غزة ـ «القدس العربي»: لم يحدث منذ فترة طويلة أن اجتمع الفلسطينيون على اختلاف انتماءاتهم السياسية والدينية، وأن توحدوا على موقف، كما حصل بعد اغتيال جيش الاحتلال الصحافية شيرين أبو عاقلة مراسلة قناة «الجزيرة» لما لهذه المراسلة من ذكريات راسخة في عقول وقلوب الشباب وكبار السن على حد سواء، لشهرتها مع بدايات انطلاق هذه القناة الإخبارية في تغطية الأحداث التي تعرضت لها القضية الفلسطينية، وأبرزها الهجوم الحربي الكبير ضد الضفة عام 2002 خاصة وأن استهداف هذه الصحافية المشهورة بالنيران الحية المباشرة مكن الفلسطينيين من إظهار حقيقة جيش الاحتلال الذي ينفذ يوميا عمليات إعدام ميدانية للفلسطينيين على الحواجز وفي مناطق التماس.
فمنذ أن خرج الفلسطينيون موحدين رفضا لـ «صفة القرن» التي طرحها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عام 2019 والتي احتوت على خطط تنزع حقوق الفلسطينيين بالعودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة لصالح دولة الاحتلال، لم تشهد المناطق الفلسطينية فعاليات أجمع عليها الكل الفلسطيني، كما حدث في وداع شيرين أبو عاقلة.
فعلى غرار المسيرات الجماهيرية التي شاركت فيها كل التنظيمات الفلسطينية وفي مقدمتها فتح وحماس رفضا لـ«صفقة القرن» خرج الفلسطينيون من كل مناطق الضفة في وداع شيرين، من منطقة استشهادها في مخيم جنين شمال الضفة الأربعاء قبل الماضي، حتى وصل جثمانها في اليوم الثاني لمدينة رام الله، حظيت هذه الصحافية بوداع شعبي ورسمي. ففي البلدات الفلسطينية شمال الضفة التي مر بها الجثمان، أغلق السكان منازلهم ووقفوا على الشارع الرئيسي يودعونها، إلى أن وصل إلى مقر الرئاسة حيث أقيمت لها جنازة رسمية، شارك فيها مسؤولون رسميون ورجال دين من مسلمين ومسيحيين، وممثلو قطاعات مجتمعية وتنظيمية مختلفة.
وفي القدس حيث ووري جثمان أبو عاقلة الثرى يوم الجمعة قبل الماضية، تجسدت كل معاني الوحدة الوطنية في المسيرة الجماهيرية الحاشدة التي أغلق بها المشاركون بسبب عددهم الكبير، شوارع المدينة المحتلة، منذ لحظة خروجهم من المشفى حتى المقبرة، متحدين آلة الاحتلال العسكرية والجنود المدججين بالسلاح، الذين انهالوا على المشاركين بالضرب وإطلاق الرصاص، في مشهد نقلته القنوات الإخبارية التي غطت الجنازة مباشرة على الهواء، وتناقله نشطاء مواقع التواصل، ليصل إلى العالم.
ولم يكن المشهد الذي تجسد في الضفة الغربية بعيدا عن قطاع غزة، ففاجعة الفلسطينيين في استشهاد شيرين، أجبرت الكل الفلسطيني على ترك الخلافات جانبا والوقوف بشكل موحد، رفضا لممارسات الاحتلال.
واستهل الغزيون صبيحة يوم الفاجعة، بوقفة نظمتها نقابة الصحافيين أمام مكتب قناة «الجزيرة» شارك فيها الصحافيون ورجال الدين والسياسيون، الذين نددوا بالجريمة، ورفعوا صورا لشيرين صاحبة الوجه المبتسم، ليتلوا ذلك سلسلة من الفعاليات، تمثلت في بيت عزاء أقيم في مقر القناة، زاره ممثلو الفصائل والنقابات والعشائر ومؤسسات المجتمع المدني.
وفي غزة التي لم يتمكن سكانها بفعل الحصار من الخروج إلى رام الله أو القدس للمشاركة في تشييع الجثمان، نظمت جنازة رمزية، شاركت فيها كل القوى وأهالي الأسرى، انطلقت من مقر الصليب الأحمر إلى مقر الأمم المتحدة، ونظم لهذه الصحافية في غزة أيضا حفل تأبين، كما علقت صورا كبيرة لشيرين أبو عاقلة، على الطرق والمفترقات الرئيسية، وأخرى وضعها مواطنون في منازلهم، وآخرون اختاروا اسمها واسم جنين المنطقة التي استشهدت فيها لإطلاقها على مواليدهم الجدد، تيمنا بها.
ويعلم الفلسطينيون أن الاحتلال أراد من وراء هذه الحادثة الدموية باستهداف شيرين أبو عاقلة وزملائها الصحافيين، أن يحجب الحقيقة، ويمنع فضح ممارساته القمعية والعدوانية ضد الفلسطينيين، وذلك بإخافة الصحافيين من الاقتراب من أماكن هجماته العسكرية ضد المناطق الفلسطينية وتحديدا مخيم جنين، وقد دلل على ذلك بمعاودة مهاجمة المخيم في اليوم الذي ووري به جثمان شيرين الثرى، ليوقع هناك شهيدا أعدم بدم بارد وهو شقيق الأسير زكريا الزبيدي، ويعتقل أحد المواطنين بعد استهداف منزله بالصواريخ، ويصيب عددا آخر من المواطنين.
وفي غزة لا يزال الفلسطينيون متأثرون بهذه الحادثة، ولا يزال الكثير منهم يضع صورة شيرين أبو عاقلة، كصورة تعريف له على مواقع التواصل الاجتماعي، وآخرون أطلقوا اسمها على مواليدهم الجدد، فيما لا يزال الكثير يتذكر تغطيتها الإخبارية حين كانت تطل عبر قناة «الجزيرة» وتغطي أحداث عملية «السور الواقي» التي اجتاحت فيها القوات الإسرائيلية كامل مناطق الضفة الغربية، ووقتها لم تكن سوى القنوات الإخبارية هي التي تنقل الأحداث.
إدانات موحدة
والجدير ذكره أن الرئيس محمود عباس منح الشهيدة الصحافية، وسام نجمة القدس، تكريما لها ولدورها الإعلامي المتميز في قناة «الجزيرة» وأكد خلال التكريم إصرار دولة فلسطين على ملاحقة الجناة من قوات الاحتلال الإسرائيلي، مشدداً على ان إسرائيل لن تكون شريكة في أي تحقيق يتعلق باستشهاد الصحافية شيرين أبو عاقلة لأنها مسؤولة عن قتلها.
كما أدانت حركة فتح الجريمة، التي قالت إن الاحتلال ارتكبها «عن سبق إصرار وترصد» وقالت إن هذا الاغتيال الجبان يعد «جريمة حرب مكتملة الأركان هدفها قتل الحقيقة والتغطية على جرائم الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني» محملة الحكومة الإسرائيلية ورئيسها نفتالي بينيت المسؤولية الكاملة عن هذه الجريمة البشعة، لافتة إلى أن الصحافية أبو عاقلة كانت ترتدي ملابس الصحافيين وشعارهم بكل وضوح، ولم تكن تمثل أي خطر على جنود الاحتلال، مؤكدة ان هذه الجريمة لن تمر من دون حساب، وحملت في ذات الوقت المجتمع الدولي الذي وصفته بـ «المنافق» المسؤولية كونه «لا يحاكم الأمور بمعيار وميزان واحد» مشيرة إلى أن الصمت الدولي عن جرائم دولة الاحتلال «هو الذي شجع ويشجع إسرائيل على مواصلة ارتكاب جرائمها بحق الشعب الفلسطيني».
وأكدت حركة حماس أن اغتيال شيرين أبو عاقلة يعد «جريمة قتل متعمّدة» وقالت إنها «لن تحجب حقيقة إرهاب الاحتلال ووحشيته» وقالت في بيان لها «هذه الجريمة البشعة ضد الصحافة والكلمة الحرّة تضع العالم والمؤسسات الدولية كافة أمام مسؤولياتها في إدانة هذه الجريمة، ومحاسبة قيادات الاحتلال التي تجاوزت كل القيم، وتعدّت على الأعراف والقوانين الدولية كافة».
كما أدانت حركة الجهاد الإسلامي بأشد العبارات جريمة «إعدام» الصحافية شيرين أبو عاقلة، وقالت إن استهداف الإعلام والاعتداء على الصحافيين يعد «نهجا ثابتا في سياسة الاحتلال والشواهد على ذلك عديدة».
ومع حالة الوحدة الفلسطينية التي تجسدت في الميدان، تعاطفا مع الصحافية أبو عاقلة، دعا رئيس حركة حماس في الخارج خالد مشعل إلى تتويج وحدة الشعب الفلسطيني إلى «وحدة سياسية» وقال في تصريحات صحافية «طالما توحدنا في الميدان بقيت الوحدة السياسية، وقد نجحنا في الميدان، وعلينا أن نتوجه إلى نجاح سياسي وقيادي».
هذا وقد لاقت عملية استشهاد أبو عاقلة خلال التغطية الإخبارية، تنديدا واسعا من قبل مراكز حقوق الإنسان، التي وصفت ما حدث بعملية «إعدام» وطالبت بتحقيق دولي في جرائم إسرائيل، التي لا تحترم الاتفاقيات والمعاهدات الدولية.
وقال المركز الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، إن تحقيقاته تشير إلى أن الصحافية أبو عاقلة قُتلت برصاصة إسرائيلية أصابتها أسفل أذنها في المنطقة غير المحمية من الخوذة التي كانت ترتديها، حسب إفادات حصل عليها من شهود عيان.
وأشار المركز إلى أنّ طبيعة إصابة أبو عاقلة تشير إلى أنّ الجيش الإسرائيلي أصابها في منطقة قاتلة على نحو يبدو متعمدًا، إذ استمر جنود الجيش بإطلاق النار على كل من يحاول الاقتراب منها ما أعاق عملية إسعافها عدة دقائق. ودعا المرصد إلى فتح تحقيق دولي مستقل في حادثة مقتل الصحافية أبو عاقلة، بما يُفضي إلى محاسبة المتورطين فيها، ووضع حد للاستهداف الإسرائيلي الممنهج للعمل الصحافي في الأراضي الفلسطينية.
كما حملت نقابة الصحافيين الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن «الجريمة البشعة بحق حريّة الصحافة» وأكدت أن جريمة الاحتلال التي استهدفت الزميلة أبو عاقلة تعد «عملا مقصودا ومدبرا وعملية اغتيال حقيقة كاملة الأركان» وأكدت المضي في إجراءاتها في ملاحقة قادة الاحتلال على جريمة الاغتيال أمام المحاكم الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، مطالبة المنظمات الدولية والأمم المتحدة بوقفة جادة تجاه هذه الجريمة البشعة.
وأدانت أيضا شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، الحادثة، ودعت إلى تضافر كافة الجهود من أجل محاكمة دولة الاحتلال على جرائمها بحق الصحافيين الفلسطينيين، وشددت على أن استشهاد الصحافية شيرين أبو عاقلة، تمثل «لحظة فاصلة لمحاكمة الاحتلال وحماية الصحافيين» وأضافت «العالم الذي احتفل قبل أيام باليوم العالمي لحرية الصحافة مطالب اليوم بإسماع صوته انتصارا للضمير الإنساني والقيم والمبادئ الأخلاقية من أجل القيام بواجبه تجاه ما يجري من جرائم».