القاهرة ـ «القدس العربي»: تقيم وزارة الثقافة المصرية احتفالية بعشرينيات القرن الماضي، الذي شهد طفرة فكرية وثقافية وفنية، شكّلت قيمة كبيرة للوجود المصري الحديث، تلك التي لم نزل نتغنى بها ونستند إليها في المَلمّات. ومن ضمن هذه الفعاليات جاء معرض وندوة عن رواد عمارة تلك الفترة، وكذلك رواد الفن التشكيلي المصري. والمُطالع لهذه الأعمال يجد مدى التأثر بالفن الأوروبي والحضارة الغربية في المجالين، مع محاولة البحث وإثبات الهوية المصرية من خلال وعي وعلم جديدين، سواء عن طريق الفنانين والمعماريين الذين عملوا في مصر، أو من خلال البعثات المصرية إلى العديد من الدول الأوروبية. ويشهد على ذلك العديد من الأعمال، منها.. معهد الموسيقى العربية، نادى السيارات، مبنى وزارة الأوقاف، نادي الصيد، كنيسة قصر الدوبارة، فيلا أم كلثوم، مبنى دار الهلال، مقبرة سعد زغلول، محطة سكة حديد حلوان، والعديد من مباني حي السيدة زينب وباب اللوق.
عصر النهضة المصري
أقيمت احتفالية (رواد العمارة في عشرينيات القرن الماضي) في قاعة آدم حنين في مركز الهناجر للفنون، في دار الأوبرا المصرية. وتحدث في ندوتها العديد من المتخصصين والمسؤولين الحكوميين، على رأسهم وزيرة الثقافة المصرية. ولنستعرض كلمة المهندس محمد أبو سعدة رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، الذي أشار إلى أن الجيل الأول من خريجى كلية الهندسة والفنون الجميلة قد تأثر بأصحاب الثقافات المختلفة الموجودة في مصر آنذاك، مثل المعمارى الإيطالي أنطونيو لاشياك، والمجري ماكس هيرتز وماريو روسي وغيرهم، إلا أن ذلك الجيل استطاع أن يصنع بصمة للمعماريين المصريين متأثرين بالعمارة الإسلامية والفرعونية، فمع اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، بدأ الاهتمام بالعمارة الفرعونية مع إعادة صياغة مفرداتها. وقد ظهر ذلك جلياً على تصميم قبر الزعيم الراحل سعد زغلول، وكذلك محطة قطار الجيزة. ما خلق هوية عمرانية مصرية امتزجت فيها الحضارة الأوروبية مع الحضارة المصرية، إضافة إلى ذلك تم تأسيس جمعية المعماريين عام 1917 وجمعية المهندسين المصريين عام 1920.
لحد هنا والكلام تاريخي ومنضبط، ولكن بما أنه مسؤول حكومي، وتولى العديد من المناصب في وزارة الثقافة المصرية منذ عهد المخلوع وحتى الآن، فلا بد وأن يُقدم فروض الطاعة، فيضيف.. «إن هذا الثراء المعماري إنما هو انعكاس لثقافة الصحوة التى تصاحب كل ما يمرعلى مصر من عصور النهضة وما أشبه اليوم بالبارحة فها نحن نعيش صحوة جديدة تواكبها نهضة ثقافية جديدة وسيكون للعمارة كلمتها فيها». ويبدو أنه لا فارق عند سيادته بين عمارة العشرينيات وطوفان الكباري الذي شوّه شوارع مصر.

الهوية المصرية
من جانبها ترى سهير حواس أستاذة العمارة في هندسة القاهرة أن الطابع المعماري للأماكن يتوقف على هوية وثقافة الناس، فالتصاميم المختلفة ما هي إلا انعكاس للمعماريين الذين عملوا داخل مصر، وتميزوا بتنوع اتجاهاتهم الفكرية، لذا لا نملك طرازا معماريا ثابتا، بل أنماطاً مختلفة من النسيج العمراني داخل القاهرة. وذكرت حواس أن المعماريين الأجانب تأثروا بدورهم بوجودهم في مصر، ما انعكس على أعمالهم، مثل ماكس هيرتز وأنطونيو لاشياك، الذي استخدام النمط الإسلامي عند تصميمه مبنى بنك مصر. من ناحية أخرى رأت حواس أن التحول الكبير الذي حدث في هوية العمارة المصرية، تم عندما نحت محمود مختار تمثال نهضة مصر، فكان دافعاً للمعماريين المصريين لاستدعاء الطرز الفنية المصرية وعدم التأثر بالمدارس الغربية.
الفن التشكيلي ورواده
وفي ظل الاحتفالية نفسها يقام حالياً في قصر عائشة فهمي معرض بعنوان (الفن المصري في عشرينيات القرن الماضي) ليضم عدداً من أعمال ما يُقارب العشرين فنانا من الرواد، نذكر منهم مثالا.. محمود سعيد، يوسف كامل، محمد ناجي، علي الأهواني، إيمي نمر، شعبان زكي، راغب عياد، جورج صباغ، محمد حسن، شفيق شاروبيم، وأحمد صبري. ومع هذه الأسماء الكبيرة في الفن المصري، لا تخطئ العين مدى تأثرهم بالفن الغربي ومدارسه أسلوباً وتقنية، خاصة في رسم البورتريه والمنظر الطبيعي، وحتى إن كان موضوع هذه الأعمال ينتمي للبيئة المصرية وبعض من طقوسها.
محمود مختار رساماً للكاريكاتير
ومن اللافت في المعرض كشف جزء مجهول من تاريخ محمود مختار الفني، وتقديمه عدة أعمال من فن الكاريكاتير، التي قدمها في مجلة «السياسة» الأسبوعية، في عشرينيات القرن الفائت، قبل أن يتفرغ تماماً للنحت. وبالطبع وكعادة مختار، لم تنفصل رسوماته عن القضايا الوطنية والاجتماعية في المجتمع المصري، وعلى رأسها قضية الاستقلال، وشخصية زعيم الأمة سعد باشا زغلول.


