المقاطع المتداولة والمجتزأة من مقابلة مع الممثل السوري نجاح سفكوني على مواقع التواصل الاجتماعي تدفع المرء دفعاً لمشاهدة المقابلة الإذاعية المصورة كاملة (حوالى ساعة ونصف). تصريحاته أعطت الانطباع بأن الرجل (اليائس مثل عموم السوريين) فتحَ النار على الآخر، ولا بدّ أنه أصاب حقيقة ما، لا بدّ أنه داس في بطن النظام. تعامل الجمهور مع شهادة الفنان على أنها وثيقة جديدة تفضح العصابة وتجلياتها المافيوزية في مجال الثقافة والفن.
«الفنان لا يستطيع، وإن كان موهوباً، أن يفعل شيئاً، لوحده. هناك جهات، لكن غير مرئية؛ مثلاً ابن أحد الأمراء يحب الممثل الفلاني، فيأمر الأمير بجلبه ليسلّي الصبيّ، يستضيفه شهر زمان. وهذه واقعة حدثت بالفعل».
«هناك أيضاً جهات داخلية، أناس في مركز القرار، يستطيعون تصديرك بالطريقة التي يريدونها»، يضيف الفنان، ويتابع: «ليس لدينا منتِج وطني. هم تجار، ليسوا شرفاء». وهنا تحدث عن منتِج تُفتَح له سجون صيدنايا (السجن الأفظع لمعارضي النظام بعد تدمر) ليصور فيها، «في وقت لا نجرؤ على الاقتراب (من السجن) على بعد 50 كم. هناك ناس مغطايين». (نحسب أن المقصود هنا هو نجدت أنزور، فلم تُفتح لغيره سجونٌ كي يعمل منها مسلسلات).
جاء حديث الفنان لاذعاً أكثر لزملائه، أرباب الكوميديا «السّقيلين»، كما يصفهم بالعامية السورية، والمنتجين التلفزيونيين، ونقابة الفنانين، أما في ما يخص النظام، فقد تحدث عن الفساد والنهب والاستغلال، وغياب نموذج مضيء في الواقع، قدّم نفسه كمواطن بلا حقوق، ورجل خائف، أكلتْه «الأزمة»، ودمّرت حياته.
كشف الرجل عن سيرته الذاتية على أنها قصة كفاح؛ جاء دمشق ببضعة ليرات، ولم تستقبله، استعصت عليه (مثّلها بقبضة يد مغلقة. وطبعاً، مبكراً كانت مدينة بلا قلب!).
صار الممثلَ المشرّدَ الذي نام لسنتين في حديقة السبكي العامة، وتقاسمَ مع سكانها الهامشيين الليلَ والفرّوج. نامَ على سطح فندق رخيص بالقليل الذي يحمله من النقود. طُرد، تقريباً، من أعمال تلفزيونية لأنه لا يعرف المجاملة، ولا المداهنة.
كلمة السرّ في ثورة نجاح سفكوني المتأخرة هي في عبارة جاءت في ختام اللقاء: «أنا ما فارقة معي بنوب. أنا خالص».
كلمة السرّ في ثورة نجاح سفكوني المتأخرة هي في عبارة جاءت في ختام اللقاء: «أنا ما فارقة معي بنوب. أنا خالص».
لا بدّ أن المرء يشعر بنوع من التعاطف مع رجل، أياً كان، خيّبته الحياة على هذا النحو، انتظار وراء انتظار، أمل وراء أمل، كل مساء من مساءات سنواته السبعين (مواليد العام 46) يقول لنفسه قد يكون غداً يوماً آخر، وحتى لو لم يأت الغد الأجمل، فإن لديه من المال (لم يصرفه على ملذاته الشخصية كباقي الزملاء) قد يكفيه لآخرته، لكن الحرب جاءت، وبدّدت كل شيء.
إنه اليوم نادم على اختياره المهنة، يتمنى لو أنه في مكان آخر غيرها.
لكن ثمة خيبة صغيرة هنا، غضبة نجاح سفكوني وثورته ليست نبيلة بما يكفي لتداولها والاعتداد بها. في قلب كلامه نفسه تشعر أن الدافع ليس الثبات على المبدأ، فهو ينال من أنزور، ويغفل اسمه، وفي مكان آخر، يعلن أنه مدين له.
ينتقد مسلسل «الهيبة» (مسلسل التشبيح والمخدرات)، كيف كُتب وكيف اشتُغل، لكنه لا ينكر جودته، على الأقل الجزء الأول الذي شارك فيه بدور خال الجبل (تيم حسن). يعلن انتماءه للفن الأصيل، لكنه ظلّ مع «باب الحارة» حتى النسخة 12! ثم لا يتردد في القول إنه يعمل من أجل «المصاري»، وكأنها مسلّمة من مسلمات الحياة.
ألديك أمل؟ يُسأل سفكوني، فيجيب بالنفي. لا يستطيع المرء أن يكون آملاً ما دامت جورتا الماء المالح على دوار في اللاذقية وعلى مفرق في ضاحية قدسيا الدمشقية مفتوحتين في وجه الناس.
هذا هو نقده الأقصى والأقسى للوضع.
ريما الرحباني لن تترك ستراً يغطي العائلة الرحبانية. لقد كشفت أخيراً عن فيديو لسماحة السيدة فيروز (بالإذن ممن نحتَ اللقب)، تورد فيه تفصيلاً من علاقتها بعاصي الرحباني قد يكون كافياً لإعطاء انطباع عن الجزء الباقي من السيرة. تتحدث مغنيّتنا الأحب كيف كان عاصي يمنعها من تحية الجمهور على الخشبة سوى مرة واحدة: «كان يمنعني ارجع عالمسرح (لتحية الجمهور أثناء تصفيقه). بالآخر قد ما الناس تخمين قالت له لازم ترجع تحيي الناس. وأنا ما كنت اسأل، لأنه متل ما كان يقول كنت نفّذ. كنت آمن بكل شي يقوله. ما كنت شارعه بشي. معجبة بآرائه وأفكاره، رغم أنه كان قاسي وما يقبل النقاش. بس مهم. في نبل بتصرفه. وهالشي نقل لي ياه».
يحق للأيقونة أن تظل أيقونة، لا يزحزحها حبها لنصر الله، وأن تجتمع ببشار الأسد بلقاء عائلي حميم برفقة ابنتها، بعيداً عن أعين الكاميرات والإعلام واعتراضات الاستقلاليين اللبنانيين غداة اغتيال الحريري..!
عَبَدَة السيدة لن «يشارعوا» أيضاً في كلام زهرة الحرية اللبنانية، سيتناقلون الفيديو، مع احتفاء بكل تنهيدة، وبكل إيماءة. ربما يحق للفنان، إن كان ملهماً وعبقرياً كعاصي خصوصاً، أن يكون ما يشاء. ربما من حق المغنية التي صنعت صباحاتنا ومساءاتنا وعذوبة أيامنا وقصص حبنا واحتلت الوسائد والكتب والحدائق وفناجين القهوة والمخيلات أن تقول ما تشاء!
يحق للأيقونة أن تظل أيقونة، لا يزحزحها حبها لحسن نصر الله (كما أعلن ابنها ذات مرة)، وأن تجتمع ببشار الأسد بلقاء عائلي حميم برفقة ابنتها، بعيداً عن أعين الكاميرات والإعلام واعتراضات الاستقلاليين اللبنانيين غداة اغتيال الحريري، المعترضين أساساً على غنائها في دمشق.
لو تتكلم الأيقونة أكثر، لعرفنا أشياء عن تل الزعتر، ورحلات الأسرة الرحبانية إلى دمشق والضاحية الجنوبية.
لكن قلة الكلام من شروط الأيْقَنَة.
تكلّمي أيتها الأيقونة.
حتى يوم أمس، كان المرء يظن أن نظريات وأقاويل المؤامرات الكونية كانت عفو خاطرِ ملايين الممانعين، ومن في حكمهم. كنا نظن أنها تحصيل حاصل للتوحش والبروباغندا والتخويف ونقص المعلومات، وتكرار أخرى مزيفة وسواها مما يسهم في تزوير الوعي، لكن تقريراً نشرته «القدس العربي»، نقلاً عن «الأوبزرفر»، أكد أن روسيا دعمت شبكة لنشر نظريات المؤامرة في سوريا. «آلاف من التغريدات التي تحتوي على معلومات زائفة بهدف تشويه واقع النزاع في سوريا، وزيادة تردد المجتمع الدولي في التدخل بالحرب».
كان هناك، على ما يبدو، ثلاثة أهداف لـ «الشبكة»، و»هي مهاجمة وتشويه عمل متطوعي الدفاع المدني ومنظمتهم الخوذ البيضاء، والتركيز ثانياً على استخدام النظام السوري للسلاح الكيماوي، من خلال نفي ذلك أو تشويه المعلومات عنه. وثالثاً مهاجمة المنظمات الدولية التي تحقق في الأسلحة الكيماوية».
لا يخطر في البال الآن موالو النظام السوري والممانعة عموماً، بل المحسوبون على المعارضة السورية، الذين كانت الخوذ البيضاء شغلهم الشاغل، ووجدوا ضالتهم حين سُمح لمجموعة محاصرة من الخوذ في الجنوب السوري، وبتنسيق من الأمم المتحدة أن يمروا من فلسطين كمعبر وحيد للنجاة في طريقهم إلى الأردن. الشيء الوحيد الذي كان يمكن أن يرضي المعارضين المتذاكين حينذاك أن يقع هؤلاء ضحايا أسر، أو مجزرة ترتكبها قوات النظام.
ليس من الواضح أن شبكة نظريات المؤامرة آلت إلى التقاعد.
كاتب فلسطيني سوري