كان ـ «القدس العربي» :بعد خمس سنوات من فيلمه «المربع» الذي فاز بالسعفة الذهبية عام 2017، عاد السويدي روبين أوستلاند إلى مهرجان كان (17 إلى 28 مايو أيار الجاري) ليتوج فيلمه «مثلث الحزن» بالسعفة الذهبية لهذا العام، ولينضم أوستلاند لنخبة من المخرجين الذين فازوا بالجائزة المرموقة مرتين، مثل الأخوين داردن وكين لوتش.
كنا نتوقع من لجنة تحكيم يرأسها فانسان لاندون، الممثل اليساري الملتزم المهموم بقضايا العمال والعاملين في العديد من أعماله، أن ينحاز لعمل سياسي بامتياز، لاذع في انتقاده للأثرياء، وهذا تحديدا ما قدمه أوستلاند في «مثلث الحزن». منحت لجنة التحكيم أرفع جوائز المهرجان لفيلم يهزأ من كبار الأثرياء المتحكمين في مصائر البشر، ليرينا أن هؤلاء المتنعمين بأموالهم والمتحصنين بثرواتهم إن فقدوا مالهم لأصبحوا عالة على المجتمع، فلا مهارة لهم ولا قدرة على التعامل مع معترك الحياة.
في نهاية دورة حافلة، حصل على السعفة فيلم يتعامل مع قضايا تعبر عن روح عصرنا الحال، مثل هؤلاء ممن يطلق عليهم اسم «الإنفلونسر» أو المؤثرين على شبكات التواصل الاجتماعي، والذين يحققون ثراء فاحشا لا لمنفعة يقدمونها للعالم بل لمجرد حصولهم على إعجاب الملايين المتابعين.

في «المربع» قدّم أوستلاند رؤية ساخرة لاذعة الانتقاد للنخبة الثقافية في بلاده السويد، ولعالم الفن التشكيلي فيها. وفي فيلمه الجديد «مثلت الحزن» يواصل أوستلاند سخريته من الصفوة المادية والاقتصادية في العالم، من هؤلاء الذين يمضون أيامهم في ترف على متن اليخوت الفاخرة.
كنا ننتظر من أوستلاند فيلما على القدر نفسه من الذكاء والسخرية اللاذعة والحبكة المتماسكة التي شاهدناها في «المربع» أو على الأقل كنا نتوقع من أوستلاند الإجادة والقوة نفسها والتماسك نفسه الذي شاهدناه في فيلميه «المربع» و»قوة قهرية». لكن الفيلم جاء باهتا مكررا، مع بعض ومضات الذكاء والخفة والسخرية، التي كنا نأمل أن تكون الطابع المميز للفيلم بأسره.
يبدأ الفيلم بصوت مذيع لا نراه يجري حوارا مع عدد من الرجال العارضين لمنتجات العديد من دور الأزياء الكبرى وبعض سلاسل الملابس متوسطة المستوى. ثمة فارق كبير بين أسلوب العارضين في التعامل مع منتجات دور الأزياء الكبرى والمنتجات متوسطة المستوى، فارق يضحكنا بأسلوب أوستلاند الساخر المعتاد، من النظرة المتعالية المادية التي تهيمن على المجتمع. إثر ذلك ينتقل التركيز إلى أحد العارضين، وهو كارل وصديقته، وهي أيضا عارضة ونجمة من نجوم إنستغرام، لديها ملايين المتابعين، وتحصل على أموال طائلة مقابل الترويج لبعض المنتجات عبر صفحتها. ينشب خلاف بين كارل ويايا في أحد المطاعم الأنيقة، ويدور نقاش ذكي حاذق بين الاثنين، يتسم بسخرية أوستلاند المعهودة من النسويات وتعاملهن مع المال والرجال.
يسقط أوستلاند في «مثلث الحزن» في فخ المباشرة والتوعوية الأخلاقية، لكننا لا يمكن أن ننكر حس السخرية اللاذع لديه، الذي نرى منه ومضاته، التي تجعلنا نضج بالضحك ونتناسى ما في الفيلم من سقطات.
في تلك المرحلة من الفيلم كنا نتوقع أن أوستلاند يمهد لنا الطريق لفيلم يصوب انتقاده إلى عالم الأزياء والعارضين ومؤثري الإنستغرام، وليته كان قد اكتفى بالتركيز على هذا العالم، مثلما ركز على عالم الصفوة الثقافية في «المربع». لكن أوستلاند يقرر أن ينقلنا إلى مرحلة جديدة في الفيلم تدور على متن سفينة رحلات فاخرة تجوب البحار، وعلى متنها مجموعة من كبار الأثرياء في العالم.
تقل السفينة نماذج مختلفة من أثرياء العالم، من بينهم الروسي، الذي جمع ثروة طائلة من بيع روث الحيوان كسماد، وهو فوضوي عالي الصوت يكثر في الشراب. وهناك الإنكليزي الأنيق وزوجته، اللذان يتضح لاحقا أنهما حققا ثراءهما من صناعة القنابل والألغام الأرضية، وهناك أيضا قطب التكنولوجيا الذي جمع ثروته من إنتاج تطبيقات الهاتف المحمول. يقدم أوستلاند إذن نماذج مختلفة ممن يتحكمون في الثروة والسلطة في العالم، ويوضح لنا كيف يتعاملون مع الفقراء، متمثلين في طاقم الضيافة والتنظيف في السفينة. لا يحمل أوستلاند الكثير من الاحترام لهؤلاء الأثرياء، ويسخر من استغلالهم وجشعهم ومظاهرهم الزائفة.

يعري أوستلاند هؤلاء الأثرياء من هالة التمجيد والمهابة التي يحيطون بها أنفسهم محتمين بثرائهم الفاحش، فنراهم حرفيا متمرغين في الأوحال والفضلات والقيء. ويفضح أوستلاند أيضا ديناميكيات التعامل بين الأثرياء والعاملين على السفينة. فطاقم الضيافة على هذا اليخت الفاره يطيع الأثرياء وينفذ رغباتهم، ليس احتراما لهم، إنما للحصول على منافع مادية لخدمتهم. تتحول السفينة إلى صورة مصغرة للعالم بأثريائه الذين يأمرون فيطاعون، والفقراء الذين يحملون في قلوبهم غضبا دفينا من هؤلاء الأغنياء، حنقا يضع قناع الطاعة، وينتظر اللحظة المواتية للانفجار. يضع أوستلاند تلك السفينة تحت إمرة قبطان يساري سكير، يتهرب من قيادة السفينة التي تواجه عاصفة عاتية، كما تواجه صراعا طبقيا بين الركاب وطاقم السفينة.
ربما لو أنهى أوستلاند الفيلم على تلك الخاتمة، على السفينة التي تواجه الغرق، بينما يتصارع أثرياؤها وفقراؤها، لأصبح الفيلم أكثر قوة وتماسكا وألذع سخرية. لكن أوستلاند يصر على أن ينقل الفيلم إلى مرحلة جديدة، فيصبح الفيلم مترهلا ثرثارا ويفقد قدرا كبيرا من زخمه. هذه المرحلة الأخيرة في الفيلم هي الجزيرة، التي تتقطع السبل بركاب السفينة، من أثرياء وعمال، على أرضها بعد غرق يختهم الفاخر. في الجزيرة يؤكد أوستلاند، ربما لحد الملل، ما قاله في الأجزاء السابقة من الفيلم. يصاب الفيلم بالتكرار المعيب، ويفقد روحه الساخرة، ليصبح قصة متوقعة للصراعات بين من حطوا على أرض الجزيرة. تنقلب موازين القوة على الجزيرة، فمال الأثرياء لا ينفعهم أمام الافتقار للمهارات اليدوية من صيد وقنص وإيقاد نار، تلك المهارات التي يمتلكها من كانوا يعملون في الطهي والتنظيف على متن اليخت الأنيق. يتحول الفيلم لما يشبه الوعظ أو الدرس الأخلاقي من مخرج اعتدنا منه الذكاء والسخرية في إيصال رسالته.
يسقط أوستلاند في «مثلث الحزن» في فخ المباشرة والتوعوية الأخلاقية، لكننا لا يمكن أن ننكر حس السخرية اللاذع لديه، الذي نرى منه ومضاته، التي تجعلنا نضج بالضحك ونتناسى ما في الفيلم من سقطات.