يبقى الأمل الوحيد نقل المعاني دون الشكل والأسلوب: عن ترجمة شعر مظفر النوّاب

 عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
1

عند الإقدام على ترجمة الشعر، لا يستطيع المرء الإفلات من تحذير سيِّدنا الجاحظ الذي قال: «الشعر لا يُستطاع أن يترجَم ولا يجوز عليه النقل، وإلاّ تقطَّعَ وزنُه وذهبَ حُسنُه وسَقط موضع التعجُّب فيه». كان هذا ما قاله الجاحظ وأمامه الكثير من شعر العرب من أيام الشنفرى وامرئ القيس، وهو شعرٌ بالعربية الفصيحة. يا تُرى ماذا كان الجاحظ سيقول لو شَهد الشعر بالعربية العامية مما نراه هذه الأيام؟
صحيحٌ تماماً أن الشعر بالعربية الفصيحة يكاد يستحيل عليه النقل إلى أية لغة أجنبية، مع الحفاظ على الوزن والإيقاع وظلال المعاني في المفردات العربية، وما يحيط بالأسماء الأعلام من إشارات إلى أحداث اجتماعية وتاريخية. ولكن يبقى الأمل الوحيد نقل المعاني دون الشكل والأسلوب، وهذا أضعف الإيمان. وأنا هنا أتحدّث عن تجربة شخصيّة. ففي السنوات الأخيرة صدرت لي سبعة كتب من ترجمة الشعر العربي المعاصر إلى الإنكَليزية: مختارات من شعر سميح القاسم، عبد الرزاق عبد الواحد، نازك الملائكة، عبد الوهاب البيّاتي، بدر شاكر السيّاب، بُلَند الحيدري، مظفّر النوّاب. وكنتُ في كل مرّة أنتهي فيها من ترجمة قصيدة أعيدُ قراءة ما ترجمتُ فأشعر أنني أقرأ القصيدة العربية وليس الترجمة. ولستُ أعرف تفسيراً فكرياُ أو عصبياً أو نفسياً لهذا الشعور. وقد أعيد النظر في ما ترجمتُه وأغيِّر كلمةً هنا وعبارةً هناك في محاولة لجعل الترجمة «تَقرأ إنكَليزية».
والإقدام على ترجمة شِعر باللغة العامية في أيّة واحدةٍ من العاميّات العربية هي «حماقةٌ أعيَت من يداويها» على رأي المتنبي الكبير. ومن بين كبار الشعراء العراقيين يقف
المرحوم مظفّر النوّاب في المقدمة. ففي بواكير ستّينات القرن الماضي كنت أسير ذات يوم متمهّلا في شارع الرشيد ببغداد فمرّ من أمامي «حمّال» يدفع «عَرَبانة» مليئة بالكتب، حَمَلها من المطبعة ويريد إيصالها إلى مكتبات سوق السراي، وحوله أعداد متزايدة من الناس يتسابقون للحصول على نسخة من تلك الكتب. كانت تلك أول مرّة أسمع فيها بالشاعر مظفّر النوّاب، فاستطعتُ الحصول على نسخة وبدأتُ أقرأ فيها وأنا أسير في الشارع. ما هذه اللغة؟ ما هذه الصور الجميلة؟ ما هذه الدقة في التعبير؟َ ولكن ما معنى»هودَر هَواهُم ولَكْ حَدْر السنابل كَطَه»؟ هذه صورة عجيبة في رهافتها. ولكن ما معنى»أيّام المزبّن كَضَن، تكَضَن يا أيّام اللّف»؟
بقيت هذه التساؤلات في ذهني، وأنا أحاول فهم هذه القصائد بلهجة جنوب العراق، وذلك بالاستفسار من زملائي من»البْصاروة» و«العْمايرجيّة» وصرتُ أعيد القراءة وتزداد متعتي مع كل قراءة جديدة. وقفز إلى ذهني على الفور ما قاله شاعر إيطاليا والعصور الوسطى الأكبر دانتِه آليكَييري في كتابه باللاتينية بعنوان «فصاحة العامّية» من أن لغة العوام لها من القدرة على التعبير الجميل والتصوير البارع ما لا يقل عن قدرة اللغة الفصيحة، لاتينية المثقفين في تلك الأيّام.
والشعر الذي لا يُستطاع ترجمتُه ولا يجوز عليه النقل هو الشعر باللغة العامّية، لأن المفردات والمصطلحات العامّية لا يمكن ترجمتها بنقلها إلى الفصيحة لغرض تيسير فهمها، لأن ذلك سيُذهِب بحُسن الشعر ويُسقط موضعَ التعجُّب فيه.
من أجل هذا كله لم أحاول ترجمة قصائد النوّاب باللغة العامّية، التي يقصر فهمها على أهالي جنوب العراق، وقد طمّنتُ الشاعر على ذلك يوم اجتمعنا آخر مرة في مؤتمر شعر في دمشق في ربيع عام 2010 وأعطاني موافقته على قيامي بترجمة ونشر مختارات من قصائده.
ولم يكن اختيار القصائد سهلاً. فسمعة الشاعر الطاغية أنه شاعر سياسي، لا يتورّع عن استعمال أبشع الألفاظ وأقذرها في الهجوم على جميع الحُكّام العرب قائلا: «لا أستثني أحداً منكم» وبخاصة حُكّام دول الخليج. والسؤال الذي يُحيّرني ولم أجد له جواباً إلى اليوم هو كيف أن أهل الخليج هم أكثر العرب إعجابا بشعر النوّاب وهجائه السياسي. فأنا قد عملتُ أستاذاً في عدد من جامعات الخليج، ومرّةً أُعلن أن النوّاب سيقدِّم قراءة شعرية في المُجمَّع الثقافي في أبو ظبي. فوصلنا إلى المكان قبل نصف ساعة من الموعد لنجد الطريق إلى القاعة مختنقا بصنوف من البشر رجالاً ونساءً وأطفالاً. ولما أدخلونا إلى القاعة وجدنا المقاعد الـ 1200 مشغولة بمن وصل قبلنا إلى المكان. هذا إضافة إلى الأجنحة العليا من البناية. وفي الكويت وجدتُ أن بعض الناس يسيرون بمحاذاة البحر ببطء، في سياراتهم المقفلة نوافذها مُفضِّلين على نسيم البحر أجهزه التكييف، وهم يستمعون إلى أشرطة المسجِّل من شعر النوّاب الممنوعة رسميا في البلاد.
وعلى الرغم من هذه المعوِّقات والصور السلبية التي بقيت في ذهني قررتُ اختيار33 قصيدة من الشعر الفصيح، منها ما هو الوجداني في الحديث عن الحب، وأغلبها من الشعر السياسي والهجوم المقذع على الحكام العرب وأصحاب السياسة. وفي هذين النوعين تتجلى براعة الشاعر في اختيار اللغة المناسبة للموضوع وشكل القصيدة التي تتعالى في تأثيرها عندما يلقيها الشاعر أمام الجمهور أو عندما يقدمها غناء بألحان أهل الجنوب العراقي الحزينة. القصيدة الأولى بعنوان «أميرة» هي قصيدة غزل بأجواء الحب العذري الممتزج بمشاعر رومانسية الشعراء الإنكَليز. وكل ذلك في إطار من جمالية المكان في منطقة باب توما المسيحية، التي تشير بطرف خفي إلى أن الصبايا في تلك المنطقة الدمشقية كلُّهن جميلات وعاشقات يكتبن أسماءهن على الجدران، ثم يأتي عُشاق آخرون ليكتبوا أسماءهم فوق من سبقهم بسبب ضيق المساحة المتبقيِّة للكتابة. ويتخلل هذه الصور إشارات إلى رذاذ المطر وكُرات الثلج التي يتقاذفها الأطفال، فتحرِّك فيه الرغبة أن يشارك في تلك اللعبة ولكن مع أميرة الشاعر.
وقد يكون من المستغرَب عند بعض القرّاء أن شاعراً يكتب في الحب مثل هذه القصيدة ومثل قصيدة «سلِّفيني»، و«لكنه الحب»، و«المنفى كالحب» و«بنفسج الضباب» يمكن أن يكتب قصيدة مثل «وتريّات ليلية» التي ألصَقت بعقول الناس عبارة «القدس عروس عروبتكم» لصقة لا فَكاك منها، وما يتبعها من مفردات «العُهر والجريمة» كما يقول نزار قباني.
ومن أمثلة الهجوم الشرس على الحكام العرب أن الشاعر عندما يخفِّف من الكلام البذيء في مهاجمة الحُكام يلتفت إلى السخرية بالغة المرارة بما يشبه «البرليسك» التي تجعل القارئ يتقلّب من نوبة ضحك إلى أخرى، وهو ما نجده في صورة «ملك النفط» الذي لا تخفى صورته على أحد من القرّاء، لأن اسمه عند الشاعر: «نفط بن الكعبة» والتورية هنا بالغة البذاءة لأن «إبن الكعبة» غشاوة خفيفة على الشتيمة البذيئة المعروفة. لكن: «صرّح نفط بن الكعبة، ماذا صرّح نفط بن الكعبة؟ نفط ابن الكعبة لا يدري ما صرّح نفط بن الكعبة». لكن ملك النفط هذا له تأثير على جميع المستويات، فإنه عندما يغيب لقضاء حاجته «ترتفع أسعار النفط» وبعدها تنخفض أسعار الأسهم العالمية في البورصات… وهكذا تتواصل هذه الأوصاف التي يبدو أن لا نهاية لها. وها هو الشاعر قد ارتَدَع عن الكلام البذيء فجاء بكلام… أحسن منه فلا ملامة!
أمّا لماذا تتعلق الجماهير العربية بشعرٍ يُهاجم الحُكّام بهذا الأسلوب بالغ السخرية والبذاءة، ويكادون أن ينسوا قصائده الوجدانية في الحب ومناجاة النفس، فهو سؤالٌ قد يجرؤ بعضنا ويسوقه إلى دَهاقنة السياسة، من غير كبير أمل أن يحضى بجواب!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية