بدأت حكومة السنة الواحدة حياتها بعرض رقيق ومنعش، وأنهت حياتها بعرض لا يقل رقة ولا ثناء. فقد سعى بينيت ولبيد ليثبتا للإسرائيليين بأنه يمكن انتهاج سياسة أخرى. والجهد جدير بكل ثناء، لكن الوقوع في الخطأ محظور: ما هكذا سارت حكومتهما في الأسابيع الأخيرة، وما هكذا ستسير حملة الانتخابات التي على الأبواب. اللطف والسياسة لا يسيران معاً، ولا حتى في الدانمارك. لا ينتصر الناس في الانتخابات باللطف.
الأشهر الأربعة التي أمامنا ستكون وحشية ومغرضة ومثيرة للشقاق. فالأحزاب في كتلة نتنياهو جائعة للحكم. والأحزاب في الائتلاف المنصرف ستقاتل أيضاً على نصيبها في الحكم، وكذا على وجودها. وصاحب المعدة الضعيفة يجمل به الابتعاد عن السياسة في هذه الفترة.
لقد عرض لبيد وبينيت أمس إنجازات حكومتهما. الإنجازات ذات مغزى، وخصوصاً مقارنة بحكومة الشلل السابقة. أما هذا فلا يمنع نتنياهو من أن يقرر بأنها “الحكومة الأكثر فشلاً في تاريخ الدولة”، وهي جملة أخذها بكاملها من الدعاية ضده في الماضي. أما الحقائق، مثلما أجاد نتنياهو في شرح شهادته في المحاكمة التي يديرها ضد أولمرت، فلا تلعب دوراً في الدعاية الانتخابية.
إن الجدال على إنجازات الحكومة المنصرفة هو اللعبة الأولية. ستتركز حرب الانتخابات على ما يبدو في محورين آخرين. الأول، اليهود مقابل العرب. فالليكود سيدعي بأن ضم حزب عربي إلى الائتلاف خطيئة لا تغتفر، وخيانة للوطن. فاستطلاعاته تشخص في الجمهور اليهودي كراهية وشهية للثأر تجاه الوسط كله. وخصوصاً الخوف الذي يتغذى بالعمليات التي كانت، وبغسل العقول في الشبكات. ما هو خير لليمين المتطرف في أمريكا وأوروبا خير لإسرائيل أيضاً. ستعرض الكتلة المضادة بالمقابل بن غفير وسموتريتش. في النهاية، سيتلخص الجدال في مسألة بسيطة: ممن تخاف أكثر، من منصور عباس أم من ايتمار بن غفير. ستكون لهذا الصراع آثار ليس فقط على الجمهور اليهودي، بل على المجتمع العربي أيضاً. نسبة تصويت متدنية في الوسط تعمل في صالح كتلة نتنياهو. وضع العرب في المركز كفيل برفع نسبة التصويت.
المحور الثاني هو نتنياهو. وبخلاف التوقعات، فإن السنة التي انقضت منذ الجولة الرابعة لم تقلل بصفتها هذه مركزية نتنياهو في الخطاب السياسي، فاسمه يعمل في صالح المحورين: نتنياهو يرفع الطاقات ويجلب الأصوات لكتلته أيضاً، وكذا للكتلة التي ترفضه.
إن الصراع بين الكتلتين مصيري، لكن الانتخابات في إسرائيل لا تجري كصراع بين كتلتين. أولاً، الائتلاف المنصرف ليس كتلة واحدة، فهو يضم ثمانية أحزاب متخاصمة: و“ميرتس” و”العمل” يقفان على مفترق طرق؛ إما أن يسفك أحدهما دم الآخر، أو يندمجا، أما ميراف ميخائيلي فترى نفسها كوريثة رابين، وغانتس كالخصم الأساس لها في صندوق الاقتراع. وستسفك دماء في الجبهة حيال غانتس أيضاً. ناخبو “ميرتس” والعمل كفيلون بأن يقفزوا عن الحزبين ويذهبوا إلى لبيد، رئيس الوزراء المرشح، هو الوحيد في الكتلة الذي تعزز في هذه السنة، وسيتعزز أكثر في السنة القادمة.
الأمر الأول الذي سيفعله، بحكمة، كرئيس للحكومة الانتقالية، أن يأخذ قافلته المحروسة إلى مجال بلفور ويستوطن هناك. أخطأ بينيت حين بقي في رعنانا. وقد شاهد لبيد من الجانب واستخلص الدرس.
هذا لن يعفيه من التنافس مع غانتس. سيتعين على الرجلين أن يشرحا للناخبين لماذا يعد كل واحد منهما أفضل من نظيره. أما بينيت فسيتعين عليه أن يقرر ما إذا كان سيتنافس في الانتخابات أم سيمكث في بيته. وسيضطر ساعر لتقرير ما إذا كان سيتحد مع ما سيبقى من “يمينا”. وينطوي الحسم في داخله على المال والقوة والأنا. سيتنافس منصور عباس مع حملة عاصفة من المشتركة.
كتلة اليمين تخضع لإمرة رجل واحد – نتنياهو، وهذا فضل كبير في حملة انتخابات. الشارع الحريدي معه، والسياسيون والحاخامون يسيرون خلف الشارع. ومع ذلك، فإن الكتلة أقل وحدة من صورتها.
المواجهة الأولى – شاس حيال “عوتسما يهدوت” (قوة يهودية). في شاس فهموا أن بن غفير، وليس درعي ولا حتى نتنياهو، هو محبوب الشباب ذوي القبعة السوداء في بلدات التطوير، والمدارس الدينية الحريدية الشرقية، وفي الأحياء داخل المدن. فزع درعي، وأطلق الحاخام الرئيس السفاردي (الشرقي)، إسحق يوسف، للتهجم على بن غفير. شعبية الكهاني تتغلغل أيضاً إلى الساحات الحسيدية الأشكنازية. وهي تنخرط في الميل القومي المتطرف الذي يمر كالحريق في حقل الأشواك في الوسط الحريدي. ليس صدفة أن يصر السياسيون الأشكنازيون على تسمية الكتلة “الكتلة الإيمانية”، فالتسمية التي تبناها الليكود، “المعسكر القومي” لا تستقر لهم جيداً.
أمس حرص الرجال في كتلة الليكود على المجيء إلى الكنيست بالبدلات الرسمية الأفضل لديهم وبربطات العنق الفاخرة. رائحة الحكم، ورائحة المكاتب المستقبلية، والحاشيات، ومجموعات الضغط، ورائحة القوة للعطاء والأخذ، كلها عبقت في أنوفهم. هم مشتاقون.
إذا ما وصلت كتلة اليمين إلى الـ 61 مقعداً المنشودة، فسيحسن نتنياهو صنعاً إذا ما أقام حكومة 61 فور الانتخابات، وسن القوانين التي تضعف المحكمة العليا وجهاز القضاء كله، مما سيحرره من مشاكله القضائية. بعد ذلك، سيتوجه إلى كتل المعارضة، داعياً إياها للانضمام إلى حكومته. أنقذوني من سموتريتش وبن غفير، كما سيهمس نتان ايشل، رسوله الخالد. الدولة في خطر، وسينصتون.
بقلم: ناحوم برنياع
يديعوت أحرونوت 21/6/2022