكية ذات الأصول الإيرلندية الكاثوليكية، للانعتاق من البيئة المحافظة، والولوج إلى عالم حب يحرِّرُها من القيود الصارمة التي فرضَتْها أُمها ماي بيل ستيفنسون ذات الشخصية المحافظة القوية. لم يكن أي من أفراد عائلتها أو أقربائها يناديها بهذا الاسم، لكنها أرادت لحُبها الأول أن يقف بكل قوته بين الأخضر الإيرلندي والشمس الأمريكية المقبلة من شمال شرق الولايات المتحدة ومن نيويورك بالتحديد، وأن تُخضِع قلبها للحضور الآسر الذي لا تقاومه الفتيات، في رجولة ووسامة وعنفوان النيويوركي كليفورد هنري. أَجَلْ اتخذت (بيغي) قرارها الأول للحفاظ على الحب الأول كعاشقة، أما اسم مارغريت فقد تركتْهُ لعائلتها وللسجلات الرسمية، فوَقّعتْ رسائلها باسم (بيغي) لبناء حب نقي عبَّر عنه خليل جبران في كتابه (النبي) «الحب الحقيقي هو من يجدنا ولسنا من نجده».
بدأت (بيغي) بكتابة «لايسن المفقودة» في العاشر من تموز/يوليو 1916 وانتهت من كتابتها في السادس من آب/أغسطس من العام ذاته، أي خلال أقل من شهر، حيث كتبت اسمها على صفحة داخلية من كتابها الأول، ثم لصقت مخططها المكوَّن من اثني عشر فصلاً على ظهر الكتاب وأهدتهُ لحبيبها الأول كليفورد هنري في الأيام الأولى من علاقتهما، ثم راسلَتْهُ على عنوانه بترويسة (هنري ملاك الحب). الرواية القصيرة المكتوبة بخط اليد، نظيفة بشكل ملحوظ مع بعض التغييرات والمحو. يبدو الأمر كما لو أن القصة تدفقت من خيالها بالكامل في أقل من شهر. ما يثير الإعجاب هو أن رواية «لايسن المفقودة» كُتِبت عندما كانت بيغي في عمر خمسة عشر عاماً وثمانية أشهر أي قبل أربعة أشهر من عيد ميلادها السادس عشر.
قصة الحب الأول لكليفورد هنري ومارغريت ميتشيل تزامنت مع دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى (1917-1918) في تلك الفترة كان الطلب على فتيات المدارس كبيراً للمشاركة في الرقصات أمام الجنود الشباب المتمركزين في كامب غوردون في ولاية جورجيا وفورت ماكفرسون. في واحدة من هذه الرقصات، وفي الأسبوع الأول من شهر يوليو عام 1917، التقت ميتشل بالملازم كليفورد هنري ذي الـ 22 عاماً والطالب في جامعة هارفرد: شاب ثري وبارز اجتماعياً في نيويورك، كان يؤدي خدمته العسكرية في معسكر غوردون. سريعاً، وقع الاثنان في الحب وبدآ المواعدة، وبعد عام واحد تمت خطبتهما في أيلول/سبتمبر 1918، قبل وقت قصير من استدعائه، ثم نقله خارج الولايات المتحدة للقتال على الجبهة الفرنسية ـ الألمانية المشتعلةً آنذاك، بينما كانت بيغي في طريقها إلى مدرسة سميث في واشنطن بعد مضي شهر واحد فقط على خطبتهما.
في 16 تشرين الأول/أكتوبر 1918 أثناء القتال في فرنسا. وأثناء وجودها في مدرسة سميث في واشنطن، تلقَّتْ ميتشيل برقية من جبهات القتال في فرنسا تفيد بأن كليفورد مات في الحرب… عند تحرِّي دقة هذه المعلومة تبيَّن أن كليفورد لم يمت في تلك الحرب، بل كان من أرسلها على الأغلب هو كليفورد هنري نفسه – وذلك بعد مغامرات قامت بها (بيغي) مع العديد من الشبان، ما لبثتْ بعدها أن تزوجت من صديقها ريد آبشو، الذي كان عاطلاً عن العمل وانفصلا بعد عام واحد فقط، بينما واعدَ كليفورد هنري عاملة الاتصالات الشابة غريس رايفيلد ثم تزوجا سنة 1922 وأنجب منها هنري إنجل جونيور 1924 وويليام بعد عدة أعوام. في آذار/مارس سنة 1945 مات كليفورد هنري بعد إصابته بسرطان الرئة، وقصور القلب.

بالعودة إلى رواية ميتشيل الأولى والمخفية عمداً، يستطيع القارئ تمييز الطابع الفيكتوري في الكتابة، حيث تُظهر ميتشيل الواقعية كخاصية أدبية بارزة للفترة الممتدة نظرياً – بين الثلث الأول للقرن التاسع عشر والسنة الأولى من القرن العشرين (1837-1901). هذا الأسلوب الأدبي الذي يمزج بين الذاتية الرومانسية وموضوعية (أوغسطان) وكأنه يتقاطع مع ما كَتبتْهُ الفرنسية جورج إليوت في عملها المهم (آدم بيدي): «دعونا نعتمد على رجالً مستعدين لمنح آلام الحياة ذات المُثُل العليا، لوصف الموجودات العادية «. مؤمنةً بأن الغرض من الأدب هو تصوير العالَم بدقَّة.
تقص (بيغي) على لسان بيلي دانكن، راوي أحداث تبدو وكأنها حقيقية، تجري على ظهر (كاليبان) السفينة المبحرة من الجنوب الأمريكي عبر ممر(يندانو) باتجاه جزيرة (لايسن) في جنوب المحيط الهادي. بطلا تلك القصة هما كل من دوغلاس ستيل ذي الثلاثة وعشرين عاماً (الشخصية التي تحمل طِباع كليفورد هنري) الرجل النبيل، والآنسة كورتني روس – صديقتها المُقرّبة، التي تَذكُرها ميتشيل في الرواية باسمها الحقيقي – (و تحمل طِباع بيغي ميتشيل نفسها) الآنسة روس، الشابة الحسناء ذات التسعة عشر عاماً، التي تهرب إلى جنوب المحيط الهادي، فيتبارى على الظفر بقلبها ثلاثة رجال يريدون التقرب منها ويحاورونها على ظهر (كاليبان) وهنا لا بد من الإشارة إلى هؤلاء الثلاثة (الحقيقيين): كليفورد هنري، ريد آبشو، وجون مارش الذي بقي زوجها حتى توفيت سنة 1949).
في نهاية الرواية تغرز خنجراً في صدرها بعد معركة دامية بين الثلاثة لكنها تختار الموت على جثة دوغلاس ستيل (هنري كليفورد): القلب الذهبي وسليل العائلة الثرية التي اعتاد رجالها من الأمريكيين (الجُدد) ارتداء بنطلون أبيض وقبعة بَنَما.
خاتمة الرواية، تُكَرِّس النهايات الحزينة للحب الأول، حيث يحب الرجل امرأة ولا يفوز بها. تتحول الرواية الطفولية ذات الصفحات السبع والخمسين إلى ألف وسبع وثلاثين صفحة، وأكثر من نصف مليون كلمة تُرجمت إلى اثنتين وسبعين لغة وبيعت منها ستة ملايين نسخة، فقط في الأشهر الستة الأولى بعد صدورها في طبعتها الأولى، لتصل المبيعات في النهاية إلى ستين مليون نسخة، وتُعتبَر رواية القرن العشرين الأكثر مبيعاً والأكثر شهرة. بعد أن أرسلت مسوداتها الأولى إلى الناشر هارولد. س. ليثام، اكتشف من خلال تلك المسودات الضخمة الموهبة المتميزة لميتشيل والتي عنونتها: «ذهب مع الريح». وبسبب الإقبال الشديد على شراء الرواية، اعتُبِرَت مارغريت ميتشيل نصراً مؤجلاً انتظره الجنوب الأمريكي طويلاً بعد الهزيمة العسكرية التي لحقت بهم من الشماليين، فنظَّمَ الجنوبيون حفلاً تكريمياُ كبيراً للرواية العابرة للقارات، وكتبوا عنوانها على طائرة تحمل ركاب الجنوب ، لتتحول حروف «ذهب مع الريح» إلى ذَهَبٍ تكتبه الريح في شخصية (سكارليت أوهيرا) لأنها تختصر الزمن وتؤكد نصر نبلاء الجنوب الأمريكي وفقرائهم من البِيض المتعلِّمين والذين يُسَمَّون (كريكرز) في معركة جديدة بلا أسلحة، بل برواية جابت العالم، وأكدت أصالة الجنوبيين، خصوصاً في ولاية جورجيا ذات الأغلبية الأيرلندية المهاجرة.

في نهاية الرواية تغرز خنجراً في صدرها بعد معركة دامية بين الثلاثة لكنها تختار الموت على جثة دوغلاس ستيل (هنري كليفورد): القلب الذهبي وسليل العائلة الثرية التي اعتاد رجالها من الأمريكيين (الجُدد) ارتداء بنطلون أبيض وقبعة بَنَما.

الغريب هنا أن مارغريت ميتشيل كانت قد أوصت زوجها الثاني جون مارش – الصحافي المهتم بشؤون الأدب – قبل وفاتها – بحرق كل المسودات التي تتعلق بروايتها (الوحيدة) «ذهب مع الريح».. السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا: لماذا؟ ما الذي أرادت (ميتشيل) إخفاءه وهل كانت هناك أي خصوصية يمكن لها أن تَظهر للعلن، وتدل على شيء ما قد يضر بسمعة الرواية الوحيدة وكواليس كتابتها؟ نعم الأمر كان متعلقاً بظروف ورسائل وصور، تَعاهَدَ كل من كليفورد وبيغي على سِريَّتها. بعد العودة للكثير من المراجع كان لا بد من تسليط الضوء على الجهد الذي قامت به الباحثة ديبرا فرير في إثبات أن العلاقة بين بيغي وكليفورد لم تكن علاقةً سرية، بل كانت عهودا قُطِعَتْ على حفظ أسرار العلاقة.
بعد وفاة مارغريت ميتشيل سنة 1949 مرَّتْ الأعوام لتصل عاماً يبدِّل الآحاد بالعشرات (1994) فيتصل هنري جونيور (ابن كليفورد هنري) بمدير متحف «الطريق إلى تارا/ أتلانتا السيد باتسي فيغينيس ليخبره بأنه يمتلك مجموعة أصلية من خمس عشرة رسالة ودفترين أزرقين قديمين كانا بعنوان (لايسن المفقودة) مكتوبة بخط مارغريت ميتشيل احتفظ بها والده في إحدى الجوارير السرية في مكتبة منزل العائلة في نيويورك- بالإضافة إلى خمس وسبعين صورة وخمس عشرة رسالة تُوَثِّق وتشهد على العلاقة التي ارتبط بها والده بالكاتبة الشهيرة.
لم يكن باتسي فيغينيس متأكداً بأن هنري (الصغير) يحتفظ بصور ورسائل وتذكارات أصليَّة، فاستعان بثلاثة مختصين: خبير مستقل متخصص بكشف تاريخ الورق والحبر وخط اليد، ومؤرٍّخ متخصِّص بالكُتَّاب في تلك الفترة، بالإضافة إلى أحد جامعي الصور والرسائل الخاصة بمارغريت ميتشيل لأكثر من خمسة وعشرين عاماً، وذلك للتأكد من كل شيء واتخاذ قرار بشرائها والاحتفاظ بها. وبالفعل أكد الخبراء الثلاثة أن ما وجده هنري (الصغير) كان يعود بما لا يدعو للشك إلى مارغريت ميتشيل، الذي كتبتْهُ (بيغي) خلال ست سنوات (1916-1922) وهو ما يدحض المعلومات السائدة التي آمن بها سِتّون مليون قارئ من طوكيو إلى جنوب افريقيا وصولاً إلى إنكلترا أن رواية « ذهب مع الريح» هي الرواية (الوحيدة) التي كتبتها ميتشيل! بعد ذلك اعتُمِدَتْ تلك الشواهد والأدلة واشتراها متحف (الطريق إلى تارا / أتلانتا) وبدأ بعرضها اعتباراً من عام 1995.
في الصفحة الأولى ـ السطر التاسع عشر – من « ذهب مع الريح» – التي أصدرتها ميتشيل في سن السادسة والثلاثين – تشير إلى عمر السادسة عشرة إبان وقوعها في حب كليفورد هنري، بوصفها لبعض تفاصيل الأنوثة الصاخبة للشخصية الرئيسية في الرواية (سكارليت أوهيرا) في تلك السن المبكرة: (كان الثوب يُبرِز بشكل دقيق تماماً، خصرها بمحيطه ذي الأربعين سنتيمتراً، كأكثر الخُصور نُحولاً في أتلانتا، كما أن قميصها الضيق يُبرز نهدين عارمي النضوج بالنسبة إلى عمرها الذي لم يتجاوز ستة عشر ربيعاً) ، بينما في الصفحة الأولى من «لايسن المفقودة» تشير بيغي بشكل صريح إلى مدينة نيويورك في السطر الحادي عشر من الصفحة الأولى على لسان بيلي دانكن بالقول: «يبدو الليل طويلاً وذا رائحة جديدة وغريبة كمدينتي» وكأنها – ولو عن غير قصد – تشير إلى أنها بدأت كتابة ذهب مع الريح في تلك السن المبكرة و بعد بداية علاقتها بالشاب النيويوركي النبيل (المصدر رواية « لايسن المفقودة» الصادرة عن مجموعة أوريون للطباعة في لندن).

الاختلاف المهم بين رواية «لايسن المفقودة» ورواية «ذهب مع الريح» هو أنها تتحدث عن أمها ماي بيل ستيفنسون (الفرنسية ـ الإيرلندية) بأنها «رحيمة ومتسامحة بينما مربيتها فقد كانت صارمة». الحقيقة عكس ذلك فقد كانت (جنسي) مربيتها ذات البشرة السوداء رحيمة ومتسامحة، وكانت والدتها أشد صرامة هذا يدل أيضاً على تركيز ميتشيل على خلط مسودات «لايسن المفقودة» وقلب أدوار، وحتى طباع بعض الشخصيات في «ذهب مع الريح» وربما يكون ذلك من جملة أسباب وصيتها بحرق مسودات «ذهب مع الريح» بعد وفاتها.
في العديد من الطرق، يميط عملها الروائي الأول « لايسن المفقودة» اللثام عن مواضيع وشخصيات أساسية لفهمنا للعمل اللاحق.
في الصفحتين 118 و119 في كتابه « حياة مارغريت ميتشيل ابنة الجنوب» يقول كاتب سيرة ميتشيل الأمريكي دي.أ. بايرون: «كانت واثقةً من أن الشاب الذي وَعَدَتْهُ، سيعود رجلاً كاملاُ وسيتزوجها». وعندما أراد صديقها (آلان إيدي) التطرُّق إلى الجانب الجنسي من الرومانسية قالت له ميتشيل: «إنك بالفعل تشوِّه حبنا النقي، لقد كان كليفورد رجلا فريداً» – تُتابع باكِيَةً: «لقد قدَّسني لأنني لم أكن مشاعاً لأي رجل». يضيف بايرون، مستطرداً بوصف كليفورد «لقد حَوَّلَته بيغي إلى أسطورة وفاء كأسطورة (غالاهاد) فارس الطاولة المستديرة الذي كان مخلصاً بشدة للملك آرثر».
هكذا رنَّقَت مارغريت ميتشيل ذلك الحب، كما تُرَنِّقُ فراشةٌ جناحيها في لحظة تناغمهما مع قانون الهواء، إنها تستمتع بالطيران لكنها لا تنظر إلى ألوان جناحيها الجميلين، فحرّكَت قصة حبها بتناغم يشبه إلى حد كبير تناغم العلامات الموسيقية التي حرَّك بها عازف البيانو والمؤلف الموسيقي الفرنسي «إيريك ساتي» مقطوعته الموسيقية (يوماً ما.. في باريس) وكانت جمالاً يُلهِم ولا يعرف، فينمو بُرعمها ذو الستة عشر عاماً في أكثر من قرن، محافظاً على هوية الزهرة في امتداداتها تحت شمس صغيرة وظلٍّ لروحين خارج الفصول والمواسم.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية