أيال ودفنه – هو من رجال “الهايتيك”، وهي صاحبة مشروع تجاري صغير لتصميم المجوهرات – قررا قبل نحو شهر مغادرة إسرائيل مع أولادهما الثلاثة. قبل لحظة من عودة كورونا، اشتريا، بمبلغ 70 ألف يورو، بيتاً حجرياً قديماً يبعد مسافة 20 دقيقة عن ميلانو، وينويان إعادة ترميمه. في الساحة الكبيرة بين أشجار الخوخ، ينويان بناء ثلاثة أكواخ سياحية صغيرة. ستدير دفنه مشروع العائلة، وسيواصل أيال العمل في شركة “الهايتيك” المتوسطة التي هو شريك فيها، وسيكون معها على الخط.
حاييم وعنات أيضاً – هو مدير مركز الأمراض النفسية، وهي معلمة لغة إنجليزية – قررا مغادرة البلاد مع ابنهما الشاب. ابنتهما البالغة ستبقى في إسرائيل في هذه المرحلة. وقد تزوجت قبل نصف سنة فقط. الوجهة تايلاند. بثمن أجرة شقتهم في تل أبيب يمكنهم العيش بصورة غير سيئة في جزيرة جميلة والتحضير للشيخوخة.
الجميع يتحدثون عن الهجرة من البلاد، المغادرة أو الترك. تحولت تل أبيب إلى المدينة الأغلى في العالم، وتحولت سلة المشتريات الأساسية إلى كماليات، وتحولت الشقة المسجلة في الطابو إلى كابوس. جهاز التعليم انهار، المواصلات العامة متعثرة، والصحة والرفاه والشرطة وجهاز القضاء، تحتضر. لا نريد الحديث عن شعارات “الموت للعرب” التي لم تعد في الهامش، بل في مركز المدينة، وعن الهرولة نحو اليمين، وعن التعصب اليهودي، وعن الفجوات الآخذة في الاتساع، وعن العنف اليومي والكراهية المتزايدة بين القبائل التي تشكل الإسرائيلية.
ذات يوم، أطلقوا على ذلك “الهجرة من البلاد”، وعندما أرادوا المجاملة أطلقوا على ذلك “هجرة العقول”. وقد صنفوا الذين قرروا بناء حياتهم في مكان آخر كخونة وأنانيين، غير مرتبطين بما فيه الكفاية بالوطن والأرض والجهد القومي والروح الإسرائيلية. ولكن الآن لا توجد محادثة في صالون إسرائيلي، بالتأكيد في السنة – السنتين الأخيرتين، لا سيما في “غوش دان”، لا تتضمن إعادة التموضع. أيال ودفنه ليسا مهاجرين من إسرائيل، وحاييم وعنات ليسا هاربين، هم ببساطة قرروا إعادة التموضع. سنتان – ثلاث، وربما عشر أو عشرين سنة، وسيعودون. إسرائيل هي الوطن.
في منتصف السبعينيات، عندما كانت إسرائيل تلعق جراح حرب يوم الغفران، أكثر المعارك فظاعة، تم قص ريش الإمبراطورية الفتية وأصبحت مجرد كيان سياسي آخر في الشرق الأوسط. الحكم يتفكك بعملية بطيئة، عمليات فساد يتم الكشف عنها، التضخم بدأ يرتفع، عشرات آلاف الشرقيين (حسب تقديرات أولية) – معظمهم عالقون ومهددون، أبناء غير شرعيين لـ “نحن الإسرائيلية” – قرروا اجتياز الخطوط وتحدي الصهيونية التي لفظتهم إلى الخارج في الأصل. وصل معظمهم إلى الولايات المتحدة، بلاد الفرص، وبنوا بيوتهم في نيويورك الكبرى أو في لوس أنجلوس، التي تحولت الضواحي فيها خلال عقد إلى مستوطنة إسرائيلية كبيرة، يجري فيها كل شيء بالعبرية وبمفاهيم السبعينيات.
في منتصف الثمانينيات، سافرت إلى نيويورك للمرة الأولى لزيارة والدتي، التي كانت هي أيضاً في طريقها، جزء من موجة الهجرة هذه التي في معظمها كانت شرقية. في شوارع بروكلين في تلك السنين، تحدث الجميع باللهجة الشرقية. ظهر شلومي شبات في النادي المحلي، في “دكان بات يم”، أو في “شباك واسع”، باعوا منتجات “عيليت” و”تنوفا” والفطائر، وجميعهم قرأوا “يديعوت أحرونوت” وكانوا معجبين بمناحيم بيغن. الطائفة الحريدية الأشكنازية المزدهرة، التي قامت بعد الحرب العالمية الثانية بدأت تختفي في بحر الشرقيين المحيطين بها. طابع يهود أمريكا تغير بدرجة كبيرة، حتى لو لم يكن لذلك أي تعبير في التمثيل أو في رواية المنظمات اليهودية، كما هو متوقع.
القلائل الذين فحصوا وحققوا في موجة الهجرة الشرقية الدراماتيكية هذه، على قناعة بأن السلطات الإسرائيلية شخصتها في الوقت الحقيقي، لكنها فضلت غض النظر. وبدلاً من تحول موجة الهجرة القبيحة إلى نقاش إسرائيلي مهم، الذي سيحل الفجوات الطائفية التي بدأت تطفو عند تشكيل “الفهود السود” في بداية السبعينيات، سماهم رئيس الحكومة إسحق رابين باستخفاف ظاهر “سقوط الجبناء”. الباحثون، بالمناسبة، غير مقتنعين بأنه كان سيسمي الطوائف اليهودية الأشكنازية التي اختارت مغادرة الدولة اليهودية بهذا الاسم.
من غير المؤكد أن موجة الهجرة التي تلوح في الأفق والخطيرة في أبعادها، ستكون شرقية هذه المرة. ومن غير المؤكد أن الطموح سيكون أمريكا. أصوات الهجرة آخذة في الازدياد، كما أشعر، بالأساس من شباب أنهوا الخدمة في الجيش، بالمناسبة معظمهم من الأشكنازية الذين يحلمون ببرلين وأثينا وسيدني.
أصوات الشرقيين تتحدث عن الحرب والاحتلال والانتصار، بالأساس بعد سقوط حكومة التغيير التي تعتبر أشكنازية. وأصوات الأشكنازية (والمتشكنزين) تتحدث عن اليأس، وتلوح بالشعار المتباكي “بلادي غيرت وجهها”. بالطبع كل ذلك كذب مطلق – الشرقيون لا ينتصرون، والأشكنازية بعيدون عن التنازل عن مواقع القوة – لكن ما دام اليأس يستفحل ثم نواصل نفيه، فسيكون التوجه نحو بن غوريون، أي مطار بن غوريون.
بقلم: رون كحليلي
هآرتس 26/6/2022