الأمر لم يبدأ اليوم، ولا يهم ما يفعله اليهود. فالادعاء بأن مسيرة الأعلام هي التي تغيظ المسلمين في العالم أو الفلسطينيين ادعاء سخيف لدرجة أنه من المحزن أن يكون يطلقه الأشخاص المثقفون.
الفلسطينيون يغلون، لكنهم ما كانوا بحاجة لمسيرة يهودية كي يغلوا. والمسلمون في العالم، بخلاف الماضي، بقوا غير مبالين. وباستثناء بيانات شجب من الأردن ومحاولة دائمة من “الجزيرة” لتسخين الأجواء، لم يضج العالم الإسلامي ولم ينفجر.
الموضوع هو أن شيئاً لم يبدأ هذا الأسبوع، ولا قبل سنة، ولا حتى في 1967. يمكن أن نبعد شهادتنا حتى عهد المفتي الحاج أمين الحسيني. كان الحكم إسلامياً. فهل منعه هذا؟ في حينه أيضاً، أي في نهاية العشرينيات من القرن الماضي، نشر فرية “الأقصى في خطر”، التي قال فيها إن اليهود يتآمرون لهدم مساجد الحرم وإقامة الهيكل في مكانها. ونجح هذا.
وإذا ما سرنا أبعد إلى الوراء، سنجد أن القدس كانت إحدى المدن الأكثر إهمالا في العالم الإسلامي. صحيح أنها تعرّف كالمدينة الثالثة في درجة قدسيتها للمسلمين، ولكن كيفما اتفق على مدى مئات السنين لم تكن على رأس فرحتهم. لم تصل إلى هناك إلا عندما طالب اليهود، الذين اضطهدوا في كل مكان، بما في ذلك في العالم الإسلامي، بوطن قومي للشعب اليهودي.
لم يسعوا للسيطرة على المسجد المقدس للمسلمين. ولكن لم تكن حاجة لأي مسيرة قدس لأجل العبث باليهود. عملياً، منذ العام 1847، قبل مئة سنة من قرار التقسيم، كانت فرية دم ضد يهود القدس استمراراً لفرية الدم الأكثر شهرة بكثير، في دمشق 1840.
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كان اليهود أغلبية في القدس. لكنها أغلبية عملياً أقلية مسحوقة ومهانة. “يهود وآخرون كانوا يتعرضون للاعتداء والأذى، بل وقتلوا على أيدي مسلمين محليين وجنود أتراك… كانت هذه الهجمات ترتكب على أمور تافهة”، كتب المؤرخ تودور بربيد. من أنقذ اليهود من فريات الدم والاضطرابات هنا وهناك هم القناصلة الأجانب، وأساساً القنصل البريطاني في القدس، جيمس بين.
تتمة المفتي معروفة، فقد أصبح نازياً بكل معنى الكلمة. هو الذي أوقع الخراب على عرب فلسطين، حين كافح ضد مشروع التقسيم. عندما بقيت القدس القديمة تحت سيطرة إسلامية مطلقة، بين 1949 و1967 عاد الإهمال إليها. لم تكن فيها حرية عبادة. لم يسمح لليهود بالزيارة، وبالتأكيد لم يسمح لهم بالصلاة، وفي أعقاب تحرير القدس عادت المدينة لتكون بؤرة اهتمام.
الموضوع أن الفلسطينيين لم ينسوا شيئاً ولم يتعلموا شيئاً. فالشيخ رائد صلاح يواصل فرية “الأقصى في خطر”. وكتبت لجنة “أور”، لفحص اضطرابات عرب إسرائيل في تشرين الأول 2000م، عن نشر الفرية من جانب صلاح بأنه “لم يكن لها أساس في الواقع”. لكن منذ متى يحتاج اللاساميون إلى الواقع أو إلى الحقائق؟ هم يحتاجون إلى الافتراءات.
الشيخ عكرمة صبري عينه عرفات في 1994 لمنصب مفتي القدس وفلسطين. وواصل الفرية إياها في ظل إطلاق خطب لاسامية. من حل محله في المنصب أيضاً، محمد أحمد حسين، الذي عينه أبو مازن، يطلق نداءات لإبادة اليهود. وهما ينتميان لفتح وليس لحماس.
القاسم المشترك للحسيني وصبري وحسين وصلاح واحد – أنهم جميعاً لاساميون، وينشرون افتراءات عن القدس. لا يشتري الجميع بضاعتهم، لكن لا حاجة للجماهير ولا للأغلبية. الآلاف من أوساط عرب إسرائيل ومن شرقي القدس ممن يتأثرون بهؤلاء المحرضين هم الذين يتصدرون الاضطرابات العنيفة.
ويجدر بنا أن ننتبه – قبل الصهيونية، حتى وعندما دخلت الصهيونية إلى الصورة، قبل قيام إسرائيل وبعدها أيضاً، قبل تحرير القدس في 1967 وبعد ذلك أيضاً – كان دوماً مسلمون انشغلوا بالتحريض وبالاضطرابات ضد اليهود. ولا يزال، ينبغي أن نتذكر بأن هناك مسلمين على جانبي الخط الأخضر، ممن لا يشاركون في الأيديولوجيا اللاسامية والإجرامية للمفتش ولمواصلي دربه. يجب أن يتركز المس على الأقلية المحرضة والمشاغبة، وليس على الأغلبية التي تريد التعليم والرزق.
من الصعب على هذه الخلفية تجاهل مجموعات الزعران اليهود مثل “لا فاميليا” ممن يصلون إلى المسيرة. هم أقلية خطيرة ومؤثرة. ربما لم ينجحوا في مسيرة أول أمس في تحقيق مبتغاهم وإشعال المنطقة، لكنهم لا يزالون هناك وليس واضحاً لماذا لم تكن اعتقالات وقائية. ولا، هذا ليس الأمر ذاته لدى الفلسطينيين – فهؤلاء هم الزعماء الدينيون الذين يروجون لسفك الدماء. أما لدى اليهود فهؤلاء جماعات هامشية.
العالم العربي يجتاز مسيرة صحوة وشفاء من اللاساميين. لا يزال الطريق طويلاً ولكن ينبغي لشيء واحد أن يكون واضحاً للمثقفين، الإسرائيليين على الأقل: لا حاجة لتوجيه إصبع اتهام لإسرائيل والتعزيز بالذات لأولئك الذين يحرضون ضد اليهود. كثيرون في العالم العربي باتوا يفهمون هذا الآن. حان الوقت لأن يفهموه عندنا أيضاً.
يديعوت أحرونوت 31/5/2022