خطة وزارة الثقافة المصرية لتحويل قصورها إلى دور سينمائية

كمال القاضي
حجم الخط
0

من بين الأسباب الرئيسية لأزمة السينما المصرية عدم وجود دور عرض تستوعب حجم الإنتاج من الأفلام التجارية سنوياً، ونتيجة لذلك يتم تأجيل عرض الكثير من الأفلام الحديثة إلى أن يخلو لها مكان في إحدى الدور السينمائية المناسبة وسط القاهرة أو في المناطق الأخرى المُتمتعة نسبياً بالكثافة السكانية لضمان تفاعل الجمهور معها وحفظاً على مُعدل الإيراد المطلوب بالحفلات المُقررة على مدار اليوم.
ولأن محنة البحث عن دار عرض مناسبة باتت من الصعوبة بمكان لوجود عوائق حقيقية تتصل بعُطل نسبة هائلة من الدور السينمائية منذ سنوات، فقد نشطت القاعات الفاخرة بفنادق الدرجة الأولى واستحوذت على فئة قليلة من هواة المُشاهدة، القادرين على سعر التذكرة المُرتفع بشكل ملحوظ، ولكن هذا الحل لم يشمل بالتأكيد القوة الأساسية لجمهور السينما واقتصر فقط على طبقة معينة.
ومع تفاقم المُشكلة وظهور آثارها السلبية على عملية الإنتاج الموسمي والدخل القومي لصناعة السينما قامت وزارة الثقافة بإجراء مُحاولة لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه، فعملت على وضع خطة لا تزال قيد التجريب لتشغيل القاعات المتوافرة بقصور الثقافة واستيعاب الكم الأكبر من الأفلام، وحسب الخطة الطموحة تتمكن الوزارة بضرب عصفورين بحجر واحد، تنشيط الحركة السينمائية وحل أزمة دور العرض.
وفي الوقت نفسه استثمار القاعات السينمائية المُغلقة بقصور الثقافة على نحو مُربح إلى حد ما، حيث تتجه النية إلى توحيد سعر التذكرة بما لا يتجاوز أربعين جنيها للفرد وهو مبلغ ضئيل بالنسبة للأسعار في دور العرض التجارية سواء في القاهرة أو بعض المُدن الأخرى.
ووفق ما يتوافر من معلومات حول هذا المشروع فإن البداية جاءت بتنفيذ الخُطة فعلياً وتطبيقها بقصر السينما في غاردن سيتي، وهو قصر ذو طبيعة خاصة كان يضطلع إلى وقت قريب بعرض الأفلام العالمية والعربية المُتميزة لجمهوره من المُثقفين والسينمائيين بالمجان، وبالطبع كانت عملية اختيار الأفلام تخضع لمقاييس غير تجارية بالمرة، وإنما تتم وفق الذوق المُناسب للنقاد وأصحاب الخبرة من المُنفتحين على عوالم السينما الدولية والعالمية بمختلف تنويعاتها ومضامينها الإنسانية والسياسية والاجتماعية بما يُحقق المُتعة الذهنية والوجدانية والثقافية للمُتلقي النوعي الحريص على المُتابعة.
أما وأن القصر السينمائي العتيق والعريق أدرج ضمن مواقع العرض الجماهيري فإنه من المتوقع أن يفقد جزءا من هيبته التي ظل عليها لسنوات، برغم الخدمة التي سيُقدمها للسينما على مستوى إتاحة الفرصة لبعض الأفلام المُتميزة التي لم تجد لها مكاناً بدور السينما الصالحة للتشغيل، وهو الجانب الإيجابي في الموضوع، لا سيما إذا تم تثبيت سعر التذكرة عند الحد المُقرر بأربعين جنيهاً فقط بدون زيادة مع توافد الجمهور على الأفلام المعروضة بشغف وحرص حقيقيين كما كان الأمر في السابق وقت أن كانت العروض مجانية تماماً.
ومن المتوقع إذا نجحت الفكرة أن تُعمم الخُطة على جميع قصور الثقافة في المحافظات والأقاليم لتشمل أيضاً بيوت الثقافة الصغيرة في بعض المُدن بالوجهين القبلي والبحري، وحينها ستحدُث المُعجزة وتنتهي إلى الأبد أزمة دور العرض السينمائية في مصر. ولكن يبقى السؤال، أين وكيف يتم استيعاب الأنشطة الأخرى الخاصة بالمسرح والموسيقى والفنون الشعبية لو حدث بالفعل ونجح المشروع السينمائي التجاري وصار مُهيمناً على قاعات العرض بقصور الثقافة طوال السنة؟
هل هناك خُطة موازية لجدولة النشاطات والجمع بينها على نحو غير مُخل، أم أن وزارة الثقافة لديها قُدرات لتشغيل قاعات إضافية لاحتواء الأعداد الزائدة من الجمهور؟
هذه أسئلة لا بد من الإجابة عليها لو كانت هناك نية بالفعل لدى القيادات الثقافية للتوسع في دمج النشاط السينمائي داخل الأنشطة الثقافية والإبداعية المُختلفة في عموم المحافظات، حيث استهداف الربح من عملية عرض الأفلام بقصور الثقافة الإقليمية ليس بعيداً عن التصور العام بكل تأكيد طالماً بدأ الشروع فيه من قصر ثقافة غاردن سيتي بالعاصمة القاهرة.
ولكن الخوف كله من التركيز على الجانب التجاري فقط وإهمال الغرض التثقيفي الذي يُمثل العنصر الأساسي في جوهر العملية الثقافية وارتباطها الحتمي بالجماهير في ضوء وظيفتها المحورية كخدمة واجبة على الدولة تجاه جميع أفراد الشعب بغير تمييز فئوي بين مواطن قادر على دفع سعر التذكرة ومواطن آخر غير قادر، حيث من الطبيعي أن تُقدم الخدمة الثقافية أياً كان نوعها مجانية بلا مُقابل، لكن إذا اقتضت الضرورة تخصيص قيمة مالية بسيطة فلا بأس شريطة أن تكون هذه القيمة في مقدور الجميع المتساوون في الحقوق والواجبات والمُختلفون في الأذواق.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية