أوكرانيا بعد 87 يوماً من الحرب: القتال يشتد في دونباس وسقوط ماريوبول والغرب يواصل دعم كييف

آدم جابر
حجم الخط
4

تزداد الاشتباكات بين القوات الأوكرانية والروسية حدة في مقاطعتي لوغانسك ودونيتسك بمنطقة دونباس بشرق أوكرانيا، وسط تكثيف الروس الضغط في المنطقة.

باريس ـ «القدس العربي»:  مع دخول الغزو الروسي لأوكرانيا يومَه الـ88 يشتد القتال في منطقة دونباس بعد سقوط مدينة ماريوبول الاستراتيجية، فيما يتواصل الدعم الغربي لكييف في مواجهة موسكو، التي استخدمت مجدداً ورقة الطاقة للرد على الغربيين.

وتزداد الاشتباكات بين القوات الأوكرانية والروسية حدة في مقاطعتي لوغانسك ودونيتسك بمنطقة دونباس بشرق أوكرانيا، وسط تكثيف الروس الضغط في المنطقة. فبعد فشل الجيش الروسي في الاستيلاء على العاصمة الأوكرانية كييف ومدينة خاركيف، أضحت روسيا تركز الآن عملياتها العسكرية في شرق أوكرانيا وجنوبها، ساعيةً بشكل خاص إلى السيطرة بالكامل على منطقة دونباس، التي تخضع جزئيًا لسيطرة الانفصاليين الموالين لها منذ 2014 وخرج جزء منها بالفعل عن سيطرة كييف.
وزارة الدفاع الروسية أكدت يوم الجمعة المنصرم أن غزو لوغانسك «قد اكتمل». وتشكل منطقتا سيفيرودونيتسك وليسيتشانسك آخر جيب للمقاومة الأوكرانية لوغانسك، من أجل «إنهاك المقاومة ومنع وصول تعزيزات» كما تقول وزارة الدفاع الأوكرانية، مؤكدة أن «العدو الروسي نفذ قصفا مدفعيا مكثفا على البنية التحتية المدنية، بما في ذلك نيران كثيفة من قاذفات صواريخ».

جحيم دونباس

وفي ظل هذا التصعيد الميداني في دونباس، اعتبر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن الجيشَ الروسي حول منطقة دونباس إلى «جحيم» مؤكداً أنها (القوات الروسية) «دمرت بالكامل» منطقة دونباس وبأنها تشن عمليات قصف بدون تمييز مع تكثيفها الهجوم على المنطقة.
ويؤكد خبراء عسكريون ومحللون سياسيون أن السيطرة الكاملة على لوغانسك ودونيتسك من شأنها أن تسمح للروس بإعلان الانتصار، بعد أن أعلنوا قبل أيام أن الاستيلاء على هذه المنطقة هو هدفهم الرئيسي. لا سيما أن هذه السيطرة، في حال تمت، ستأتي عقب التقدم الميداني المهم الذي حققه الجيش الروسي مع سقوط مدينة ماريوبول الاستراتيجية بعد حصار ومقاومة شرسة استمرت لنحو ثلاثة أشهر.
فبعد عملية حصار طويلة هي الأكثر تدميراً في هذه الحرب، أكد الجيش الروسي، يوم الجمعة المنصرم، أنه «حرر بالكامل» مصنع الصلب في آزوفستال آخر معاقل الجيش الأوكراني بمدينة ماريوبول الاستراتيجية، بعد استسلام آخر الجنود الأوكرانيين الموجودين هناك، ليصل العدد الإجمالي للمدافعين عن الموقع الذين استسلموا في الأيام القليلة الماضية إلى 2439 وفق وزارة الدفاع الروسية.

سقوط ماريوبول

وتشكل نهاية الحصار في ماريوبول تقدماً ميدانيا مهماً لروسيا، تحقق بثمن باهظ وهو دمار على نطاق واسع. كما أنه أتى بعد سلسلة من الانتكاسات التي تعرضت لها منذ بدء هجومها العسكري هذا قبل سبعة وثمانين يوما. أعلن القائد العسكري الأوكراني دينيس بروكوبينكو قائد كتيبة آزوف الأوكرانية، في رسالة عبر الفيديو، يوم الجمعة، أن آخر الجنود الأوكرانيين المتحصنين في مصنع آزوفستال للصلب في مدينة ماريوبول، تلقوا أمرا من كييف بأن «يتوقفوا عن الدفاع عن المدينة».
وأضاف أنه تم إجلاء المدنيين والمقاتلين المصابين بجروح خطيرة من مصنع آزوفستال في ماريوبول. وتصف موسكو كتيبة آزوف، التي كانت متحصنة في المصنع، بأنها من «النازيين». وتشكلت الكتيبة في 2014 كميليشيا لقتال انفصاليين موالين لروسيا لكنها تنفي أنها فاشية وتقول أوكرانيا إنها غيرت توجهاتها بعد أن كانت لها أصول قومية متطرفة.

دعم غربي لكييف

مع تصاعد الضغط الروسي في شرق أوكرانيا، وافق الكونغرس الأمريكي، يوم الخميس المنصرم، على مساعدة أمريكية جديدة ضخمة، بقيمة 40 مليار دولار لدعم الجهود العسكرية الأوكرانية في مواجهة الغزو الروسي. وهي مساعدات من المفترض أن تسمح لأوكرانيا بالتزوّد خصوصا بآليات مصفّحة وتعزيز منظومة الدفاعية الجوية. وكان الكونغرس قد صادق قبل نحو شهرين، على صرف 14 مليار دولار في إطار الأزمة الأوكرانية. إلا أن الرئيس كان يطالب منذ أسابيع بزيادة الميزانية بشكل كبير بهدف دعم أوكرانيا في المرحلة الجديدة من النزاع.
وغداة الإعلان عن هذه المساعدات الأمريكية الضخمة، تعهّد وزراء المال في الدول الأعضاء في مجموعة السبع، يوم الجمعة، في ختام اجتماع بألمانيا، بتقديم حوالي 20 مليار دولار لدعم ميزانية أوكرانيا، حوالي 9 مليارات دولار منها كتعهّدات جديدة من أجل مساعدة أوكرانيا على سدّ عجزها المالي. ويُفترض أن تساهم الولايات المتحدة بحوالي 7 مليارات دولار، تندرج ضمن الـ40 مليار دولار التي صادق عليها الكونغرس الأمريكي. وقبل ذلك، كان الاتحاد الأوروبي قد أعلن عن تقديم «مساعدة مالية جديدة» لأوكرانيا بقيمة 9 مليارات يورو.

أول اتصال

في خضم هذه التطورات الميدانية في ماريوبول ودونباس، أجرى قائد الجيش الأمريكي الجنرال مارك ميلي ونظيره الروسي فاليري جيراسيموف، أول مكالمة هاتفية، منذ بدء الحرب في أوكرانيا قبل 87 يوماً. وقال المتحدث باسم هيئة الأركان الأمريكية المشتركة العقيد ديف لوتلير إن القائدين العسكريين الروسي والأمريكي «ناقشا عددا من القضايا الأمنية ذات الاهتمام المشترك واتفقا على استمرار فتح خطوط الاتصال بينهما». فيما ذكرت وزارة الدفاع الروسية أنهما «ناقشا القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما في ذلك أوكرانيا». وأتت هذه المكالمة بعد تلك التي حصلت بين وزيري دفاع البلدين الأسبوع الماضي. تجدر الإشارة إلى أن البلدين أقاما خطا ساخنا منذ بدء الحرب في أوكرانيا، لمنع حصول أي حوادث بسبب سوء التقدير وأي توسيع للصراع.
وبعيداً عن القضايا الأمنية والميدانية، وفي أحدث تصعيد اقتصادي- دبلوماسي من موسكو في مواجهة عقوبات الدول الغربية ضدها ودعهما المستمر لكييف، أوقفت روسيا، أمس السبت، إمدادات الغاز إلى فنلندا، على خلفية رفض هلسنكي الدفع بالروبل الروسي إلى مجموعة «غازبروم» الروسية المزودة، وأتت الخطوة بعد أيام قليلة على تعليق صادرات الكهرباء الروسية إلى فنلندا بسبب متأخرات.
كما أنها تأتي في خضم تحركات فنلندا والسويد المجاورة من أجل الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي «الناتو» بذريعة أن روسيا تشكل تهديدا لهما. وقد حذرت موسكو من مغبة أن التقدم بطلب رسمي للانضمام إلى حلف الناتو «سيكون خطأ فادحا له تداعيات واسعة النطاق». وسبق لـ«غازبروم» الروسية أن قطعت إمدادات الغاز عن دول عدة رفضت الدفع بالروبل حتى لا تدعم الاقتصاد الروسي خلال الحرب في أوكرانيا، منها بلغاريا.

اتهامات متبادلة

ويهدد استمرار الحرب بتصعيد الأزمة الغذائية العالمية، في ظل البلبلة الحاصلة في النشاط الزراعي وحركة تصدير الحبوب من أوكرانيا، رابع مصدر للذرة في العالم، وثالث مصدر للقمح. وفي هذا الشأن، تبادل الروس والأمريكيون الاتهامات بالمسؤولية عن التدهور المتفاقم للأمن الغذائي في العالم، وذلك خلال اجتماع مجلس الأمن الدولي يوم الخميس المنصرم والذي تم بدعوة من الولايات المتحدة الأمريكية. فقد اتهم وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن موسكو بـ«استخدام الغذاء كسلاح في أوكرانيا» عبر «إعاقة عمل موانئ البحر الأسود».
في المقابل، رفض السفير الروسي لدى الأمم المتحدة فاسيلي نبينزيا الاتهامات الغربية لبلاده، معتبراً أن أوكرانيا هي التي تعوق عمل موانئها عبر الألغام التي تنشرها على طول سواحل البحر الأسود وعبر عدم وجود نية لدى كييف للتعاون مع مالكي سفن لتمكين عشرات السفن الأجنبية من العمل. وعشية ذلك، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش روسيا للسماح بتصدير محاصيل الحبوب الأوكرانية.
فوفقاً لأحدث أرقام أصدرتها الأمم المتحدة، فإن 276 مليون شخص في جميع أنحاء العالم يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي. وهو رقم تضاعف في عامين فقط، منذ بداية جائحة كوفيد-19. ولكن اليوم، مع تأثير الصراع في أوكرانيا، من المحتمل جدًا أن يؤثر انعدام الأمن الغذائي الشديد على عدد أكبر من الناس.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية