الناصرة – “القدس العربي”: رحل ودفن في نهاية الأسبوع الماضي عن عمر يناهز 95 عاما، يعقوب شاريت، نجل رئيس حكومة الاحتلال الأسبق ووزير خارجيته الأول موشيه شاريت، الذي كان قد أدلى بتصريحات نادرة عن نهاية إسرائيل قبل نحو العامين.
في 1988 صدر عنه كتاب حذّر فيه من حالة إسرائيل، وفي حديث موسع لصحيفة “هآرتس” في سبتمبر/أيلول الأخير عبّر شاريت عن مشاعر سلبية وانتقادات حادة تجاه إسرائيل أكد فيها أنها والمشروع الصهيوني ولدا في الخطيئة.
وشدد على أن الخطيئة القديمة ستبقى تلاحق اليهود وتربض على صدورهم. وتابع “نحن نبرر الخطيئة وهي تتحول لهلع وجودي يتجلى في عنف بكافة أشكاله، وهناك عاصفة تحت الماء”.. وعمل يعقوب شاريت جاسوسا إسرائيليا، وصحافيا وكاتبا لقصائد مغناة، وكرّس الكثير من أوقاته لحفظ موروث والده المنسي.
كما كان شاريت من مؤسسي وحدة المقاتلين اليهود في الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية، ومن مؤسسي مستوطنة “حاتسريم” في النقب داخل أراضي 48 وعمل لعدة سنوات وكيلا للمخابرات العامة (الشاباك) مسؤولا عن تعقّب الناشطين الشيوعيين، وبعدها سكرتيرا أولا في السفارة الإسرائيلية في موسكو ومنها طرد بتهمة التجسسّ. وفي عقوده الأخيرة عمل صحافيا ومترجما وأديبا.
وكان جده يعقوب شرتوك قد هاجر من أوكرانيا إلى فلسطين عام 1882 ضمن الهجرة اليهودية عقب المذابح التي ارتكبت بحق اليهود في الامبراطورية الروسية، لكنه ما لبث أن عاد لموطنه. والده موشيه شاريت (الاسم المعروف بشرتوك) في خارسون الأوكرانية ورافق والده يعقوب شرتوك في هجرته الثانية لفلسطين بعد مذابح جديدة بحق اليهود واستقرت العائلة في تل أبيب عام 1908 . وضمن نشاطه الصهيوني شغل موشيه شاريت رئاسة القسم الدبلوماسي في الوكالة اليهودية ووزير الخارجية الأول للاحتلال ورئيس حكومته الثاني. أما يعقوب شاريت فولد في1927 وتعلم في القدس لدى الفيلسوف اليهودي الراحل يشعياهو لايفوفيتش ثم التحق يالقوات الضاربة التابعة لـ “الهغاناه”(البلماح) ثم انتقل للوحدة اليهودية في الجيش البريطاني لكن عندما استعدت للمشاركة بالقتال انتهت الحرب العالمية الثانية. بعد عودته للبلاد شارك في تأسيس مستوطنة في النقب قبل أن يلتحق بجهاز المخابرات ضمن وظيفة تعقب وتنصت على الناشطين الشيوعيين في البلاد، سافر بعدها للولايات المتحدة وبريطانيا لتعلم العلوم السوفييتية.
في عام 1960 التحق بالموساد وعمل جاسوسا إسرائيليا في الاتحاد السوفييتي تحت غطاء دبلوماسي كسكرتير أول في السفارة الإسرائيلية في موسكو التي طردته من البلاد بعدما كان ينشط في تجنيد يهود للهجرة لفلسطين. بعد طرده باشر يعقوب شاريت العمل في الصحافة كمراسل ومحرر في صحيفة “معاريف” في الفترة بين1963 و 1983وخلال هذه المدة اهتم بإصدار مذكرات والده في ثمانية أجزاء تشكل وثيقة تاريخية صهيونية.
دولة محتلة ومنغلقة
في مقابلاته الإعلامية الأخيرة حمل يعقوب شاريت على إسرائيل، ولم يكتف بتوجيه النقد الحاد لسياساتها كدولة محتلة وغيبية ومنغلقة، بل طعن بشرعية وجودها وتنبأ لها بمستقبل أسود، وقال إنه يناهض الصهيونية ويعارض الهجرة لها بل يشّجع الهجرة منها، وإنها قد ولدت في الخطيئة، معربا عن قلقه على من تبقى من أحفاده فيها.
وتتمثل أهمية مثل هذه التصريحات ليس بحدتها ووضوحها وندرتها فحسب، بل بكونها تنّم عن مثقف يهودي إسرائيلي بارز وعن أحد أبناء عائلة تعتبر من لبّ الحركة الصهيونية.
يعقوب شاريت سليل عائلة صهيونية بارزة أكد في مقدمة الحديث المذكور لصحيفة “هآرتس” أكد أنه مؤمن بما يقوله ويعيه جيدا منوها لصفاء ذهنه رغم تقدمه بالسن، أما “هآرتس” فقالت إنه لا يشعر بالحاجة إلى انتقاء كلماته لأنه حاد وحاسم ودقيق، ويريد أن يرسل للقراء رسالة يصعب استيعابها”.
وقالت “هآرتس” إن ابن الرجل الذي وقعّ “وثيقة استقلال إسرائيل” عام 1948 ينهي أيامه كمناهض للصهيونية ويعارض الهجرة إلى إسرائيل، ويشجع على الهجرة منها، ويتنبأ بأيام مظلمة لها حتى أنه يدعم البرنامج النووي الإيراني، مؤكدا أن إسرائيل والمشروع الصهيوني ولدا في الخطيئة، ويضيف “بلغت عمري بسلام. من الناحية المالية وضعي معقول، لكنني أخشى على مستقبل ومصير أحفادي وأحفاد أحفادي” .
وقال شاريت إنه يرى بنفسه “متعاونا رغماً عنه مع دولة إجرامية”. كما قال إنه هنا وليس لديه مكان يذهب إليه بسبب عمره، وهذا يزعجه وأن هذا الاعتراف يرافقه كل يوم ولن يتركه، الاعتراف بأن إسرائيل في النهاية دولة تحتل وتسيء إلى شعب آخر.
وأوضحت “هآرتس” أن عائلة شاريت – تتكون من يعقوب وزوجته رينا مع أطفالهما الثلاثة وخمسة أحفاد وثمانية من أبناء أحفادهم – انتقلوا بالفعل إلى الخارج إلى نيويورك.
الأحفاد في نيويورك
أما موشيه شاريت والد يعقوب فقد ولد في أوكرانيا ثم عاد مع الجد وعائلته إلى فلسطين في عام 1906، في أعقاب حدوث المزيد من المذابح واستقر فيها هذه المرة بشكل دائم.
وردا على سؤال يقول إن والده هاجر لأن والده هاجر إلى فلسطين وليس لأنه أراد ذلك لنفسه بخلاف مهاجري الهجرة الصهيونية الثانية.
ويستذكر يعقوب إن والده موشيه شاريت كان يقول إنهم لم يأتوا ليطردوا العرب من البلاد بل ليعيشوا معهم. ويضيف “كان والدي يعتقد أنه سيكون هناك متسع للجميع” .
وتقول “هآرتس” إن الابن وافق على أن الإسرائيليين اليوم يرون والده بازدراء وكأنه “يساري” وربما حتى “كاره لإسرائيل” ، مستذكرة مناصبه ومساهماته الكبيرة للصهيونية وفي التخطيط الاستراتيجي لإسرائيل وبنائها وتوليه على الفور منصب وزير خارجيتها قبل أن يحل محل بن غوريون كرئيس للوزراء لفترة قصيرة.
من الصعب التشكيك في صهيونية والدك وحبه للأرض، اليوم لديه أحفاد في نيويورك. كيف سيشعر إذا علم بذلك؟
على هذا السؤال كان قد أجاب يعقوب شرتوك بالقول “من المستحيل اعتبار “مغادرة إسرائيل” لعنة. يكاد لا يوجد إسرائيليون ليس لديهم أقارب في الخارج. أنا سعيد لأن لديّ حفيدات وأبناء أحفاد في نيويورك. لا أخجل من قول ذلك. يعيش أكثر من مليون إسرائيلي في الخارج. وبمرور الأجيال يتبخر الالتزام الأيديولوجي الصهيوني” .
يفهم الناس أن هناك أماكن أفضل ليربوا أطفالهم ويعيشوا فيها. في كل مكان هناك مشاكل، الحياة نفسها مشكلة، لكن إسرائيل لديها مشاكل وجودية، ومع ذلك ألا ينتابك شعور بالضياع؟ وقّع والدك على وثيقة الاستقلال ولم تعد ترى إسرائيل كوطن قومي للشعب اليهودي؟
“إن حياة الشعب اليهودي مأساة. أثبت شعبنا، في مرحلة مبكرة جدًا، أنه ليس مخلصا ولا يعرف كيف يحافظ على الدولة. لذلك، لم يكن له وجود قومي في معظم الأوقات بل وجد كأقلية مضطهدة ومكروهة تعيش من دون منظمة مشرفة ومن دون حكومة خاصة به. ربما كان يدفع الثمن لكنه صمد أمام ذلك. أحد الجينات في حمضنا النووي القومي هو جين “أخرجك من بلدك” الذي بدأ في أيام أبينا إبراهيم. منذ أيام “الهيكل الثاني” لم يعش معظم اليهود في إسرائيل. أسسوا مجتمعًا رائعًا على نهر دجلة وبعد ذلك انتقلوا إلى إسبانيا، حيث أنشأوا ثقافة رائعة لألف عام ، ومن هناك تفرقوا في كل مكان. ثم جاءت المذابح وبعدها الهولوكوست وأدرك الكثيرون أن المشكلة اليهودية” لا يمكن حلها إلا بطريقة إقليمية”.
اندلاع الصراع
ويغرّد يعقوب شاريت بعيدا عن السرب الإسرائيلي ويقول إنه في اللحظة التي دعت فيها الصهيونية اليهود للهجرة إلى فلسطين من أجل إقامة وطن واحد للشعب اليهودي، دولة ذات سيادة نشب الصراع”.
ويطعن يعقوب شاريت في فكرة الصهيونية ويقول إنها تعني القدوم إلى مكان يوجد فيه أناس أفراد من شعب آخر مختلف تماما، ينتمون لدين آخر.
ويتساءل بلهجة لا تخلو من السخرية هل رأيت في أي مكان في العالم توافق فيها الأغلبية على الاستسلام لغزو أجنبي؟ ويتابع “تم ذلك بزعم أن أجدادنا كانوا هنا لتبرير دخول الأرض والسيطرة. كان الصراع متأصلًا وتم تجاهله حيث تغيرت نسبة اليهود إلى العرب لصالح اليهود”. ويتساءل مجددا من سيوافق على مثل هذا الشيء؟ على أن يتحول من أغلبية إلى أقلية؟
ويتابع ترسيم ملامح ما جرى “هكذا بدأ الصراع العنيف، أعمال الشغب في 1920 ، 1921 ، 1929 ، 1936-1939 ، والحرب وحرب أخرى وأخرى وأخرى. يقول الكثيرون أننا “نستحق” الأرض لأن العرب كان بإمكانهم قبولنا حيثما كنا ومن ثم سيكون كل شيء على ما يرام لكنهم بدأوا الحرب فليس لهم ان يتذمروا.”
ويشدد يعقوب شاريت على أنه يرى في تحول الأغلبية العربية إلى أقلية والأقلية اليهودية إلى أغلبية أمرا غير أخلاقي” .
اليهود الشرقيون
ويقول إنه لفترة معينة كان هناك أمل كبير في أن شيئًا جديدًا قد تم إنشاؤه هنا وأنه كان جزءا من ذلك، لكن الآن اختفت الصهيونية من وجهة نظري. واختفت كل الوعود التي قطعناها على أنفسنا. لست مرتاحًا لهذا. أجندتنا الوطنية هي الدم والموت والعنف. هذا العلم الذي يرفرف حتى اليوم في بلدنا بمثابة حلم. إسرائيل تعيش على حد السيف وتشحذه. أنا بعيد تماما عن هذا”.
وردا على سؤال عن الخطأ الذي حدث في الطريق يقول إن محرقة هتلر، والإبادة الروحية الجماعية التي ارتكبها ستالين في الاتحاد السوفييتي غيرتا تمامًا… البنية والتركيب الديمغرافي لإسرائيل”.
في إشارة لعدم وصول ما يكفي من اليهود الغربيين يقول إنه فقط بعد أن تبين أن أولئك الذين كان من المفترض أن يأتوا لم يعودوا موجودين جاء يهود آخرون. ويضيف “أنا لا استبعدهم ومن منظور يهودي هم يهود مثلي ومثلك لكن خلفيتهم مختلفة. نشأوا في بلاد إسلامية وينحدرون من خلفيات دينية وعشائرية ومجتمعات أبوية. جاء أشخاص من هذا القبيل بعد ذلك إلى البلاد وهذا غير الوضع وما زال يسبب مشاكل واضطرابات حتى يومنا هذا” .
هل تفضل أن ترى إسرائيل أشكنازية ، علمانية وليبرالية مثلك؟
“أتحدث بصراحة لأنه ليس لدي ما أخفيه. كلما كان المجتمع أكثر تجانسًا كان أكثر صحة. أشعر بخيبة أمل من مصير الشعب اليهودي الذي قسمنا إلى قبائل. كما أنني أشعر بخيبة أمل من طبيعة الدولة. عندما أرى رئيس الوزراء في إسرائيل يعتمر القبعة الدينية( كيباه) على رأسه لا أشعر أنني بحالة جيدة. هذه ليست إسرائيل التي أريد أن أراها”.
حدث مزدوج الدلالة
ويرى الباحث في الشؤون الإسرائيلية انطوان شلحت أن وفاة يعقوب شاريت بعد أربعة أيام من إحياء الذكرى الـ 74 للنكبة الفلسطينية، تشكّل حدثًا ذا دلالة ثنائية، فالمُتوَفَّى لم يقف، في آخر عقود حياته، عند آثار النكبة التدميرية على الشعب الفلسطيني فحسب، إنما أيضا رأى تبعاتها السوداء، سواء بالنسبة إلى إسرائيل وسكانها اليهود في العالم، أو بالنسبة إلى مستقبلهم. ويستذكر شلحت حديثه المذكور لصحيفة “هآرتس” ويقول إن الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي تفجرّت في كانون الأول/ ديسمبر1987 تركت بصمة واضحة على شاريت، كما على قطاعاتٍ أخرى في المجتمع الإسرائيلي، بالرغم من أنها تلاشت رويدًا رويدًا بعد ما تسمّى “عملية السلام”التي أفضت إليها، لأسبابٍ قد يطول شرحها.
ويتابع” فبعد هذه الانتفاضة، أصدر شاريت كتابًا بعنوان “دولة إسرائيل من إنتاج ألتنويلاند لم تعد قائمة”، تنبّأ فيه بقرب موت المشروع الصهيوني، بسبب اعتماده المُطلق على الاحتلال والقمع”.
ويؤكد شلحت إن ما صدر عن شاريت، منذ ذلك الوقت، يشكّل، في التحصيل النهائي، ممارسةً ثقافية خارج مجال الخضوع للسياسة الإسرائيلية والإذعان للسردية الصهيونية. ويضيف”هي ممارسة تتخذ لديه كما بين أمثاله منحيين متصلين: الأول، منحى قراءة الواقع الفلسطيني عبر رؤية مُتبصرة ووعي إزاء حقائق ترجع صدقيتها الأساس إلى أنها قائمة فعلًا. والثاني، منحى إعادة استقراء تاريخ الحركة الصهيونية منذ تأسيسها وما زرعته من بذور سوءٍ تُعدّ مرجعًا ومتكأ لفهم التاريخ المعاصر، وللإطلالة على المستقبل، انطلاقًا من أن ما يحدُث مشدودٌ بكل قوّة إلى الماضي الذي لا يُعدّ، بحال من الأحوال، مجرّد ذكرى أو عبرة من تاريخٍ بعيد، إنما هو استمرار يتظاهر في الحاضر. وأي تراخٍ في هذا الشدّ إلى ذلك الماضي يجعل التاريخ يستنقع في حركيّة راكدة”.
حق العودة
غير أن أهم ما ترتّب على المنحى الثاني برأي شلحت هو إعادة التفكير بـ”فكرة إسرائيل” عن طريق دحض رأي شائع يقول إنّ مشكلات الحركة الصهيونية بدأت مع الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية في 1967، بموازاة توكيد الطابع الكولونيالي الإحلالي لهذه الحركة، وأنها وُلدت من رحمه، وبقي ملازمًا لها مثل ظلّها الذي يستحيل الافتراق عنه، وهذا هو ما تعيد إثباته يومًا، يومًا.
ويستذكر أنه في مناسبة الذكرى الـ70 للنكبة عام 2018، استعاد شاريت، ضمن مقال رأي في “هآرتس”، قضية تشريد اللاجئين الفلسطينيين مُلمّحًا، بصريح العبارة، إلى أنه لا يجوز تغييب حق العودة لدى الحديث عن حلّها، حيث كتب أن ما حدث عام 1948 ليس في وسعه أن يجعل كل فلسطيني اقتلع من أرضه وشُرّد عنها أو هرب منها مؤقتًا، يسلّم بوضعه وبمكان سكنه الجديد، مثلما كانت حال أي لاجئين آخرين في التاريخ الحديث، على غرار اللاجئين من السويد وألمانيا والهند وبولندا وباكستان وغيرها.