في التعليم كما في قطاعات أخرى جملة من الأحكام والسلوكات المعادة، التي لولا إعادتها لفقد كثير من الأشياء قيمته، هذه الأشياء هي التي نصطلح عليها بالمفاتيح. لا أحد يعرف كيف صنع الفكر البشري الأبواب ليصنع لها مغاليق كي يوصدها.
ما حدث في العلوم التي ندرسها وندرّسها اليوم باللغة هو ما حدث نفسه من تسوير أو تسييج لمدينة عظيمة بأبواب عملاقة، توصد وتفتح وتصنع لها المغاليق وتصنع للمغاليق مفاتيح. وحدها الأبواب تحمي أو تسجن ووحدها المفاتيح تفك الحماية إن ضاعت أو تحرر المساجين، حين تفتح لهم الأبواب مشرعة كي يخرجوا إلى الفضاء الواسع.
نحن نعتبر أن اختراع المزاليج بأشكالها المختلفة حدث جلل، لكن اختصاصنا لا يسمح لنا بأن نخوض في حديث المخترعين، فلا المخترعون منا، نحن الباحثين في أحوال اللغة، ولا نحن منهم فحديثنا عن المفاتيح ليس كحديثهم. ليس حديثهم أفضل من حديثنا ولا حديثنا أفضل من حديثهم، ولسنا أهل نظر ولا هم أهل عمل فلكلينا نظره وعمله.
وضع النحاة العرب اسم مفتاح ضمن باب مخصوص من الأسماء اصطلح عليه سيبويه صاحب الكتاب باسم «ما عالجت به». ثم سماه اللاحقون من بعده اسم آلة ووضعوا لاسم الآلة هذا أوزانا معلومة منها (مِفْعال). مفعال هو وزن مِفتاح الصرفي وهو أيضا وزن مِغلاق ومِزلاج وهي جميعا ذات صلة بالغلق والفتح. لكن لماذا سمي المفتاح بمراعاة الفتح لا الغلق؟ ولماذا لم يستعمل الناس وجهة نظر الغلق كي يسموا بها هذه الآلة؟ وأصلا هل ما زال يعتبر المفتاح آلة حتى يحتفظ بوزنه؟ وهل فقدت الصيغة قيمتها الصرفية التداولية هي التي ما تزال تحتفظ بقيمتها الصيغية. المعنى الشائع الذي استقر عليه فعل عالج اليوم في مجال الطب والأسقام، وبعده في مجال الحواسيب والكتابة الرقمية فيقال عالج النص بمعنى أدخل عليه عمليات رقمية منها الرقن والتعديل والزيادة والحذف وغيرها، لكن العلاج الذي اشتق منه مصطلح ما عالجت به، هو معنى قديم يعني استعمال أداة أو ما شابهها في إنجاز عمل دقيق أو معقد لا ينجز إلا بتلك الأداة أو الآلة. فعلى سبيل المثال لا يمكن أن أرسم في الهندسة زاوية قائمة إلا باستعمال المسطرة، أو ما شابهها من الآلات لرسم ذلك والتأكد من قياساته. بيد أن معنى المعالجة مستمد من معجم قديم هو معجم العنف، كأن تقول عالجه بضربة طرحته أرضا. أن تعالج شخصا بضربة هو أن تستعمل يديك، أو غير يدك في هذا الفعل العنيف. وأن تعالج في هذا المعنى أو ذاك هو أن تزاول عملا بواسطة لا يمكن أن يتم إلا بها، ومن هنا استقر معنى الآلة في هذا المعنى. ما عالجت به هو ما زاولت به عملا شرط أن يكون آلة. في هذا المعنى فإنّ المفتاح هو الآلة التي تزاول به عملية فتح المزلاج وإن شئت قلت بشيء من التسامح أن تفتح به الباب.
الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يعتمد على الآلة اعتمادا واعيا في أنشطته المادية، ولذلك فإنّه يكيف تلك الأدوات أو الآلات حسب حاجته إليها. ويعني التكييف ضربا من الصناعة ينطلق من مادة أساسية مناسبة يتخذ منها الإنسان الصناع شكلا وظيفيا مناسبا، فعلى سبيل المثال، المفاتيح لا يمكن أن تصنع من الخشب، بل من المعادن وكذلك الشأن بالنسبة إلى المزاليج. أما الأبواب فليست آلات بل يمكن اعتبارها وسائل، وإن شئت أدوات بها تغلق البيوت والمنازل لذلك لم نصنع لها اسم آلة مثلما فعلنا مع مزلاج ومفتاح. ينبغي أن يكون المرء قد تعلم في مرحلة متقدمة من تاريخ العمارة صناعة الأبواب كان ذلك للتوقّي من الغرباء والمتطفلين واللصوص. ولما أدرك أن الأبواب وحدها لا تكفي للحماية صنع لها المزاليج وصنع للمزاليج مفاتيح وصنعت اللغة العربية اسما للآلة يختلف عن الأسماء العامة.
الأوزان التي نستعملها في الصرف ومن بينها أوزان اسم الآلة، هي أدوات مصنّعة تستعمل في غايات دقيقة وقد تستعمل في غيرها، فعلى سبيل المثال فإن مفتاح، أو مزلاج تفيد في هذا السياق اسم الآلة، لكنها يمكن أن تفيد صيغة المبالغة مثل معطار فإنها تفيد الكثرة في هذا السياق.
إن كانت الآلات تكشف عن تطور في التفكير البشري الذي تقوده مصلحة بشرية خاصة، كالحماية مثلا، فإن الأدوات هي بدورها شكل من أشكال التعبير عن تطور البشر بالنسبة إلى غيرهم من الكائنات، لكن يمكن الحديث عن أدوات بشرية وأدوات حيوانية، وعن أدوات عرفانية ولا يمكن أن نتحدث عن آلات حيوانية أو آلات عرفانية. في هذا السياق يقول جوناسان Jonassen «الأدوات هي امتداد للكائنات البشرية، التي تميز جزئياً بين البشر وأنواع الحيوانات ذات الترتيب الأدنى. وقد اكتشفت أنواع أخرى من الحيوانات أدوات، لكنها لم تكن قادرة على تصور الاحتياجات لبناء الأدوات، أو دمج الأدوات في ثقافتها». من الممكن أن يعتمد الطائر في البيض على أداة هي العش، الذي لولاه لا يمكن أن يضع بيضه فيه ويعشش، وقد يكون هذا الاكتشاف الحيواني للأدوات قد حدث في مرحلة معينة من تطور التفكير في حماية البيض وتوفير مناخ أفضل لتفقيسه؛ لكن الفرق بين العصفور والإنسان في استعمال الأدوات، أن الإنسان قادر على أن يتصور سلفا الاحتياجات التي تولد لديه القدرة على ابتداع الأدوات وفي تصورها ولهذا يتحدث الدارسون عن أدوات عرفانية وهي أدوات تسهل المعالجة العرفانية لنشاط من الأنشطة. الأدوات العرفانية حسب جوناسان لا تستعمل في سياق مخصوص، فهي تمكن من بناء معرفة معينة وفي تنشيط استراتيجيات التعلم مثلا. في هذا الإطار فإن اللغة يمكن أن تكون أداة عرفانيّة لمعالجة كثير من الحاجات من بينها، الحاجة إلى المَقْولة أو التصنيف. حين أستعمل عبارة مفتاح، على سبيل المثال، فإنّ هذه التسمية ساعدتني على التمييز بين الباب مثلا والمزلاج من ناحية، وبين ما يفتح به الباب أو يغلق من أخرى. وفي هذا السياق أيضا، فإنّ الوزن الصرفيّ الذي توفّره العربية لبعض أسماء الآلة تمييزا لها عن بقية الأسماء هو أيضا أداة عرفانية، لأنّه شكل لغوي مخصوص يعبّر عن مقولة مجردة أو عامة. ومثلما يكون للمفتاح شكل لا يخرج عنه عاما فإن اللغة تريد أن يكون لاسم ذلك الشكل (أي اسم الآلة) شكل عام لا يخرج عنه.
الأوزان التي نستعملها في الصرف ومن بينها أوزان اسم الآلة، هي أدوات مصنّعة تستعمل في غايات دقيقة وقد تستعمل في غيرها، فعلى سبيل المثال فإن مفتاح، أو مزلاج تفيد في هذا السياق اسم الآلة، لكنها يمكن أن تفيد صيغة المبالغة مثل معطار فإنها تفيد الكثرة في هذا السياق. نحن يمكن أن نستعمل المفتاح في أغراض أخرى طارئة نستحدثها في وضعيات كثيرة غير فتح الباب كالنقر على الطاولة لمناداة النادل الذي لم ينتبه لحضورنا. حين أقف أمام باب بيتي المغلق سيكون سؤالي وظيفيا: أين المفتاح؟ لأني ساعتها لا أحتاج الباب، بل أحتاج ما يفتحه. أين المفتاح؟ يمكن أن يكون سؤالا أيضا إذا تعودت أن أضرب به الطاولة لتنبيه النادل ولا أجده في جيبي، ساعتها سأنسى ولو وقتيا أني أضعته وأني لن أدخل شقتي لكن حين أذكر ذلك سأخرج للبحث عنه في السيارة، وحين سأجده من الصعب أن أجلبه كي أنقر به الطاولة سيكون اطمئناني لوجوده في السيارة سببا في الإقلاع عن تنبيه النادل بمفتاح البيت. لكن لي سؤال أخير: أين المفتاح حقا؟ لقد أضعت يا سادتي مفاتيحي فعلا.. ما قيمة مفتاح بلا ذاكرة؟
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية