دخلت إسرائيل منذ نهاية آذار 2022 في منظومة إرهابية قتل فيها 19 إسرائيلياً مدنياً. والرد الإسرائيلي يعم أرجاء “يهودا والسامرة”، ولكن الجهود الأساسية تبذل في منطقة جنين، التي خرج منها المخربون لتنفيذ ثلاث عمليات داخل إسرائيل، التي قتل فيها 11 إسرائيلياً. النشاطات في هذه المنطقة رفعت نسبة الاحتكاك، وأدت الجرأة الفلسطينية إلى أحداث إطلاق نار كثيرة، قتل فيها أيضاً جندي من وحدة “اليمام” وأصيب عشرات المواطنين والجنود.
إلى جانب سلسلة نجاحات لعمليات إرهاب قاتلة، قد نحصي أيضاً محاولات كثيرة للطعن والدهس، التي فشلت، وعدد أكبر من العمليات، التي كان جزء سيبدو قاسياً وقاتلاً، وقد تم إحباطها قبل تنفيذها من قبل قوات الأمن الإسرائيلية. لذلك، يجب تحليل الفترة الحالية ليس فقط بالتطرق إلى العمليات الإرهابية التي انتهت بالقتل، بل أيضاً بالتطرق إلى العمليات التي فشلت والتي تم إحباطها. خطورة منظومة الإرهاب التي تواجهها إسرائيل تعكس الحجم المتراكم للعمليات وترجمتها إلى أعمال مقاومة عنيفة، التي تتغذى بشكل فعال على الجهد الإعلامي لحماس، الذي يجري في الشبكات الاجتماعية. في الوقت نفسه، تعكس منظومة الإرهاب نجاح حماس وجهات أخرى (الجناح الشمالي للحركة الإسلامية، حزب التحرير والسلطة الفلسطينية) في تحويل الحرم إلى عامل موحد للتيارات المختلفة في المجتمع الفلسطيني وأجزاء من المجتمع العربي في إسرائيل.
تبين في هذه الفترة أن منطقة جنين تعدّ دفيئة إرهاب وساحة عمل مريحة وحرة بشكل نسبي للجهاد الإسلامي، وهو المنظمة الأكثر نشاطاً في المنطقة. يتراكم في هذه المنطقة تعاون بين الجهاد الإسلامي وتنظيمات أخرى، مع التأكيد على حماس والجبهة الشعبية، وحتى مع كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح. ترسخت روح المقاومة لجنين على مدى السنين وليس كروح محلية فقط، وتحولت المنطقة تحولت رمز للمقاومة العنيفة. تاريخياً، منطقة جنين معروفة كضاحية جغرافية وسياسية واجتماعية واقتصادية، التي كانت سيطرة الحكم المركزي ضعيفة عليها. هكذا كانت الحال في فترة الانتداب، الذي قامت قواته في العام 1936 بتصفية عز الدين القسام في منطقة قرية يعبد، الذي تحول بعد ذلك إلى إلهام ورمز للمقاومة الوطنية في الانتفاضة الثانية، عندها ترسخت صورة جنين كمعقل للمقاومة الفلسطينية، التي تكبد فيها الجيش الإسرائيلي خسائر كبيرة، وكذا في سنوات حكم السلطة الفلسطينية، لا سيما في السنوات الأخيرة.
في السنوات الأخيرة شهدت منطقة جنين، وخصوصاً المدينة نفسها، ازدهاراً اقتصادياً حقيقياً. يستند اقتصاد المدينة إلى قوة شراء عرب إسرائيل الذين يزورون المنطقة بجموعهم. عمال فلسطينيون عملوا في إسرائيل، وترسخ معبر الجلمة عندما ازداد حجم التجارة والأشخاص الذين يمرون منه باستمرار. وإن إقامة الجامعة الأمريكية في جنين التي يتعلم فيها كثير من الطلاب العرب الإسرائيليين سرّعت التطور الاقتصادي للمدينة. وقد بنيت في محيط الجامعة إسكانات للطلاب والأعمال التجارية في الأحياء الجديدة المحيطة بها وكلها تعتمد على الطلبة الذين انتقلوا للسكن هناك. شهدت المدينة زخماً عقارياً واقتصادياً مثيراً للانطباع، لكن الافتراض الذي يربط بين تحسين الوضع الاقتصادي والتشغيلي وبين الدافعية للإرهاب، ثبت بأنه لا يسري على حالة جنين. ورغم الازدهار الاقتصادي ونسبة التشغيل العالية والعلاقة الوثيقة مع عرب إسرائيل والاقتصاد الإسرائيلي، إلا أن جنين بقيت دفيئة نشطة للإرهاب. تستمر روح المقاومة في التأجج في المنطقة، ونجحت في تصدير الإرهاب بحجم كبير، فباتت مصدر إلهام لمناطق أخرى في الضفة الغربية وخارجها، وفي قطاع غزة، بفضل المكانة البارزة للجهاد الإسلامي في المنطقة وعلاقته بالجهاد الإسلامي الذي ينشط في القطاع.
مرت 20 سنة على الانتفاضة الثانية، والكثير من أبناء الجيل الشاب الذين يقودون منظومة الإرهاب من جنين في هذه الفترة، لم يشهدوها، ووعيهم غير مكوي بمشاهدها ونتائجها القاسية على المجتمع الفلسطيني. من جهة أخرى، الشعور بإنجاز الجهاد الإسلامي والتنظيمات الأخرى التي ترعاها حماس أجواء التحريض والجهود الفكرية التي يقودها التنظيم وكل نشاطاته في المنطقة والدعم المتواصل والمتزايد للجهاد الإسلامي (ربما أيضاً الشعور بالإنجاز الذي تبثه إيران في ظل ابتعاد الولايات المتحدة عن المنطقة)، هذا إلى جانب سياسة إسرائيل المتردد والمحتوية والحذرة، كل ذلك يرفع منسوب الدافعية والتصميم للجيل الشباب للانخراط في منظومة الإرهاب ضد إسرائيل. وتندمج في هذه الصورة الواسعة أحداث مثل قتل شيرين أبو عاقلة أثناء مواجهة بين إسرائيل والفلسطينيين، وأعمال الشغب التي اندلعت في جنازتها والتي تبين أنها ضرر حقيقي في الوعي ضد إسرائيل، وطرحت القضية الفلسطينية مجدداً على جدول الأعمال الدولي. فكر المقاومة العنيفة يغذيه الثمن الباهظ للدماء التي حصدتها العمليات، إلى جانب الشعور بالإنجاز على الساحة الدولية، وأيضاً الافتراض بأن إسرائيل ستتردد في العودة والعمل بالصيغة التي عملت بها في الانتفاضة الثانية.
صحيح أن الجهاز الأمني الإسرائيلي اعتبر منطقة جنين منطقة إشكالية، واختار أن يركز فيها جهوداً هجومية أمامها، إلا أنها جهود محددة في جوهرها. النشاطات على شكل عمليات خاصة لاعتقال مطلوبين ومشبوهين هي عمليات مخصصة في معظم الحالات لإحباط عمليات فورية وبناء على معلومات خاصة. نشاطات الجيش في ظل غياب نشاطات شاملة، التي يكون هدفها المس بالبنى التحتية الإرهابية، تسمح للفلسطينيين المسلحين في المنطقة بتنظيم أنفسهم بسهولة نسبية وتركيز جهود وقوة نيران أمام القوات الخاصة الإسرائيلية. إن كل عملية خاصة في هذه الظروف، حتى لو انتهت باعتقال مطلوب أو مشبوه أو قتله، تتحول إلى فصل آخر مقدر في روح المقاومة لجنين، وفي بعض الحالات تلحق خسائر ومصابين في الطرف الإسرائيلي. لا يجب الاستخفاف بأهمية الإحباط المحدد، لكن ليس فيه ما يقوض البنى التحتية الإرهابية في منطقة جنين. والأكثر خطورة من ذلك هو أن النشاطات بهذه الصيغة فقط تؤدي إلى رص الصفوف والشعور بالوحدة في أوساط نشطاء فلسطينيين، وتعمل على تآكل الردع الإسرائيلي. المتحفظون من معركة واسعة يبررون التحفظ بمخاطرة التدهور إلى معركة متعددة الساحات. وحسب تقديرهم، التهديد الذي تشكله منطقة جنين من الصحيح علاجه بصورة محددة، وإن إنجازات أسلوب عمل إسرائيل في منطقة جنين الآن قد تجبي من إسرائيل ثمناً باهظاً جداً على المدى البعيد. الخوف من معركة واسعة في جنين على صيغة “الدرع الواقي”، التي ستجر كل الضفة الغربية إلى داخلها وربما قطاع غزة وجهات دينية وقومية متطرفة من أوساط العرب في إسرائيل، مفهوم لمنظومة الإرهاب في جنين وقيادة حماس في القطاع والخارج. يعتبر هذا الخوف ضعفاً إسرائيلياً ويستدعي الجرأة من جانب الجهات الإرهابية في جنين، واحتكاكاً مبادراً إليه وتبجحاً من جانب قيادة حماس. إضافة إلى ذلك، ينعكس هذا الخوف أيضاً تجاه الفضاء الإقليمي، “حزب الله” وإيران، ويعمل على تآكل ردع إسرائيل.
بسبب ذلك، من الصحيح إعادة فحص السياسة الحالية بخصوص ما يحدث في منطقة جنين وفحص الفائدة الاستراتيجية المحتملة لمعركة أوسع فيها، التي سترسل إليها قوات من الجيش الإسرائيلي بحجم أكبر بكثير، وستعمل أمام جبهات أكثر في المنطقة القروية والحضرية في المدينة. بهذه الصيغة لن يكون في استطاعة المسلحين الفلسطينيين تركيز قوة نيران كبيرة أمام قوات الجيش الإسرائيلي التي ستعمل بصورة موازية في قطاعات مختلفة وفي نطاقات واسعة. لذلك، ثمة احتمالية لتوسع المعركة، لكن ما سيحدث هو أن الجيش الإسرائيلي وقوات الأمن الإسرائيلية قادرون ويجب عليهم إيجاد الرد المناسب والسريع حتى لا تصبح إسرائيل رهينة النضال الذي تقوده حماس. من جهة أخرى، يجب التأكيد على أن ضربة شديدة في جنين حتماً ستخلق ردعاً جوهرياً من توسيع المعركة.
الهدف الاستراتيجي لهذه المعركة الواسعة يجب أن يكون تدمير البنى التحتية الإرهابية في المنطقة وبث قوة رادعة نحوها وخارجها. إضافة إلى ذلك، فإن معركة واسعة في جنين قد تخدم أيضاً المنطق الاستراتيجي أمام قيادة حماس في القطاع وردعها عن التمسك باستراتيجية العمل التي تبنتها منذ عملية “حارس الأسوار”؛ لأن الهدوء النسبي في قطاع غزة مضلل. فالمنطقة جزء مهم جداً في التصعيد الذي سجل مؤخراً في الساحة الإسرائيلية – الفلسطينية. استراتيجية الفصل التي اختارتها قيادة حماس تتميز ببذل الجهود للحفاظ على القطاع هادئاً وتقريباً خارج المعركة النشطة، مقابل تعزيز الجهود في جميع الساحات الأخرى وبذل جهود فكرية مركزة وممنهجة تستند إلى التحريض وإعداد النفوس للمقاومة المسلحة. الحكومة الإسرائيلية من ناحيتها، باسم نظرية الاحتواء والرغبة في عدم جر القطاع إلى المعركة الأساسية التي تجري في الضفة الغربية، قررت عدم جباية ثمن من قيادة حماس في القطاع، وهذه سياسة يعتبرها الفلسطينيون ضعفاً، بل وتشجع الإرهاب.
معركة واسعة وحاسمة ضد البنى التحتية الإرهابية في منطقة جنين ستجبي ثمناً باهظاً من مثيري الإرهاب وستعيد تشكيل قواعد اللعب في الساحة الفلسطينية، وستديرها أطر أكبر من القوات البرية وستحطم صورة الخوف الإسرائيلي من استخدام القوة، وستبث قوة رادعة خارج الفضاء الفلسطيني.
بقلم: كوبي ميخائيل واوري فيرتمان
نظرة عليا 1/6/2022