ولد ناصر (24 سنة) وترعرع في يافا، غير بعيد عن سوق الأدوات المستعملة، وهو الآن يعيش مع والديه على حدود “بات يم”. قضى التحسين على فرصة بقائه على قيد الحياة في المدينة، التي كان يعيش فيها عام 1948 حوالي 120 ألف عربي، والآن يعيش فيها بصعوبة 15 ألف عربي.
يعتبر ناصر نفسه إسرائيلياً. حلم الدولة الفلسطينية ليس حلمه. لماذا عليّ الاشتياق لفكرة تم قتلها، أو مدينة فاضلة غير ناضجة؟ تساءل. أنظر حولي وأشاهد الدول العربية. ولا أريد نماذج كهذه. أنا جزء من المجتمع الإسرائيلي وأطالب بالمساواة. ليس دولتين، بل الدخول بحرية إلى النادي، والجامعة، وعدم المرور بمراسم الإهانة المعتادة في مطار بن غوريون.
سعيد (34 سنة) ولد وترعرع في أم الفحم، وهو أعزب ومحام في مهنته ويعيش مع والديه في منزل فاخر على قمة تلة. ثلاث سيارات فاخرة في الكراج. هذه هي المرة الأولى التي أسمع فيها عن النكبة، قال. لقد حدثت وأنا في سن 13 سنة. النكبة هي التجربة المؤسسة لجدي وجدتي، رحمهما الله، وليس لي أو حتى ليس لوالدي اللذين ولدا بعد مرور سنوات عليها. أنتم على ثقة بأن جميع العرب يهتفون “فلسطين فلسطين”، يضحك. ولكن هناك الكثيرين مثلي. أطلق علينا الطبقة الوسطى العربية – الإسرائيلية الجديدة. مثقفة أكثر وغنية أكثر ومرتبطة ولها علاقات أكثر. “حلم الدولة الفلسطينية، أنهى قوله، ليس حلمي، نحن إسرائيليون”.
للدكتور عروة سويطات، ممثل الجمهور في لجنة حماية المباني في بلدية حيفا، تفسير مهم. الفلسطيني الإسرائيلي، قال إن الشاب تم تدجينه ليخفي ميوله الوطنية ويبرز الجيد المشترك بينه وبين المجتمع اليهودي المهيمن. الفلسطيني الإسرائيلي يعرف ماذا سيكون مصير من يصرخ “فلسطين فلسطين”، وماذا سيحدث للعربي الرأسمالي الذي يتحدث بإنجليزية طليقة عن الهايتيك والثقافة والعالمية. شاهدنا هذا بشكل جيد في الأحداث التي جرت في المدن المختلطة قبل سنتين تقريباً. ففي لحظة الحقيقة، الشاب الفلسطيني فلسطيني أكثر مما هو إسرائيلي.
للبروفيسور سامي سموخة، الباحث في العلاقات اليهودية – العربية منذ منتصف السبعينيات، تفسير ممتع. إن عرب إسرائيل، قال سموخة، يمرون بعملية أسرلة، أي المزيد من العبرية والمزيد من الثقافة والمزيد من الشبكات الاجتماعية والمزيد من الأموال وتماه أكثر مع السيد اليهودي. ومن جهة أخرى، يمرون بعملية فلسطنة، أي معرفة أكبر بالظلم التاريخي والآني ووطنية أكثر، وأحياناً تطرف أكثر. تعودنا على التفكير القطبي، لخص سموخة، إما هذا أو ذاك، لكن الحياة معقدة أكثر.
الانقسام الكبير للممثليات السياسية الفلسطينية في 1919، إذا كان الأمر كذلك، هو انعكاس أصيل للواقع. “القائمة المشتركة”، التي حصلت على إنجاز مؤثر في انتخابات 2015 انقسمت، وانبثقت عنها فكرة سياسية محدثة هي “راعم”، التي تعبر عن ناصر وسعيد بمعان كثيرة، وكما يبدو مجموعة كبيرة من الفلسطينيين الإسرائيليين الذين لا تتفق جداول أعمالهم بجدول أعمال أيمن عودة.
من المعروف أن وسائل الإعلام والرأي العام اليهودي قاموا بتأطيرهم كعرب جيدين أو براغماتيين، عرب سيدوسون على الحلم الوطني الفلسطيني مقابل فتات من الأموال والمكاسب الشخصية. ولكن الموضوع فعلياً، مثلما شاهدنا مؤخراً، معقد أكثر. فالحلم الفلسطيني، كما يتبين، لا يختفي.
هذا أيضاً ما يفسر تسامح منصور عباس تجاه عضو الكنيست مازن غنايم عندما رفض التصويت مع قانون “يهودا والسامرة”، الذي ينظم الحقوق الزائدة للمستوطنين اليهود ويواصل تفكيك الفلسطينيين والتنكيل بهم بصورة قانونية. فجأة، يدرك نفتالي بينيت ويئير لبيد وافيغدور ليبرمان، بأن المال ليس كل شيء.
نظرية شمعون بيرس الليبرالية، التي تبنت السلام الاقتصادي لمحو فجوات أيديولوجية وطموحات وطنية بمشاريع مثل قناة البحرين، ثم رؤية مواصل دربه الأيديولوجي بنيامين نتنياهو، الذي مررت حكومته عام 2019 القرار 922 المخصص للجمهور العربي الإسرائيلي لأول مرة منذ إقامة الدولة 15 مليار شيكل، تبين الآن أنها خدعة أخرى للاستقواء، وعمياء ومتعالية. وهي خدعة تحاول طمس ومحو الأحلام الوطنية بدلاً من أن تقلص الفجوات.
جزء من الاستطلاعات التي أجريت في الأشهر الأخيرة أشار إلى محو “راعم” من الخارطة السياسية، ولكنها من جهة أخرى، لا تزيد قوة “القائمة المشتركة”. من المرجح أن ما حدث لشرقي القدس في الجولات الانتخابية الأخيرة، لم يكلف أكثر من الثلث منهم أنفسهم عناء الذهاب للتصويت، وهذا يحدث أيضاً لمواطني إسرائيل الفلسطينيين: فقدان مطلق للثقة بالمنظومة السياسية وقدرتها على التأثير في تحسين وضعهم.
إذا كان الأمر كذلك، فالتجربة لم تفشل. هي بحاجة إلى تجسيد وكينونة، سياسية ووطنية ومبدئية. التفكير بأن كل شيء هو مال هذا ليس غباء سياسياً فحسب، بل واستراتيجية لم تثبت نفسها في أي وقت من الأوقات.
بقلم: رون كحليلي
هآرتس 13/6/2022