في الجزائر… مُدن في عداوة مع الكتاب

حجم الخط
2

هناك فكرة مُخادعة يروج لها البعض، عن قصد أو غير قصد. فكرة يريد منها أهلها رفع الحرج عن القراء، بالقول إن الناس في الجزائر يقبلون على المعرض الدولي للكتاب، أنهم يهتمون بالكتاب وتلك الحقيقة، لكن هل الاهتمام بالكتاب يعني بالضرورة اهتماماً بالمطالعة؟ فذلك المعرض في كل مرة يعج بالزائرين، وغالبيتهم يأتون إليه قصد شراء كتب، يخرجون منه محملين بأكياس أو حقائب، وقد بات وجهة مهمة من وجهات الناشرين الأجانب، يتيح لهم تسويق عناوينهم، لكن شراء الكتب ليس دليلاً على قراءتها، وذلك هو جوهر القضية. فالجزائري لا يفرط في حقه في التزود بالمطبوعات، مع ذلك فإننا غالباً ما نسمع عبارات من قبيل: «لم يتح لي الوقت للمطالعة» «الكتب في انتظاري لكنني لم أطلع عليها بعد». إن نمط العيش في الجزائر يسير على إيقاع هندسة المدن التي يتوزع فيها البشر، يقيمون في الغالب في مساكن بحجم علب سردين ـ على رأي البعض من شدة ضيقها – وهي مدن في غالبيتها تفرض حياة غير ملائمة للفعل الثقافي، بل معارضة له.
فالمواطن يقضي يومه في ركض مستمر، من أجل بلوغ حافلة، من أجل الوصول إلى سوق أو الخروج منه، من أجل الظفر بموعد في مستشفى أو عيادة، أو من أجل الخضوع لفحص طبي روتيني، من أجل إتمام معاملة إدارية، من أجل الذهاب إلى العمل والرجوع إلى البيت، شكل حياة ضاغط، كما لو أننا محتجزون في فضاء مفتوح، نظراً إلى البنية الحضرية الهشة التي توفرها المدينة، بنية غير مكتملة، لا تأخذ في عين الاعتبار احتياجات الساكنة الثقافية، بل تفرض عليهم نسقاً يومياً متسارعاً، بحيث يصير لا يفكر سوى في العودة إلى مسكنه ـ في نهاية اليوم ـ وفي الاسترخاء استعداداً لليوم التالي. حياة تسلبه حقه في الممارسة الثقافية، فالمدينة الجزائرية ابتدعت من أجل عيش سريع، لا من أجل إقامة مكتملة المرافق.

في انتظار الطفرة

لم نستطع تحقيق الطفرة المرجوة في جعل المطالعة فعلاً اجتماعياً، نشاطاً عادياً من يوميات الناس، فهي لا تزال نخبوية، في بلد يُجاوز تعداده السكاني 44 مليون نسمة، على الرغم من بعض المحاولات المكررة التي تجهض غالباً في منتصف الطريق، من إنشاء نواد للقراءة، في كل قرية وكل مدينة، أو في السوشيال ميديا، ومن مراكمة الجمعيات الثقافية، التي لا يعدو فعلها ـ في ذروته ـ أكثر من شطحات تُرافق المناسبات الوطنية. لا يزال الكتاب سلعة شبه محرمة، نشتريه كي نكدسه في البيت، كما لو أن الإمساك به في مكان عام، في حافلة أو قطار أو في مقهى، يشبه القبض على الممنوعات.

غالبية الدول المتقدمة تفتخر بنجومها، في السياسة أو في الحرب، في الرياضة أو في الأدب، في الموسيقى أو الهندسة المعمارية، تشيد لهم تماثيل أو تطلق أسماءهم على شوارع، عدا الجزائر، لا نعثر على مهندس معماري يستحق التكريم، فالمهندس المعماري يبدو شخصاً غير مرغوب فيه

القارئ يترقب أن توجه له تهمة في أي لحظة. وقد تعددت الروايات في تعليل سبب انصراف الجزائريين عن القراءة، بين من يشتكي من أسعار الكتب، على الرغم من أننا لا نطالب القارئ سوى بعنوان واحد في العام، بينما هناك من يعزو الأمر إلى المدرسة، بينما مهمتها تعليمية وليست مجبرة على تخريج قراء، وهناك من يرجع السبب إلى سطوة الفكرة العقائدية، وما انجر عنها من أحكام بأن قراءة الكتب تبعد صاحبها عن الدين. وكلها أسباب لا تخرج عن التبرير الجاهز. كما لو أن هؤلاء المحللين للشأن الثقافي، الذين لا يختلفون عن محللي مباريات الكرة، يتيحون لأنفسهم الوصاية على العقول، لا يريحهم سوى إلصاق التهمة بالقارئ، نعته بالكسل واللامبالاة، يرمون عليه الحجة ويحملونه وزر معارضة المكتبات القليلة الموجودة. يريدون منه أن يصير كبش فداء وفقط، متغافلين في السياق عن واحد من الأسباب الأكثر الجوهرية، التي أدت إلى تراجع المقروئية، ونقصد منها هندسة المدن الجزائرية، لاسيما منها المدن التي شيدت أو طورت بعد الاستقلال (1962) التي بُنيت ضمن أفق يعادي الثقافة في مجملها، لاسيما فعل القراءة، مدن لم يراع في تشييدها بعداً ثقافياً، مدن اتخذت شكل مراقد يلجأ إليها البشر للنوم لا أكثر، مثل فئران تفر إلى الظلمة.

هندسة ضد الفن

من بين اليقينيات المتعارف عليها في الجزائر أن الناس لا يهتمون أيضاً بالفنون التشكيلية. المعارض في الغالب شبه خالية، لا يرتادها سوى فنانين وقلة نادرة من مسؤولين لا يأتون سوى ساعة الافتتاح، لسنا نعرف فناناً تشكيليا واحداً بوسعه أن يكسب قوت يومه من الفن، أو عرض اللوحات، لا توجد سوق فنية ولا غاليرهات تغامر بفتح أبوابها طوال العام. كيف نقنع الجزائري بالالتفات إلى لوحة بينما هو يعيش في مدن مشوهه عمرانياً؟ مدن تتسع فيها عشوائيات وتسودها لا عقلانية في تصور علو بناياتها أو أشكالها. هذا الجزائري الذي يرى الفوضى من حوله وقد تآلف معها، يعيش في شوارع تزداد ضيقاً كل مرة، بسبب توسع أصحاب البنايات على حساب الفضاء العام، ويندر فيها الاخضرار، ثم نريد إقناعه بحضور معرض أو اقتناء لوحة! هذا التشوه المعماري، الذي نتفادى الحديث عنه، فالناس إذا تكلموا عن مدينتهم فإنهم يتكلمون عنها بصيغة الماضي، بالحنين إلى شكلها في ما سبق، يكاد يصير القاعدة والناس رغم إنكارهم له فقد تأقلموا معه، هو واحد من الأسباب الأساسية التي تجعل من الفعل الثقافي فعلاً مغيباً، أو بالأحرى فعلاً ممنوعا، لا يطابق وجه النهج الحضاري الذي نحيا فيه. غالبية الدول المتقدمة تفتخر بنجومها، في السياسة أو في الحرب، في الرياضة أو في الأدب، في الموسيقى أو الهندسة المعمارية، تشيد لهم تماثيل أو تطلق أسماءهم على شوارع، عدا الجزائر، لا نعثر على مهندس معماري يستحق التكريم، فالمهندس المعماري يبدو شخصاً غير مرغوب فيه، والمعمار بات فناً لم يلق من يلتفت إليه، فتشييد المدن أو توسيع تلك التي خلفها الاستعمار يخضع في الغالب إلى اعتبارات سياسية واقتصادية لا إلى مشورة مختصين، كما أن المواطن يحتكم في خياره إلى بناء لا إلى مهندس، المهم بالنسبة له الإسمنت والحديد، المهم أن يستر حاله خلف جدران ما يُشبه بيتا بغض النظر عن العوامل الخارجية الأخرى.

روائي جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية