بضع مئات فقط من الأمتار تفصل بين حي “هشاحر” شرقي ديمونا، والقرية البدوية غير المعترف بها “رأس جرابة”. منذ عشرات السنين يقيم سكان القرية علاقات وطيدة مع الجيران في المدينة التي تقابلهم. كثيرون منهم يعملون في ديمونا، والقرية تحصل من المدينة على خدمات مثل المياه والصحة والبريد. هذه العلاقات القريبة تقف الآن أمام امتحان في ظل نية السلطات توسيع المدينة وبناء حي كبير على أراضي القرية.
رئيس بلدية ديمونا، بني بيطون، عارض طلب سكان القرية الذين يريدون السكن في حي “روتم”، الذي يتوقع أن يشمل 11 ألف وحدة سكنية على مساحة 10 آلاف دونم تقريباً. بسبب هذه المعارضة، قدمت سلطة أراضي إسرائيل في 2019 دعوى لطرد حوالي 550 شخصاً من سكان القرية، معظمهم من قبيلة الهواشلة، وبعضهم من قبيلتي أبو صلب والنصاصرة، بذريعة اقتحام غير قانوني. نحو نصف سكان القرية من الأطفال.
هيئة تسوية استيطان البدو اقترحت على سكان القرية تعويضات عن إخلاء القرية تتمثل بقطع أراض بمساحة نصف دونم في قصر السير وعرعرة في النقب، إضافة إلى تعويض بمبلغ 250 ألف شيكل. التعويض مخصص للعائلات الـ 90 التي تعيش في القرية والتي يستحقها الأشخاص الذين أعمارهم فوق 18 سنة. ولكن في المحادثات مع السكان، تبين أنهم يفضلون بيتهم الجديد في ديمونا.
“طوال حياتنا هنا، ساعدنا أشخاصاً من ديمونا ولنا علاقات جيدة معهم”، قال فريج الهواشلة، وهو من شيوخ رأس جرابة. “لقد وفرنا لهم المياه من البئر والحليب من الأغنام، واشتروا منا السكر والشاي، وحصلوا على كل مساعدة أرادوها. ما الذي حدث الآن حتى يريدوا إسكان أشخاص آخرين على حسابنا؟”. وقد قال أيضاً إن السكان يعيشون في القرية منذ عهد الانتداب البريطاني. “طوال حياتنا قمنا بتربية الأغنام وفلاحة الأرض وزراعة الأشجار. هم يريدون أخذ أراضينا وإهانتنا، ويتوقعون أن نصمت. لكننا كنا هنا وبقينا هنا وسنموت هنا”.
“إذا نقلونا إلى المكان الذي نحن غير معتادين عليه، فستحدث مشكلات. وضعنا الاجتماعي سيتغير. الكثير من البدو الذين هاجروا إلى المدن البدوية تدحرجوا إلى الجريمة”، قال إبراهيم الهواشلة، وهو أحد سكان القرية. “لا توجد هنا جريمة أو عنف أو مخدرات. لن نسمح لهم بتغيير حياتنا وثقافتنا. سنبقى نربي الحيوانات ونكسب الرزق. هذا ما تربينا عليه. نحن بدو أبناء بدو”.
السكان يريدون ضم منطقة في الحي المخطط له، بحيث تسمح لهم بالحفاظ على نمط حياتهم، بما في ذلك زراعة منظمة للذين ما زالوا يربون الأغنام في أوساطهم. الأرض موجودة. نحو 5 آلاف دونم من مساحة الحي الجديد يخطط لأن تصبح مناطق مفتوحة.
“لماذا لا يعطونا قرية زراعية بحيث تكون تابعة لديمونا؟ سندفع ثمن المياه وسندفع “الأرنونا” وسندفع كل شيء”، قال رئيس لجنة القرية موسى الهواشلة. “لا نحتاج أراضي كثيرة. لا يوجد هنا أشخاص كثيرون. يقولون إن هذه أراضي دولة. لا توجد مشكلة، أيضاً نحن من مواطني الدولة. وعليهم أن يجدوا لنا حلاً مناسباً، وأن لا يرمونا على جانب الطريق”.
في نقاشات دعاوى سلطة أراضي إسرائيل لطرد سكان القرية، التي جرت الأسبوع الماضي في محكمة الصلح في بئر السبع، عرض ممثلو جمعيات المساعدة للسكان صوراً جوية تثبت بأن القرية أقيمت في فترة لا تتجاوز منتصف الخمسينيات. الصور تناقض كما يبدو ادعاء سلطة أراضي إسرائيل الذي يقول إن القرية أقيمت بين بداية الستينيات ونهاية السبعينيات. رئيس بلدية ديمونا قال إن القرية موجودة منذ 25 سنة فقط. القاضي مناحيم شاحك وجه تعليمات للطرفين لتقديم إجمالات مكتوبة حتى نهاية السنة. ويتوقع أن يصدر قرار الحكم في منتصف السنة القادمة. جمعيات المساعدة لسكان القرية هي “بمكوم” ومجلس القرى غير القانونية و”عدالة” و”شتيل”.
المهندسة دفنه سبورتا، التي هي شاهدة خبيرة من قبل القرية في هذا الإجراء القانوني، تعتقد أن “تسويتها في مكان وجودها كحي في ديمونا هي الحل العملي والمنطقي والتوفيري والأخلاقي بالنسبة لسكان القرية وسكان ديمونا والدولة”. وأكدت سبورتا على العلاقات بين سكان القرية وسكان المدينة. “منذ عشرات السنين وهم جزء لا يتجزأ من المدينة، من البلدية، من ناحية تشغيلية واجتماعية. هنا مجتمع له نمط حياة مختلف ومتميز، لكن هذا لا يقتضي الخروج باستنتاج أنه لا يمكن تخطيط حي لهم في ديمونا. يجب التوصل إلى حل متفق عليه من قبل الجميع”.
حالة رأس جرابة تجسد الفجوة في نظر الدول لمواطنيها البدو، بين تصنيفهم كغزاة، والاستعداد لتعويضهم. اللجان التي ناقشت القضية، التي تعتبر الأبرز من بينها اللجنة برئاسة القاضي اليعيزر غولدبرغ، لم تتنكر لدلائل كثيرة على وجود البدو في المنطقة وموافقة العثمانيين والبريطانيين والحركة الصهيونية على وضع يدهم على مناطق واسعة. وكتب غولدبرغ بأنه لا يمكن القول إن هذه القبائل قامت بغزو المنطقة. وأوصى بالاعتراف قدر الإمكان بالقرى غير المعترف بها. ولكن المحاكم وعلى رأسها المحكمة العليا، رفضت حتى الآن جميع دعاوى الاعتراف. مرة تلو الأخرى تقرر بأنه لا يمكن الادعاء بالملكية على الأراضي، وهكذا وجدت طريق المصالحة.
في حين أن المسألة التي تتم مناقشتها في المحكمة تتعلق بحق سكان القرية استناداً إلى وجودهم لسنوات كثيرة على الأرض، يدعي السكان بأن المسألة الأساسية هي: هل تقوم الدولة بالفصل العنصري؟ هم يذكرون أنه في الأصل يتم عرض قطع أراض عليهم وتعويضات مالية، في حين أن البلدية وسلطة أراضي إسرائيل ترفض قبولهم كسكان في المدينة في حي “روتم”، الذي فيه حسب قولهم، يمكن أن يحافظوا على نمط حياتهم.
رئيس بلدية ديمونا، بني بيطون، قال رداً على ذلك: “أعتقد أن أي تسوية داخل ديمونا، إضافة إلى قطعة الأرض ومنحة مالية، ستكون جائزة لمن قاموا بغزو الحدود القانونية لبلدية ديمونا قبل نحو 25 سنة. ومنذ ذلك الحين وهم يتصرفون في هذه الأراضي وكأنها أراضيهم. من غير المعقول أن لا أعرض على سكان ديمونا، الذين خدموا في الجيش ثلاث سنوات ويقومون بخدمة الاحتياط، قطعة أرض ومنحة مالية، في حين أن أعرض ذلك على من اقتحموا ديمونا ويطالبون بحقوق دون واجبات. بالمناسبة، لا أستطيع وهذا ليس من صلاحيتي. هؤلاء البدو، الذين تعرض إدارة البدو عليهم الآن قطعة أرض وربع مليون شيكل، يمكنهم التنافس في العطاءات للحصول على قطع أراض، التي تنشرها سلطة أراضي إسرائيل إلى جانب ما هو معروض عليهم”.
خلافاً لأقوال بيطون، قال إبراهيم الهواشلة، 20 شخصاً من سكان رأس جرابة على الأقل خدموا في الجيش. وعائلة من عائلات القرية باتت ثكلى. هو نفسه خدم في كتيبة الدورية البدوية في لواء “جفعاتي”، وخدم في الخدمة الدائمة سنتين.
بقلم: ناتي ييفت وضياء حاج يحيى
هآرتس 2/6/2022