في سنة 2001 شاركتُ، صحبة الأصدقاء الروائي والناقد اللبناني الياس خوري، والروائي والناقد المغربي محمد برادة، والشاعر والروائي اللبناني عباس بيضون، والقاص الفلسطيني محمود شقير؛ في تحكيم «مسابقة الكاتب الشاب» الفلسطيني، التي كانت تنظمها مؤسسة عبد المحسن القطان. تنافس على الجوائز الثلاث، الرواية والشعر والقصة القصيرة، 23 شاعراً وروائياً وقاصاً فلسطينياً، تتراوح أعمارهم بين 23 و30 عاماً؛ فذهبت جائزة الرواية إلى عدنية شلبي، عن «مساس»؛ والشعر إلى خالد عبدالله، عن «إف.إم»؛ وتقاسم جائزة القصة القصيرة ماجد عاطف، عن «الطفو»، ومنير زعرور، عن «عطش الأولياء». لكن اللجنة توافقت، في شبه إجماع، على الإشادة بروايتين متسابقتين: أكرم مسلّم، عن «هواجس الإسكندر»؛ وعاطف أبو سيف، عن «كرة الثلج».
ومنذئذ، تابعت ـ بمزيج من الاهتمام الدراسي، والبهجة الشخصية ـ التطوّر التصاعدي الذي كان يتراكم، في الكيف أوّلاً، ثمّ في الكمّ أيضاً، وفي الشكل والأدوات أسوة بالمحتوى والموضوعات، لدى هذين الروائيين. ورغم المظانّ الكثيرة، والمحقة، التي تُثار عادة لدى الحديث عن جوائز الـ «بوكر» العربية؛ لم يدهشني وصول رواية أبو سيف، «حياة معلقة»، إلى القائمة القصيرة. إلا أنّ الحديث عن أبو سيف، هنا، ليس بمناسبة خبر الـ «بوكر»، وحده، بل قرار السلطات الأمنية الحمساوية منع الرجل من السفر إلى الدار البيضاء، للمشاركة في معرض الكتاب هناك، وحضور المؤتمر الصحافي الذي أعلن اللائحة القصيرة.
لا يكفي ذمّ هذا القرار من خلال صفات أولى لصيقة به، كالغباء والحماقة والتسلط والعنجهية واللاشرعية، فهذه كلها تحصيل حاصل يلمسه كلّ ذي عقل، وتقرّ به شرائح واسعة من المثقفين الفلسطينيين المتعاطفين مع «حماس» أساساً. الجوهري، أكثر، هو مقدار الضحالة الثقافية التي يتمتع بها صاحب قرار منع السفر، ومقدار عجزه ـ سياسياً أوّلاً، ثمّ على مستوى قواعد العلاقات العامة الأبسط تالياً ـ عن فهم الخدمة التي كان سيسديها أبو سيف إلى «حماس» ذاتها لو سُمح له بالسفر: أنظروا، كان من حقّ المتعاطف الحمساوي أن يقول، ها أنّ الكتّاب في القطاع، بل في مخيّم جباليا تحديداً، لا يكتبون بحرّية في ظلّ حكومة «حماس»، فحسب؛ بل يتنافسون على جوائز عربية يُشار إليها بالبنان أيضاً! لكنّ الذي قيل، في المقابل، هو ذاك الذي يتوجب أن يُقال، دون تردد أو غمغمة أو تأتأة: يا للحمق، ويا للغباء، ويا للجهل…!
هذه، مع ذلك، ليست سابقة في تاريخ «حماس»، أو بالأحرى: تاريخ السلطة الفلسطينية، أياً كانت الجهة السياسية الحاكمة، في الضفة الغربية والقطاع على حدّ سواء. قبل سنوات أقدم ضبّاط «حماس» الثقافيون على مصادرة كتاب «قول يا طير: نصوص ودراسة في الحكاية الشعبية الفلسطينية»، للباحثين الفلسطينيين إبراهيم مهوّي وشريف كناعنة (مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2001)؛ الكتاب الجميل في المحتوى، والثمين في القيمة، والفريد في وظائفه الثقافية والأدبية والتراثية. المفارقة أنّ الحمساويين اقتفوا أثر الضباط الثقافيين الفتحاويين، الذين سبق لهم أن صادروا كتاب إدوارد سعيد، «سلام بلا أرض»؛ وبين المفارقات الأشدّ إيلاماً أنّ المواطن الفلسطيني ظلّ قادراً على اقتناء كتاب سعيد، ولكن في مكتبات القدس وحيفا والناصرة وتل أبيب؛ وتلك كانت حاله، أيضاً، مع «قول يا طير…».
والحال أنه إذا كان الرقيب الفتحاوي قد خشي التأثير السياسي المباشر لكتابات سعيد المناهضة لاتفاقيات أوسلو، ثمّ استند في اتخاذ قرار المنع على مزيج من غطرسة عقائدية وانفلات بيروقراطي؛ فإنّ الرقيب الحمساوي خشي التأثير الثقافي المباشر لكتاب يذكّر ـ لأنه في الواقع ليس بحاجة للبرهنة على ـ أنّ الحكاية الفلسطينية الشعبية تخدش الحياء (الكاذب المنافق) بالفعل، ولعلها تنتهك الكثير من المحرّمات (المصطنعة الزائفة). ولا يدفع المرء إلى ضرب كفّ بكفّ، عجباً ونفوراً، إلا رقباء «فتح» الذين صادروا كتاب سعيد بالأمس، وتباكوا بعدئذ على مصادرة «قول يا طير…»، كما يفعلون اليوم في «التضامن» مع أبو سيف!
هذه قرارات تعسفية واستبدادية، خرقاء وبلهاء، لا تُلحق العار بأخلاقيات الحقّ الفلسطيني، وروحية المقاومة الوطنية ضدّ الاحتلال، وصورة الشعب الفلسطيني، فقط؛ بل هي عربدة قبيحة ضدّ الثقافة والإبداع في فلسطين، وتشويه لحقائق الوجود الفلسطيني المعاصر في مختلف تجلياته الإنسانية والحضارية. وليس عجيباً أن تختلف «حماس» مع «فتح» في أيّ أمر، وأن يبقى الرقيب الفتحاوي على وفاق تامّ مع زميله الحمساوي، فهما في الجهل والجزع من الإبداع، سواء وإخوة ورفاق!
صبحي حديدي