بيروت ـ «القدس العربي»: حين يفتخر بعض الأهل بقدرات أطفالهم المميزة في الدخول إلى عالم الهاتف الذكي، فهم لا يدركون مخاطر ترك هؤلاء الأطفال فريسة للشاشات. وفي طليعة تلك المخاطر تحولهم إلى متلقين، بدل أن يكونوا متفاعلين. ومن أمثال هؤلاء الأهل أنهم يتندرون بأن أطفالهم «ما بيطلع صوتن وما بيتحرّكوا» حيث يتمّ إلهاءهم بأي من الشاشات المتوافرة، والتي تسلبهم حيويتهم وحركتهم. إنهم الأهل غير العارفين بموجبات التربية ويستسهلون الحلول. في حين أن التربية تستلزم جهوداً ومواظبة وصبراً، وأولاً الحب الذي يحتاجه الأطفال على الدوام.
أثر الشاشات على الأطفال بالغ الخطورة، وكذلك على البالغين الذين يدمنونها. فبقدر ما قدّمه العالم الافتراضي من تسهيلات لحياتنا، فإن جهلنا في كيفية مقاربته من شأنه أن يُدمّر الحياة.
هنا حوار مع الباحثة في علم النفس الدكتورة مريم سليم حول الموضوع:
○نحن في عصر الشاشات والعالم الافتراضي. ما هو تعريف هذا العالم؟
•إنه العالم غير الواقعي. في العالم الواقعي نحتك بالآخرين ونتحاور معهم، يسألون ونجيب والعكس. ويكون بيننا تواصل لا يقتصر على الذهني بل يشمل كذلك العاطفي والسلوكي. في العالم الافتراضي نكون متلقين فقط.
○ما هي سلبيات هذا العالم؟
•متعددة. هو عالم خطير خاصة عندما يبلغ الفرد مرحلة الإدمان عليه. نشرت إحدى الصحف بأن سيدة أمريكية تعاني إدماناً في علاقتها بالإنترنت، سمعت طفلها يبكي في الغرفة المجاورة لكنها تعجز عن القيام إليه لتفقده. طال زمن بكائه حتى لفظ أنفاسه. ومن مخاطر هذا الإدمان على الإنترنت أن الشباب والمراهقين بشكل خاص يلازمون غرفهم، ويمتنعون عن التواصل مع العالم الخارجي، مكتفين بالافتراضي. حتى أنهم لا يتواصلون مع ذويهم، ويتناولون طعامهم في غرفهم، وهو من نوع فاست فود، ما يضيف إلى مخاطر إدمان الإنترنت، مخاطر صحية من الطعام الجاهز. ونشير كذلك إلى ندرة الحركة، وهذا أيضاً من المخاطر الكبيرة جداً. فالحركة لها دورها المهم جداً في حماية الدماغ.
○وماذا عن إيجابيات هذا العالم؟
•بالطبع إيجابياته متعددة منها تسهيل التواصل، وتسهيل نقل المعلومات أو الوصول إليها. في العالم الافتراضي لم يعد المُعلم مصدر المعلومات، بات أي تلميذ قادراً على البحث عن المعلومة التي يريدها. ومن إيجابيات العالم الافتراضي تسهيل العمل عن بعد في مرحلة جائحة كورونا. لكنّ العمل عن بعد لزمن طويل يفقد الشخص مميزات محيط العمل كالتواصل الاجتماعي، واختبار الذكاء العاطفي والذكاء الاجتماعي لدى الإنسان، واختبار قدرته على التحمّل. وغير ذلك.
○بعض الأهل يبعدون أطفالهم عن الشاشات على أنواعها أو يحددون فتحها. لماذا يتنامى هذا السلوك برأيك؟
•هم أهل يقومون بمهامهم التربوية بشكلها السليم. ذكرت في كتابي «الطفل من الولادة إلى الخمس سنوات» بأن «الأبوة والأمومة ليستا وظائف بيولوجية بل هي وظائف تحتاج إلى إعداد كما أي مهنة». ولنعترف بأن التربية هي مهنة من بين الأصعب، إن لم تكن الأصعب. إلى جانب قلة من الأهل يقومون بمهمتم بشكل جيد، يمكن القول أن الشائع هم الأهل الذين يفتقدون للثقافة التربوية والنفسية. وكانوا يجدون راحتهم قبل عصر الإنترنت بفيلم رسوم متحركة، وحالياً يحيلون الطفل إلى الهاتف الذكي و«ما بيطلع صوتو». هؤلاء الأهل لا يبذلون الجهد الذي تستدعيه التربية، ولا يدركون أن الطفل الذي لا يتحرك يكون وضعه مؤرقاً، وعلينا القلق على نموه العقلي والعاطفي والجسدي. الذكاء الحسّي الحركي مرحلة تمتد من عمر سنتين إلى ست سنوات. والطفل الذي لا يتحرك، ولا يمسك الأشياء ويختبرها يفتقد لتعلُّم المفاهيم الأساسية، كمثل مسكه للتفاحة ليعرف أنها ملساء ومستديرة ولونها أحمر أو أصفر. وغير ذلك.
○أليس لبعض البرامج امكانية تعليم الأطفال مثل تلك المفاهيم؟
•مطلقا. ثمة برنامج تلفزيوني شهير حمل اسم انشتاين اعتقد الأهل أنه سبيل مناسب ليكتسب طفلهم المعرفة من خلاله. لكن في الواقع التعلُم ينتج عن تفاعل الطفل. فالتلقي ليس أسلوباً تعليمياً. والتفاعل يكون عبر اليدين، والكلام والشم والتذوق. كذلك الحوار مع الآخر وطرح الأسئلة. عندما أجرت وزارة التربية الفرنسية اختبارات على برنامج انشتاين خلُصت إلى أن فائدته تساوي صفراً.
○هل تستلب الشاشة الفرد وكيف؟
•بالتأكيد، وهذا يُسمّى إدماناً. ذكرت في كتابي «الإستشارات السلوكية المعرفية» وفي فصل تناول الشاشات والهاتف الذكي بأن «الهاتف ذكي ومستخدميه أغبياء» والسبب أنه يجعل من الأطفال أغبياء. لماذا؟ لأنهم يفقدون التركيز بحسب ما أكدته الأبحاث وجمعية طب الأطفال الأمريكية والكندية، إضافة إلى أبحاث ألمانية. الهاتف الذكي يسلبهم الإنتباه والتركيز والذاكرة. وهذه القدرات المعرفية الثلاث تسمّى القدرات المعرفية العليا لدى الإنسان، وهي الأهم في عمل الدماغ. عندما يفقد الطفل الإنتباه والتركيز والذاكرة سيعجز عن التعلُم. ولفتت جمعية طب الأطفال الأمريكية إلى صعوبات يعانيها الأطفال في تعلُم القراءة والكتابة. كما توصلت الأبحاث الفرنسية إلى الحصيلة نفسها، أي أن الأطفال ينهون مرحلة الدراسة من دون اكتساب القراءة والكتابة بالشكل المطلوب.
○هل من لعبة عبر الشاشة تحفِّز الدماغ أو التركيز؟
•مطلقاً ولا أي منها. إضافة إلى أن ألعاب القتال تؤدي إلى طفل عنيف مع محيطه من أصدقاء ورفاق. وهنا نضيف إلى سلبيات الإدمان على الشاشات احتمال التسبب بالأمراض العقلية لدى الأطفال. فالتوحد الذي تمّ توصيفه طبياً بأن ناتج عن عطب في الدماغ، فإن الإدمان على الشاشات قد يؤدي لعطب في الدماغ وبالتالي التوحد. من الحالات التي أعرفها عن قرب إدمان أم على الهاتف الذكي، وانصراف طفلها إلى الآي باد، ما أدى على مدى طويل إلى اضطراب في النمو العقلي لهذا الطفل. وهذا الاضطراب يظهر على مستوى المهارات الحسية الحركية، والمهارات العاطفية، تعلُم اللغة والتعاطي مع الآخرين. فهذا الطفل يعجز عن النظر في الآخرين حين يكلمونه. إذاً الإدمان على الشاشات في عمر الطفولة يؤدي إلى عطب في الدماغ. أما المراهقون المدمنون على الشاشات فقد تقلصت ساعات نومهم ساعتين حسب الدراسات العالمية. مع الإشارة أن النوم هو العنصر الأهم في تنشيط الطاقة الجسدية والعقلية، وكذلك في الحفاظ على الحواس. فوضع الهاتف بقرب الإنسان مفتوحاً خلال الليل سيجعله منشغلاً بتفقده مراراً. وثمة حالات أعالجها من مشكلة الإدمان الليلي على الواتس أب.
○هل من ألعاب جدية وأخرى غير جدية على هذه الشاشات؟
•ثمة برامج تعليمية تحمل فائدة شرط مشاهدتها بمرافقة المعلمين أو الأهل لمناقشة ما يرد فيها من معلومات. وهذا يُخرج الطفل من حالة التلقي السلبي. كذلك هناك برامج تعلِّم الكبار القيادة والحفاظ على القوانين.
○لماذا تجذب الألعاب الخطرة المراهقين؟
•لأن المراهق لا يمتلك الخبرة الكافية في الحياة. وهو ينجذب لتجريب كل ما هو خطر خاصة البرامج التي تدعو للموت والانتحار كما برنامج الحوت الأزرق. يحب المراهق التحدي كقيادة الدراجة النارية بسرعة فائقة. وفي ذلك يثبت ذاته، ويُثبت لنفسه القوة والجدارة والقدرة.
○كيف نصف جاذبية بعض البرامج التي لا تنتهي سوى بتهشيم الفرد نفسياً أو دفعه للانتحار وخاصة المراهقين؟
•ليست خطراً على المراهقين بل أيضاً على الكبار. فهي تستجيب لحاجاتهم. في كل مرحلة من المراحل ثمة حاجات للنمو، وهذا النوع من البرامج يستجيب لحاجاتهم. فهو على سبيل المثال يبحث عن مهارات التعاطي مع الآخرين؟ أو كيفية إقامة علاقة حب مع الجنس الآخر؟ أو كيف يكون مقبولاً اجتماعياً؟ مع فتح هلالين «فالمراهق الذي يعرف ماذا سيكون في المستقبل ولديه هدف لن يحتاج لإجابات عن كل ما سبق من أسئلة». فهو يتوجه مباشرة إلى هدفه. أجمل الأشياء التي على المراهق ممارستها لكونها صحية عاطفياً وجسدياً وعقلياً هي الرياضة ثمّ الرياضة. الرياضة مفيدة لكافة الناس لكنّها حاجة للمراهقين. نضيف إليها العمل التطوعي في الصليب أو الهلال الأحمر، أو الانتماء للحركات الكشفية. أن يشعر المراهق بأنه فاعل فهذا عامل إيجابي في حياته.
○ما هو جديد لعبة الحوت الأزرق؟ هل فشل العالم في محوها من الوجود لخطورتها؟
•في نيوزيلندا ترتمي الحيتان الزرقاء على الشاطئ لتموت، أو تقذف الأمواج بعضها وهي نافقة. ومن هنا جاءت تسمية الحوت الأزرق، فهي لعبة أدت لانتحار 50 شاباً وشابة في روسيا، كما وسُجلت انتحارات في أوروبا وفي لبنان بدون ذكر إحصاءات. يتصل أحدهم من عصابة لعبة الحوت الأزرق بالشباب عبر الهاتف ويبدأ بإسداء الأوامر إليهم. من تلك الأوامر على سبيل المثال الإنقطاع عن الطعام ليومين، البقاء بدون نوم لليلة كاملة تكون تحت مراقبة المُتصل. يحقق المتصل طلباته بتهديده للضحية بالقتل، أو قتل أحد أفراد عائلته، أو حرق منزله. وقد وصل الأمر بالمتصل الطلب من الضحية رمي نفسه من طبقة مرتفعة بعد اقناعه بأنه سيكون سليماً. تهديد عصابة الحوت الأزرق حقيقي، ما حدا بالشرطة الفرنسية لأن تنشر رقم هاتف خاص بها لتبليغها سريعاً عن اتصالات الحوت الأزرق، والهدف مساعدة هؤلاء الأفراد قبل أن يصبحوا ضحايا.
○ما هي السبل أو الآليات المساعدة لتدريب الأطفال على تنمية الانتباه وضبط الذات والتفكير النقدي؟
•قد يستسهل الأهل الكسالى إشغال الطفل بالهاتف أو بالآي باد على أن يخوضوا معه حديثاً مفيداً. لنكون حيال إنسان سليم تحتاج العملية التربوية أولاً للحب. وثانياً للاحترام الذي ينمي الثقة بالنفس. وثالثاً للحزم، أي أن العملية الرتبوية كما تحتاج لنعم تحتاج أيضاً لكلا.