قرارات محكمة الصلح فيما يتعلق بشروط إطلاق السراح من المعتقل هي غالباً في أسفل سلم أولويات قرارات الجهاز القضائي. يمكن التقدير بثقة أنه منذ قيام الدولة لم يكن هناك قرار كهذا، الذي أثار عاصفة كبيرة جداً، مثل قرار القاضي تسيون سهراي، أول أمس. فقد قام القاضي بإلغاء إبعاد ثلاثة يهود عن الحرم، الذين ركعوا وقرأوا “اسمع يا إسرائيل” داخل الحرم. وقد رد على هذا القرار خلال ساعتين كل من الحكومة الأردنية ورئيس السلطة الفلسطينية والمتحدث بلسان حماس ورئيس حكومة إسرائيل، وهي قائمة جزئية. صباح أمس، كان هذا هو العنوان الرئيسي في جميع الصحف الفلسطينية.
في نظر أمناء جبل الهيكل، يعد هذا القرار انتصاراً كبيراً واختراقاً آخر للوضع الراهن في الحرم، الذي يمنع صلاة اليهود في المكان. أما الفلسطينيون فيروه دليلاً دامغاً على مؤامرة إسرائيلية لإبعاد المسلمين عن الحرم لتحويله إلى مكان عبادة لليهود. وترى حماس هذه فرصة ذهبية لتكرار الإنجاز الذي حققته في السنة الماضية حول خلق ربط بين قطاع غزة وشرقي القدس. بالنسبة لائتلاف بينيت الهش، فإن قرار الحكم هذا يعد وجع رأس آخر. وبالنسبة للشرطة، يدور الحديث عن تهديد جوهري قبل “يوم القدس” الذي يوافق الأسبوع المقبل.
صباح أمس، تم الشعور بتأثير القرار في الحرم. فالشرطي الذي استقبل الحجاج اليهود وجد نفسه في ضائقة أثناء الإحاطة التي قدمها على باب المغاربة. حتى أول أمس، شملت الإحاطة تحذيراً صريحاً من إجراء الصلاة. صباح أمس، تلعثم الشرطي واختلط عليه الأمر، وطلب مساعدة من زميله. “محظور علينا القيام بأي شيء يترك… بالطبع… كيف يسمون هذا؟”، “محظور علينا أي شيء يخرق النظام العام”، أوضح الشرطي الثاني.
استمر تشوش على الحرم نفسه. ثلاثة زوار على الأقل ركعوا، في حين غض رجال الشرطة النظر. ولكن واحداً آخر فعل ذلك في مكان مكشوف من قبل المسلمين، تم توقيفه وأبعد عن الحرم. في موازاة ذلك، في الزاوية الجنوبية الشرقية المخفية، سمح رجال الشرطة لليهود مرة أخرى بالصلاة بهدوء مثلما اعتادوا على ذلك منذ سنة تقريباً. أمس، كان يتوقع أن تتوجه الشرطة للمحكمة المركزية في محاولة لإلغاء قرار الحكم الذي صدر من أجل أن يعيد إليها إمكانية إبعاد المصلين.
حتى قبل قرار القاضي سهراي، امتلأت الشبكات الاجتماعية بدعوات أمناء الهيكل لمؤيديهم للوصول إلى جبل الهيكل الأحد المقبل، “يوم القدس”. امتلأت الشبكات الاجتماعية العربية بدعوات للقدوم من أجل “حماية المسجد الأقصى” من الغزاة. هذا القرار صب الزيت على النار، والطرفان يستخدمان ذلك لحث مؤيديهما على القدوم إلى الحرم. تصعب في الوضع كهذا رؤية كيف لن نجد أنفسنا عالقين مرة أخرى في مواجهة عنيفة في الحرم، مثلما حدث في كل صباح خلال رمضان الماضي، هذا حتى قبل المواجهات التي قد تنشب حول مسيرة الأعلام التي ستجرى في نفس اليوم بعد الظهر.
الوضع الراهن داخل الحرم هو في أساسه منظومة من القواعد غير المكتوبة، التي تتصادم مع القانون الجاف. هذا الوضع وجد وتم الحفاظ عليه من قبل المستوى السياسي منذ العام 1967 لأنه هو الخيار الوحيد لتجنب سفك الدماء ما لم يوجد هناك حل دائم. الصياغة الأكثر بساطة له هو ما اضطر رئيس الحكومة في حينه، بنيامين نتنياهو، إلى قوله، بضغط من أمريكا، في 2015 بعد جولة عنف في الحرم: “جبل الهيكل مكان عبادة للمسلمين ومكان زيارة لغير المسلمين”. ولكن تصريح رئيس الحكومة لا يعتبر قانوناً، لذلك يمكن بالتأكيد تفهم لماذا رفض القاضي سهراي الادعاء بأن الركوع وقراءة “اسمع يا إسرائيل” في مكان مقدس هو مخالفة جنائية. الوضع في الحرم خلق وبحق عبثاً قانونياً وقضائياً.
مع ذلك، يبدو الوضع غير معقول وغير منطقي، بسبب نجاح حملة اليمين التي فصلت الحرم عن سياقه. فالمكان يستخدم كمسجد منذ 400 سنة، وهو البؤرة الدينية والوطنية والرمزية للمسلمين وللفلسطينيين بشكل خاص. ومثلما أن صلاة اليهود في كنيسة القيامة أو صلاة المسلمين في حائط المبكى لن ينظر إليها برضى، فهكذا هي أيضاً صلاة اليهود في المسجد الأقصى. الحرم غير مغروس في فراغ. فهو في شرقي القدس بين الحي الإسلامي وسلوان. في شرقي القدس والضفة الغربية أمور عبثية قانونية أكبر بما لا يقاس من منع الصلاة. فالملايين يعيشون تحت حكم عسكري بدون حقوق، و40 في المئة من سكان القدس ليسوا من مواطني الدولة، على سبيل المثال.
إذا أعدنا الحرم إلى مكانه، داخل مجمل الاحتلال والصراع بين إسرائيل والفلسطينيين، فعندها سنعيد عبثية حظر قراءة “اسمع يا إسرائيل” إلى أبعادها الحقيقية. مع كل الاحترام لحق العبادة لحفنة من اليهود داخل الحرم، إلا أنها لا تفوق حق ملايين الفلسطينيين بالحرية والمساواة ولا تستحق سفك الدماء من أجلها.
بقلم: نير حسون
هآرتس 24/5/2022