خيراً فعلت إسرائيل إذ سمحت لمسيرة الأعلام أن تتحقق أمس بصيغتها الدائمة في القدس. الإصرار على ذلك نزع من احتمال تفجر الحدث: من اللحظة التي كان واضحاً فيها أن إسرائيل مصممة ولا تعتزم التراجع أو الانحراف عن طريقها تحت تهديدات الإرهاب أو الضغط السياسي، وضعف كل أولئك بقدر كبير. كما كان متوقعاً، لم تطلق أي منظمة صاروخاً من غزة أو لبنان، لا عند بدء المسيرة ولا في نهايتها. كما أن الضفة أيضاً لم تشتعل، وحتى في شرقي القدس كانت أحداث طفيفة نسبياً. كل من هو خبير في الأمر قدر باحتمالية عالية بأن الوضع سيكون على هذا النحو؛ في أنه لو خرجت الأمور عن السيطرة – وأساساً إذا كان لا سمح الله قتلى في الحرم – ستسير المسيرة، وستنتهي بسلام.
لقد وثقت إسرائيل غير قليل من الجهود كي يحصل هذا. في الجانب السياسي، استخدمت سلسلة من الرافعات على الفلسطينيين في الضفة وغزة. الأمريكيون، المصريون، القطريون، الأردنيون وممثلو الأمم المتحدة – كل من يعرف كيف يسير ويتحدث بين الطرفين، سار وتحدث (بل وحذر من أن إسرائيل سترد بشدة). وساعد هذا على تهدئة الخواطر، خصوصاً حين كانت الرسالة الإسرائيلية حادة وواضحة: المسيرة ستسير، لكن لا شيء يغير الوضع الراهن في القدس.
إلى جانب هذا الجهد السياسي، اتخذت خطوات عديدة للوصول إلى حدث في صيغة قصوى. شرطة إسرائيل تستحق كل الثناء على إدارتها الناجحة لحدث مركب وقابل للتفجر، بدأ في ساعات الصباح الباكر داخل الحرم مع حجيج عدد كبير نسبياً من اليهود إلى الحرم، تواصلت مسيرة الأعلام بعشرات الآلاف من المشاركين، وتضمنت أيضاً غير قليل من المواجهات الموضعية التي افترضت تصرفاً حساساً لمنع التصعيد.
أثبتت الشرطة أنها استخلصت الدروس من أحداث مشابهة في سنوات سابقة، حين اختارت استخدام القوة بعقل، خصوصاً في ظل التخطيط المسبق. كما أن تعاونها مع “الشاباك” كان في أفضل حال، ولا سيما في اعتقال مسبق للمشاغبين المحتملين؛ ونأسف على أن خطوات مشابهة لم تتخذ ضد بضعة محافل من أوساط اليمين المتطرف ممن أصروا أمس على المس بالاحتفال المقدسي. فالاستفزازات التي أثاروها عن قصد كان من شأنها أن تخرب على جهد اجتياز الحدث بسلام.
كما أن الأناشيد التي رافقت بعض المشاركين في المسيرة كانت حادة. فالقدس تستحق في يوم عيدها كلاماً أكثر نجاحاً من “فلتحرق قريتهم” أو “محمد مات”. في مدينة احتفلت أمس بتوحيدها، شددت هذه الأصوات بالذات على الفرقة والفجوة بين طرفيها – الغربي والشرقي. الجماهير الذين لم يشاركوا في ذلك وعموم سكان المدينة يستحقون أكثر من هذا؛ من لا يعالج ذلك منذ الآن، سيحصل على هذه الأطراف بقوة مضاعفة في المسيرة التالية.
لكن الدرس الأساس من مسيرة أمس هو أن إسرائيل لا تحتاج لأن تخجل من تحقيق سيادتها في كل نقطة في البلاد. فالتخلي عن ذلك أخطر بأضعاف لأنه يبث صورة ضعف. وعليه، فعلى إسرائيل أن تصر على ذلك في المستقبل أيضاً، بما في ذلك تجاه التهديدات (بل وتجاه الإرهاب الحقيقي). عليها أن تفعل ذلك بعقل، في ظل البحث عما يجمع، والامتناع عن الاستفزاز الزائد، وأن تتذكر بأن سيكون هناك “يوم تال”، سيواصل فيه الطرفان العيش معاً، في القدس وما وراءها.
بقلم: يوآف ليمور
إسرائيل اليوم 30/5/2022