كان ـ «القدس العربي»: عشق وألم وغضب وتبتل وجنون وفيض من المشاعر المتضاربة، تلك هي بعض الأحاسيس التي تعصف بنا عند مشاهدة فيلم «زوجة تشايكوفسكي» للمخرج الروسي كيريل سيريبرينيكوف، المشارك في المسابقة الرسمية في مهرجان كان في دورته الخامسة والسبعين (17 إلى 28 أيار/مايو الجاري).
بعد نحو نصف قرن من فيلم «عاشقا الموسيقى» للمخرج البريطاني كين راسل عن العلاقة التي تقطر ألما وحزنا وجنونا بين المؤلف الموسيقي بيتر إليتش تشايكوفسكي وزوجته، يقدم لنا سيريبرينيكوف رؤيته لتلك العلاقة المحمومة، وكما يوضح عنوان الفيلم، نرى الأحداث من وجهة نظر أنتونينا، زوجة تشايكوفسي. نراها في الفيلم عاشقة ولهانة متبتلة، نراها متذللة متألمة، نراها غاضبة يائسة حزينة، نراها محرومة من الحب من الرجل الوحيد الذي أحبته وكرست ذاتها لها. قد نغضب منها أو نرثي لحالها، ولكننا في نهاية المطاف نتعاطف مع ضعفها وألمها ومع عشقها الذي بات محور حياتها.
قلب الفيلم وجوهره هو الأداء المفعم بالصدق والمشاعر الجياشة لأليونا ميخالوفا في دور أنتونينا، تلك الشابة التي عشقت الموسيقار الذي يكبرها بالعديد من الأعوام، والتي بذلت الغالي والنفيس من الحب والجهد والمال لتصبح زوجة ذلك المؤلف الموسيقي الذي عشقت موسيقاه والذي عرفته وهي تدرس الموسيقى في موسكو.
منذ أن رأته في معهد الموسيقى في موسكو، يصبح تشايكوفسكي هو الشغل الشاغل لأنتونينا، ترسل له رسائل العشق والغرام، وتتوسل إليه أن يقبل أن تكون زوجته. نراها ساجدة متوسلة، طارحة نفسها أرضا أمام الكنيسة في موسكو، ربما يستجاب دعاؤها ويقبل تشايكوفسكي الزواج منها.
عندما نرى تشايكوفسكي، الذي يلعب دوره أودين بيرون، للمرة الأولى في الفيلم، نرى رجلا لا يعنيه إلا إبداعه الموسيقي، رجل بعيد كل البعد ومنفصل كل الانفصال عن المشاعر الجياشة التي تحملها أنتونينا له. نراه مستاء غاضبا مستعليا من إقبالها عليه، ونرى حرجه وانزعاجه من رغبتها الملحة في الزواج منه، التي أوضحتها في العديد من الرسائل التي أرسلتها له.
ولكن تشايكوفسكي يرضخ في نهاية المطاف لرغبتها الملحة للزواج منه، ليس حبا فيها ولكن لأن المهر الذي ستقدمه أسرته له بعد الزواج منها سيمكنه من التخلص من بعض ديونه ومن تكريس جهوده للأوبرا الجديدة التي يعكف على تأليفها. كما أن الزواج منها سيسكت الشائعات عن ميوله الجنسية المثلية، التي لا يقبلها مجتمعه. يخبرها صراحة أنها إذا كانت تبحث عن الحب والعشق، فإنه لن يستطيع تقديمه لها، ولكنها إن كانت تبحث عن الهدوء والصفاء، فستجده في صحبته «كصديق وأخ لها».
تسمع أنتونينا كلماته ولكنها لا تعي معناها. كل ما كان يعنيها في حينها هو أنها أخيرا بعد صلوات ودعوات ورجاء وانتظار سيتحقق حلمها وتصبح زوجة تشايكوفسكي. بعد حفل زفاف تصفه أخت أنتونينا بأنه «يشبه الجنازة»، تبدأ أنتونينا في اكتشاف ألا مكان لها في حياة زوجها، وأن كل رغباتها كزوجة وكامرأة عاشقة لا تعني شيئا لتشايكوفسكي، الذي يكرس جل جهده وعاطفته لفنه وللموسيقى. تحاول أنتونينا جاهدة أن تحصل على حب تشايكوفسكي أو على بعض وقته أو أن تجعله يظهر بعض الرغبة إزاءها كزوجة، ولكن تشايكوفسكي لا يقدم لها سوى الإهمال والازدراء وفي نهاية المطاف يطلب الطلاق منها، ولكنها ترفض بصرامة الانفصال عنه.
بين رغبات جنسية مكبوتة محمومة وبين غصة في القلب وألم لا ينتهي، وبين رفض تام لتصديق أن تشايكوفسكي لا يرغب في وجودها في حياته بعد الحب الجم الذي تكنه له، تتحول أنتونينا للهستيريا والجنون، ويكتسب الفيلم معها إيقاعا محموما مجنونا. مشاهد من الهذيان لا نعرف ما إذا كانت حدثت في الحقيقة أم هي من خيال أنتونينا المحموم. نرى في بدايات الفيلم الكثير من الفقراء الذين ذهب الفقر والألم بعقلهم يهيمون على وجوههم في الطرقات أو يتجمعون أمام أبواب الكنائس. نجد لاحقا الكثير من أوجه التشابه بين هؤلاء الهائمين على وجههم. وكما يتحول إيقاع الفيلم للهذيان والجنون، تتحول ميخالوفا في أدائها لشخصية أنتونينا، فمن الفتاة الحالمة الرقيقة ذات النظرة المطرقة التي تحلم بزواج حبيبها، تتحول إلى كائن معذب مجنون بنظرات تائهة. نراها تؤدي طقوسا دينية محمومة أحيانا أو نراها تتعذب بخيالاتها الجنسية أحيانا أخرى، ولكنها في جميع الحالات معذبة تدمي لها قلوبنا.