باريس ـ «القدس العربي»: «صفعة» أو»نكسة»… إلخ، هكذا وصفت الصحف والمحللون والمراقبون في فرنسا فقدان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، المُعاد انتخابه لفترة رئاسية ثانية، للأغلبية البرلمانية المطلقة، في سيناريو غير مسبوق في عهد الجمهورية الخامسة، ويفتح الباب أمام تساؤلات حول قدرته على حكم البلاد وإقرار إصلاحاته الموعودة. فأين تتجه الأمور في ظل هذا المشهد البرلماني الجديد في فرنسا؟
رغم تصدر معسكر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، المحسوب على الوسط، نتائج الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية الفرنسية التي أقيمت يوم الأحد الماضي، بحصوله على 245 مقعداً في الجمعية الوطنية، من أصل 577 مقعداً، إلا أن هذا الانتصار كان بطعم الهزيمة، كون هذا المعسكر فشل في الحفاظ على الأغلبية الرئاسية المطلقة (289 مقعداً) التي تمتع بها خلال الفترة الرئاسية الأولى لماكرون، في وقت حصد فيه تحالف أحزاب اليسار «الاتحاد الشعبي البيئي والاجتماعي الجديد» الذي نجح زعيم حركة «فرنسا الأبية» اليسارية الراديكالية جان ليك ميلانشون في تشكيله، على 131 مقعداً، بينما تمكن حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف من الظفر بـ89 مقعداً برلمانيا، ما يعد اختراقاً تاريخياً للحزب بعد وصول زعيمته مارين لوبان للجولة الثانية للانتخابات الرئاسية مرتين متتاليتين وخسارتها أمام إيمانويل ماكرون. أما حزبُ «الجمهوريون» اليميني التقليدي، فقد حصل على 61 مقعداً فقط، ليخسر مكانته السابقة كالقوة المُعارِضة الأولى في الجمعية الوطنية. ومن دون مفاجآت، امتنع عدد كبير من الفرنسيين عن المشاركة في الاقتراع (حوالي 54 في المئة) وإن كانت نسبتهم لم تصل إلى الرقم القياسي للامتناع عن التصويت المسجل خلال الانتخابات التشريعية قبل خمس سنوات.
أمام هذه النتائج التي أفرزتها الانتخابات التشريعية، والتي سَتعقد قدرة الرئيس ماكرون على التحرك، فإنه سيتعين على الأخير أن يجد تحالفات لتنفيذ برنامجه الإصلاحي في السّنوات الخمس المقبلة، وذلك بعد معترك انتخابي طويل أكد إعادة تشكيل المشهد السياسي الفرنسي حول ثلاث كتل كبرى على حساب الأحزاب التقليدية اليمينية واليسارية. وهو تحول بدأ مع انتخاب ماكرون رئيساً للبلاد في عام 2017. ويضع هذا التشكيل البرلمان في صلب اللعبة السياسية، في سيناريو لم تعهده البلادُ منذ عام 1958 ومن قبل في الجمهورية الخامسة، ويأتي بعد فترة رئاسية أولى لماكرون خيمت عليها أزمات كبرى، على غرار أزمة حركة «السترات الصفراء» وفي ظل سياق دولي متوتر يرخي بثقله على القدرة الشرائية للفرنسيين.
مشاورات للخروج من المأزق
يقضي التقليد بأن تقدم الحكومة استقالتها بعد الانتخابات التشريعية، وهو ما فعلته رئيسة الوزراء إليزابيت بورن، التي طالبت المُعارضة برأسها، في وقت لا تحظى فيه أيضا بالإجماع في صفوف الأغلبية الداعمة للرئيس. لكن الرئيس ماكرون رفض استقالتها، قائلاً إنها «ستبقى في منصبها لتتمكن الحكومة من متابعة مهامها والتحرك» كما جاء في بيان لقصر الإليزيه. وهو ما استنكرته أوساط في المُعارضة، حيث اعتبر اليسار الراديكالي أن الخطوة تعكس مدى «عمى الرئيس إيمانويل ماكرون حيال غضب الفرنسيين والإدانة التي وجهوها إليه».
في محاولة للخروج من المأزق الذي وضعته فيه الانتخابات التشريعية التي حرمت معسكره من الأغلبية المطلقة في الجمعية الوطنية، تشاور الرئيسُ إيمانويل ماكرون، بشكل منفصل، مع قادة الأحزاب المختلفة، والذين سيتعين عليهم، من الآن فصاعدًا، الجلوس تحت قبة برلمان لا تحظى فيه أي كتلة بالأغلبية المطلقة. وأكد قصر الإليزيه أن هذه المشاورات السياسية التي أجراها الرئيس الفرنسي مع رؤساء الكتل البرلمانية المُمثلة في البرلمان «ضرورية من أجل تحديد الحلول البناءة الممكنة لخدمة الفرنسيين».
وكان كريستيان جاكوب، زعيم حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي، الحاصل على 61 مقعداً برلمانياً، أول من تم استقباله في الإليزيه، حيث أكد هذا الأخير أنه قال للرئيس ماكرون: «لا مجال للدخول فيما قد يبدو خيانة للذين صوتوا لنا، سنبقى في المعارضة، ولا مجال أن نفكّر بأي اتفاق، وحزبنا لن يعرقل عمل مؤسسات الدولة الفرنسية». بدوره، قال أوليفييه فور، زعيم الحزب الاشتراكي، الذي خاض الاستحقاقات التشريعية ضمن تحالف «الاتحاد الشعبي البيئي والاجتماعي الجديد» اليساري، إن حزبه مستعد للمضي قدمًا مع الحكومة «إذا اتخذت إجراءات بشأن مسألة القدرة الشرائية ورفع الحد الأدنى للأجور». أما فابيان روسيل، زعيم الحزب الشيوعي، الذي خاض الانتخابات التشريعية هو الآخر تحت راية تحالف اليسار، فقد أشار إلى أن الرئيس إيمانويل ماكرون «ينوي تشكيل حكومة وحدة وطنية». وهو ما تحدثت عنه أيضا مارين لوبان، زعيمة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، التي أكدت أن رئيس الجمهورية أشار خلال اجتماعهما إلى إمكانية تشكيل حكومة وحدة وطنية.
تبادلٌ للكرة
غير أن ماكرون استبعد فكرة تشكيل حكومة وحدة وطنية، معتبراً أنها «غير مبررة حتى الآن» وذلك خلال كلمته المتلفزة المقتضبة التي ألقاها بعد التشاور مع القوى السياسية، والتي أقر فيها أيضاً بأن الاستحقاقات التشريعية أظهرت المشاكل الاجتماعية في البلاد، داعياً في الوقت نفسه أحزاب المُعارضة إلى التخلي عمّا وصفه بـ«الاقتتال الداخلي» و«تجاوز المصالح السياسية الضيقة» مشدداً على أنه في ظل عدم حوزة أي حزب على الأغلبية المطلقة، فإنه «سيتعين على الجميع معا إيجاد طريقة جديدة للحكم والتشريع».
وفيما يعد انطلاقة واضحة للعبة ليّ الذراع بين إيمانويل ماكرون والمعارضة، رمى الرئيس الفرنسي، الذي لم يعد يتمتع بالأغلبية المطلقة في قصر بوربون (مبنى الجمعية الوطنية) بالكرة في ملعب الكتل السياسية المختلفة في الجمعية الوطنية، وأحالها إلى مسؤولياتها، قائلاً إن الأمرَ متروك لها الآن لـ«توضّح بشفافية تامة» خلال الأيام المقبلة، إلى أي مدى هي على استعداد للذهاب من أجل «التشريع بشكل مختلف». وسرعان ما أعادت المُعارضة الكرة إلى ساكن الإليزيه، حيث انتقد السياسيون من مختلف الأحزاب دعوته الكتل البرلمانية إلى «توضّح إلى أي مدى هي على استعداد للذهاب».
إلى أين تتجه الأمور؟
أمام المشهد البرلماني الجديد، يجد الرئيس ماكرون نفسه أمام مجموعة من الخيارات. فمن بين الفرضيات المذكورة، استبعد إيمانويل ماكرون تشكيل «حكومة وحدة وطنية» لكن ثمة سيناريوهات أخرى محتملة، بما في ذلك تشكيل حكومة أقلية. فقد عرفت فرنسا بالفعل حكومات لم تكن لديها أغلبية مطلقة في الجمعية الوطنية (هناك حاجة إلى 289 نائبًا من إجمالي 577 نائبًا). بين عامي 1988 و1993 في بداية ولاية الرئيس الاشتراكي الأسبق فرانسوا ميتران الثانية التي دامت سبع سنوات، اعتمدت حكومات ميشيل روكار، ثم إديت كريسون، وبيير بيريغوفي، على أغلبية نسبية بلغت 275 نائباً برلمانياً. تمكّنوا من الحكم بفضل أداة قوية، منصوص عليها في دستور الجمهورية الخامسة: المادة 49.3 التي تسمح للحكومة بتمرير نص القانون بدون تصويت، من خلال تحمل مسؤوليتها، والتي لجأ إليها ميشيل روكار في 28 مناسبة بين عامي 1988 و1991. غير أنه منذ الإصلاح الدستوري لعام 2008 أصبح اللجوء إلى المادة 49.3 ممكنًا فقط في جزء واحد من التشريع لكل جلسة برلمانية (بالإضافة إلى التصويت على ميزانية الدولة والضمان الاجتماعي). لذلك لن يكون من الممكن تمرير جميع الإصلاحات بهذه الطريقة. وعلاوة على ذلك، خلافا للحكومات الاشتراكية في فترة فرانسوا ميتران، التي كان يحول بينها والأغلبية المطلقة حوالي 15 مقعداً برلمانيا فقط، فإن معسكر إيمانويل ماكرون الوسطي يبتعد اليوم عن الأغلبية المطلقة بحوالي 40 مقعداً، وهو ما يعني أن أي تحالف لمعارضيه سيسمح لهم بسهولة بقلب الحكومة في تصويت لحجب الثقة.
ثمة سيناريو آخر، وهو أن يتم اتفاق حكومي، على غرار ما هو معتاد لدى الألمان والإيطاليين أو الهولنديين، حيث يجبر ميزان القوى في برلمانات هذه البلدان الأحزاب على تشكيل تحالفات، وبالتالي تقديم تنازلات «برنامجية» وتقاسم السلطة. وكانت رئيسة الوزراء، إليزابيت بورن، قد قالت إن «الوضع السياسي هذا غير المسبوق في ظل الجمهورية الخامسة، يجبرنا على أن نجمع خارج كتلنا البرلمانية، مع البقاء في الوقت نفسه أوفياء للطموحات التي غذت مشروعنا». وشددت على أنه يجب العمل معًا من أجل البلد، على حد تعبيرها. ويبدو حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي الحاصل على 61 مقعداً في البرلمان، الأقرب إلى إبرام اتفاق حكومي مع الرئيس ماكرون. فقد دعا وزير الاقتصاد برونو لو مير، القادم من هذا الحزب، إلى «التواصل مع المسؤولين المنتخبين الذين يتشاركون نفس القيم» متحدثاً عن «العمل والأمن وأوروبا والمناخ». لكنه لم يذكر موضوع المعاشات التقاعدية، التي تعتبر واحدة من أوضح نقاط التقارب بين تشكيلتين تشتركان في هدف زيادة سن التقاعد. في مثل هذا السيناريو، سترحب الحكومة بوزراء من حزب «الجمهوريون» وقد تخسر إليزابيت بورن، بالتالي حقيبتها كرئيسة للحكومة.
لكن لا شيء يؤكد في هذه المرحلة أن قيادات حزب «الجمهوريون» سيقبلون مثل هذه الصفقة، لاسيما في ظل تباين المواقف داخل الحزب. فجان فرانسوا كوبي، عمدة مدينة مو والرئيس السابق للحزب، حين كان يطلق عليه حزب «الاتحاد من أجل حركة شعبية» يريد «اتفاقاً حكومياً» بينما ترفض القيادات الرئيسية للحزب القيام بذلك، بمن فيهم كريستيان جاكوب، الرجل الأول، الذي شدد على أن الحزب «سيبقى في المعارضة». في حين، قال أوريلين برادي، الأمين العام للحزب، الذي أعيد انتخابه نائباً في البرلمان: «لن نكون معارضة غبية وبغيضة، لكن لا يوجد أي سبب يدعونا للتحرك من أجل إنقاذ جلد إيمانويل ماكرون».
علاوة على السيناريوهات السابقة، قد يلجأ الرئيس ماكرون ومعسكره إلى تكتيك الحصول على الأغلبية على أساس كل حالة على حدة في حال فشلوا في الحصول على شريك حكومي، وذلك عبر الاعتماد على النصوص المقدمة إلى الجمعية الوطنية. وهو ما أشارت إليه أوليفيا جريغرار، الناطقة باسم الحكومة في وقت سابق. وهي خطوة قد تجذب قسما من نواب اليمين. في هذا السياق، قالت الوزيرة السابقة رشيدة داتي، وهي ليست نائبة في البرلمان: «سنقدم مقترحات ونتوقع أن تدعمها الحكومة». ووفقًا لها، فإن حزبها «الجمهوريون» سيكون «كتلة حاسمة». فيما قال المرشح الرئاسي السابق عن الحزب ميشيل بارنييه، إنه «في ظل الوضع الخطير الذي تجد فيه فرنسا نفسها، ستكون كتلتنا معارضة، مستقلة وحرة ومسؤولة».
أما السيناريو «الأخطر» فيتمثل في لجوء الرئيس ماكرون إلى حل الجمعية الوطنية – وهي سلطة أوكلها الدستور إلى رئيس الجمهورية، بعد التشاور مع رئيس الجمعية ورئيس مجلس الشيوخ -، في حالة حدوث أزمة سياسية (كما حدث في عام 1968) أو في حال أطاحت المعارضة بالحكومة عبر التصويت بسحب الثقة، كما حصل في عام 1962 عندما أرادت الأغلبية البرلمانية أن تعبر عن رفضها لرئيس الجمهورية، الجنرال ديغول، وإصلاحه الذي أدخل انتخاب رئيس الجمهورية بالاقتراع العام المباشر. وتم التصويت على سحب الثقة بأغلبية 280 صوتا من أصل 480 نائبا. غير أن الفرنسيين الذين صوتوا لتوّهم أربع مرّات، في الانتخابات الرئاسية والتشريعية بجولتيهما، بعد حملة طويلة، سيكون من الصعب جداً، من الناحية السياسية، دعوتهم مجدداً إلى التصويت بدون سبب استثنائي. زد على ذلك أن استطلاعاً للرأي أجرته مؤسسة BVA لإذاعة «ر تي ل» الفرنسية بين أن 56 في المئة من الفرنسيين راضون عن التشكيلة الجديدة للجمعية الوطنية، التي لا يحظى فيها أي معسكر بالأغلبية المطلقة.