«وانطفت»: كوميديا لبنانية تنضح بالسخرية من فساد السلطة

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي»: الحياة في «امبراطورية تاهانا» تحاكي الحياة في مزرعة لبنان. ففي المرّة والحلوة يخلق من الشبه أربعين، ونصيبنا المرّة. أن تتماهى الإمبراطورية مع المزرعة في مسرحية «وانطفت» فهذا حدث واقعي في مسرح يحاكي حياة الناس ويستكشفها ويستقرأ مستقبلها. إذاً هو الرصد والاستشعار أديا إلى نص مزدحم بالتماهيات، والأفكار والنقد، والمكدّس بالسخرية المرّة والكوميديا السوداء.
فقبيل انتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019 بدأت عروض مسرحية «وانطفت» لكنّ الحدث الشعبي الكبير، ومن ثم كورونا أقفلا ستائر المسارح. الأسبوع الماضي أي بعد ثلاث سنوات من العرض الأول عادت «وانطفت» إلى مسرح دوّار الشمس، لنكتشف أن كاتبة النص نور رجب سطرت توقعات مسبقة في حوارها المسرحي الرشيق. فالنص ولد بين سنتي 2018 و2019 وتوقع الأزمات المعيشية والاقتصادية، وتوغّل في فساد السلطتين القضائية والدينية. وعرّج بوضوح على الإيمان الديني التسليمي، وتوقعات العجائب.
استعادة مسرحية «وانطفت» مجدداً إلى المسرح وتقديمها لجمهور اختبر الكثير من الفساد والانحلال السياسي في السنوات التي تلت الانتفاضة، هو فعل إيمان بما يمتلكه المسرح من قدرات التأثير على الجمهور. المسرح هو أحد أشكال الفنون التي أتاحت للناس فرصة التعبير أملاً بالتغيير من خلال فرضية التراكم.
عن «وانطفت» التي امتدت لحوالي الساعة والنصف، فإن أحداثها تدور ضمن ديكور شبيه بالمسرح الكلاسيكي القديم، حيث الشكل الدائري للمكان الذي تدور على خشبته الأحداث. مساحة تضم طاولة طعام، صالون، وخلفه باب يفضي إلى المطبخ، منبر يعتليه رجل دين، خلفه مزار، وباب قد يفضي إلى دورة مياه أو غيرها، وإلى أقصى يمين المسرح ينتصب قوس العدالة ومنبرها. مساحة تميل للون القاتم، سينوغرافيا محتشدة، تتماهى مع نص مُكثّف وغزير التفاصيل.
في اختصار للعرض المسرحي فمحوره «صالح» المتزوجة من «يوسف» بعد طول سنين اختفت اللهفة والشهوة من حياتهما. «كل حب كبير محكوم بالغياب، والميِّت غايب، عذرو مش معو.. توسعت المسافة بين الطرفين.. والنار اللي حرقت كل شي، انطفت بالآخر».
أدت هذا العرض وأخرجته رين صعب، ولعبت دور «صالح» التي استهوتها منذ الطفولة شحوم السيارات وزيزتها، وفك براغي محركاتها.
كان أترابها يلعبون ويلهون، فيما انغمست هي إلى جانب والدها بلعبتها المفضلة.. رحل والدها وحلت مكانه، وصارت «صالح الميكانسياني». تزوجت من «يوسف» الذي مات بشكل مأساوي بعد حريق في منزلهما ربما سببته الشمعة المضاءة ليلاً لعدم توفر الكهرباء 24على 24 ساعة. من رحلة تأبين «يوسف» في الكنيسة إلى رحلة القضاء الذي لا يفوّت حقاً، ويصرّ على تحصيل الحق العام بتلبيس «صالح» الجريمة.
في هذه المراحل نتابع محطات غنية بالنقد الديني، والنقد القضائي، وهما معاً متهمان بالفساد. سلطتان في لبنان ليس لهما صديق إلا المتنفِّعين. تسأل صالح القاضي الباحث عن الحقيقة: «أي حقيقة.. كل واحد فاتح ع حسابو.. الفهيم والبهيم.. واللي قفاه مسطح.. ومبلطح.. كلو مدعوس بالصرماية».
هاتف يهتف للقاضي وهو يضرب بمطرقته ليعلن الحكم باسم الشعب.. يجيب.. يصمت. يقفل الهاتف.. ويتبدل صوت العدالة بلمح البصر.
انصهرت رين صعب بدور «صالح» منحته كل جوارحها وقدراتها. شخصية محورية لم تفارق المسرح طوال العرض. حضرت بصوتها وانفعالاتها وجسدها. ومعها تماهى فريق الممثلين المؤلف من كوهاريغ كيروبيان، وميراي بو خرس، وجوانا تومازو، وعمر بقاعي، وجاد سعد. جميعهم التقوا على نبض مشدود في أداء مشهدية مسرحية تجمع بين التراجيديا والكوميديا. مسرحية تجابه الأحكام المجتمعية المسبقة. تتهكم من سلطات دينية وقضائية فسادها لا يضيرها، بل تفتخر به. توجه السهام إلى مسلمات دينية لدى البعض من الذين لايزالون يؤمنون بالمعجزات. ولا تتوانى عن تهشيم المجتمع اللبناني المزيف والمتعالي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية