كان آخر عهد الفنان الكوميدي محمد صبحي بالسينما المصرية فيلم «بطل من الصعيد» الذي قدمه مع المخرج شريف حمودة عام 1991 والذي توقف بعده نهائياً عن النشاط السينمائي وكثف كل جهوده في المسرح الذي أخذ منه وقتاً طويلاً وأنجز من خلاله أعمالاً مهمة مثل «الجوكر» و«الهمجي» و«ماما أمريكا» و«بالعربي الفصيح» و«تخاريف» و«وجهة نظر».
وعلى قدر إخفاقه السينمائي كان تميزه المسرحي الذي سار بالتوازي مع أعماله الدرامية ذات الطابع الكوميدي الخاص، رحلة المليون ويوميات ونيس وفارس بلا جواد وأنا وهؤلاء وغيرها.
وبعد انقطاع دام أكثر من ثلاثين عاماً عاد الفنان الكوميدي الكبير ليُعلن عن رجوعه مُجدداً للسينما، بفيلم وصفه بأنه يحمل فكرة جديدة لم يتطرق إليها أحد من قبل، ولم يُفصح عن التفاصيل واكتفى فقط بذكر العنوان الذي اختاره وهو «المُعادلة صفر» منوهاً عن اسم الكاتبة أمينة مصطفى صاحبة السيناريو والحوار، وموضحاً أن الإخراج سيكون لأميرة الرفاعي، في تعاون إنتاجي مُثمر على حد قولة مع الشركة المُتحدة للخدمات الإعلامية التي تعاقدت معه أيضاً على عمل درامي سيتم إنتاجه قريباً تحت عنوان «رحلة مجنون» وهو نوعية مُختلفة من المُسلسلات التلفزيونية تقوم أحداثها على تأثير الثروة الضخمة على الإنسان الذي عانى من آلام الغُربة وابتعد عن بلاده طيلة 25 عاماً ورُزق بأموال تقدر بنحو 2 مليار جنيه ماذا سيفعل بها وكيف يستغلها؟ تلك هي التفاصيل التي تُنبئ عنها الحلقات في حينه.
وفي ذات السياق أعرب صبحي عن سعادته بالتعاون مع شركة الإنتاج المذكورة على الجانب المسرحي، إذ يتم حالياً تصوير مسرحية بعنوان «نجوم الظهر» لعرضها على المنصة الإلكترونية للشركة في أيام عيد الأضحى خلال الفترة المقبلة لتكتمل الرؤية الإبداعية الجديدة لمشروعات صبحي الفنية في إطار حماسة لتقديم الجيد والمُفيد بعيداً عن الإسفاف والابتذال الذي ملأ المنصات وغطى على الإسهامات القليلة المتميزة فأساء إلى المنظومة الإبداعية برُمتها.
لقد تضمنت تصريحات الفنان محمد صبحي نقطة مُلفتة للغاية، حيث برر ابتعاده عن السينما طوال الفترة الماضية بانتشار أفلام المقاولات وهذا التبرير بالذات كان محل نقد شديد كونه غير دقيق ولا يتفق مع الواقع، فمحمد صبحي اختتم مسيرته السينمائية في فترة التسعينيات بفيلم «بطل من الصعيد» وهو واحد من أفلام المقاولات التي يهاجمها ويعتبرها سبباً في ابتعاده عن المجال السينمائي، غير أن معظم أفلام الفنان المسرحي الكبير تنتمي لهذا الصنف المُسمى بأفلام المقاولات المرفوضة بشدة من جانبه!
وعلى الرغم من وجود بعض العينات المتميزة من الأفلام التي شارك فيها صبحي أو قام ببطولتها، إلا أن غالبية أعماله لم تكن تماثل في مستواها ما قدمه للمسرح الذي أولاه اهتماماً كبيراً، وربما لهذا السبب جاءت تصريحاته في هذا الصدد مُدهشة وغير منطقية. فذاكرة الجمهور لم تسقط منها العلامات التجارية لأفلامه الشهيرة كـ»علي بيه مظهر» و«العبقري خمسة والمشاغب ستة» و«أونكل زيزو» و«الفلوس والوحوش» و«أين المفر» و«الشيطانة التي أحبتني» و«العميل رقم 13» إلى آخره.
كما أن الأفلام الجيدة التي لعب فيها الفنان أدواراً متميزة لا تزال محفورة أيضاً في الذاكرة ومحل تقدير وإعجاب كبيرين من ملايين المُعجبين بفنه وأدائه التمثيلي، فلا يُمكن إغفال وتجاهل الأدوار والشخصيات المهمة التي قدمها في أفلام مثل «الكرنك» أو «أبناء الصمت» أو «بالوالدين إحسانا» فبرغم صغر المساحات التي أتيحت له في هذه الأعمال إلا أنها تُمثل علامات فارقة في مشواره السينمائي، ولو صحت المقارنة بينها وبين البطولات المُطلقة التي حصل عليها في النوعيات التجارية المُشار إليها سلفاً سيكون الحُكم بالطبع لصالح الأدوار الثانوية، فالجودة والإجادة لا تُقاس بحجم الدور والمساحة، وإنما بالتأثير الذي تركه الممثل لدى المُتلقي حتى لو كان ظهوره عابراً على الشاشة.
وغاية هذا الاستشهاد في الرد على الفنان محمد صبحي ليس بالقطع التقليل من حجم إسهاماته السينمائية، وإنما هو محض وقوف على المحطات الرئيسية في مشواره وأهم نتائج الحصاد في رحلة الفنان المُهم والمسؤول والذي يحرص دائماً على دقة المستوى في ما يقدمه، لا سيما إذا وجد الفرصة وتهيأ له المناخ الملائم، وهذه الثقة هي ما يتم التعويل عليها في تجاربه الجديدة مع الشركة المُتحدة كجهة إنتاج، سواء في الفيلم المُنتظر «المعادلة صفر» أو في مسلسل «رحلة مجنون» أو مسرحية «نجوم الظهر» ذلك الثلاثي الإبداعي مُتعدد النوعيات والمضامين.