الإسبانية نورية كارسيا مسيب تبدع في الخط العربي

تتميز الخطاطة الإسبانية نورية كارسية مسيب بتجربتها المتميزة في مجال فن الخط العربي، لتشكل مساحة فنية جديرة بالمتابعة والنقد، فمسارها الفني غني بالجماليات التي تخلف بصمتها الخاصة في فن الخط، لتتمتع أعمالها بإيقاعات الحروف العربية ومختلف المنمنمات. فهي تمزج في منجزها الفني بين جماليات الخط العربي وبين مختلف الأساليب الفنية، وفق أشكال جمالية معاصرة مدججة بالزخارف أحيانا. وفي هذا السياق؛ تنجز العديد من اللوحات الخطية بأسلوب فني تتقصد فيه الضبط والتقييد بالقواعد الصارمة باعتبارها قاعدة أساسية لتمرير أشكال الحروف وتقديم منجز فني منظم، تعتمد فيه التعبير بحركات تبسط أشكالها بأقل كمية ممكنة في الفضاء. وبذلك فهي تحقق أشكالا جمالية متنوعة، إذ تقدم ابتكارات في الشكل، وتنويع في التموقع اللوني والحرفي أفقيا وعموديا، علويا وسفليا، دائريا ومعينا ومربعا ومستطيلا داخل الفضاء؛ مع التقيد بمقومات العمل الخطي والمحافظة على رونقه وعذوبته التي تتحول إلى مكونات جمالية تسهم في بسط نوع من التوازن الإبداعي وصنع بؤر جمالية لها مكانتها في العمل الفني.

إن أعمال المبدعة كارسيا تحمل خصائص فنية ذات جودة أندلسية، وذلك ناتج عن استلهامها من عناصر الخط العربي بالأندلس كل الغايات الإبداعية المفيدة، ومن جمالياته كل حركياته وسكناته وكتله وتركيباته واسترسالاته وتدويراته وكل أساليبه الفنية التي تلتصق في المعمار الأندلسي. ومن ضوابطه وتقاييده عمليات التوظيف المحكم للحروف والشكل والنقطة والمساحة، وتوزيع اللون والزخارف والتركيب الحروفي في نسقه الفني البديع، فتتبدى الجماليات في صور حسية وبصرية رائقة. إن تجربة الفنانة كارسيا تتحقق في لغة خطية دالة على مناحي تعبيرية تتولد عن مجموعة من العلائق المرتبطة أساسا بالتراث الحضاري العربي الأندلسي، برمزيته التي تغذي تجربتها الفنية والجمالية بتعدد اتجاهاتها، وبكل ما تشكله الحروف لديها داخل المنظومة الخطية وداخل أعمالها من أنساق حضارية بتكويناتها وبنائاتها الفنية، وإن ذلك في عمقه سعي للوصول بالحروف في إطارها الرمزي المجرد إلى قيمة فنية بذاتها، وقيمة جمالية في نسيج الحروف المركبة، تتبدى في تراكيب بديعة متناسقة، تتمتع بإيقاعات وتبادلات واسترسالات واستدارات تؤطرها مختلف الصيغ الجمالية ذات القيم التعبيرية والأشكال الدلالية التي تحمل مفرداتها الفنية أبعادا رؤيوية وتصورية تؤطر العمل الفني في مجمله. فهي الباحثة والفنانة والمثقفة التي تحصلت على الإجازة في الخط العربي سنة 2007 وتحصلت على جوائز دولية، كما أنها حاصلة على الماجستر في تاريخ الفن، ما خول لها أن تطور الاستعمالات التقنية، وتوظف مفردات الثقافة الخطية بكل مكوناتها الجمالية على نحو من التدقيق الفني، بإحداثات فنية تجعل حضورها قويا في الساحة الخطية العالمية، خاصة وأنها تروم التجديد وخلق انسجام خطي يتماشى مع متطلبات المجال الفني المعاصر، الشيء الذي يحدث في أعمالها أنواعا متفردة من الجماليات في صيغها الفنية، حيث تأخذ الألوان قسطا كبيرا من التدرج في الفضاء في انسجام تام مع جماليات التركيب. ما يبعث نبضا وحركة داخل النسق الخطي الفني التعبيري البديع، الذي تتبدى فيه تفاعلات تُشعر القارئ بالنشوة الفنية في بعدها الجمالي. إنها صورة تؤكد تمظهرات العمل الخطي في أسمى تجلياته، وفي أبهى تناغماته بقدر ما جادت به تقنيات المبدعة وأسلوبها الفني الرائق من فنيات تزكي المسلك التعبيري بمفردات معاصرة بديعة، وتزكي في الآن نفسه طقوسها الخطية التي تحيل على القيم الجمالية التي تسعى من خلالها إلى تشكيل نسق خطي بصري يحضن مختلف المكونات الجمالية بنوع من المرونة والتدقيق والضبط والتقييد بالشكل العام للأنواع الخطية، ما يخول لها التحكم في الفضاء بتجربتها العالمة وخبرتها التي تقود بها مسيرتها الإبداعية.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية