حكاية برّاد

كنت أجلس وأنا طفل صغير إلى جدّتي وهي تضع على كانون من الحطب برادا تطبخ فيه الشاي. كان البراد صينيّ الصنع أزرق اللون هذا طرازه وكانت تضع فيه الماء ثمّ الشاي ثمّ السكر، ويظلّ يغلي إلى أن يرتفع الغطاء قليلا ثمّ ينغلق وكانت توصيني، رحمة الله عليها، أن أتفقّده كي لا يفيض أو ينقص ماؤه، وكنت متيقظا أراقب البراد والنار تلاعبه وأنادي أحيانا جدّتي البعيدة كي تطمئن على البراد، أنا الذي كنت أودّ أن أطمئنّ عليها.
جزء من طمأنينة الصبا ومن طمأنينة العمر كله أن لا أسأل لمَ سمّي البراد برادا؟ ولماذا يكون برادا وتحيط به النار من بين يديه ومن خلفه؟ لقد كنت في مرحلة اكتشاف عمل الآلة، ولم يكن ذهني ليحرجني أو ليبلبل عليّ طمأنينتي بأن يسأل حول سرّ التسمية.
الشاي صينيّ الحقل والمنبت والبراد صيني الصنع والكأس الصغير الذي تسكب فيه جدّتي الشاي طرابلسيّ، هكذا كان يسمّى. طرابلس بعيدة عن بين جدي والصين أيضا، ولا تعنيني وقتها التفاصيل. حين درسنا في التعليم الابتدائيّ الحديث النبوي: اطلبوا العلم ولو في الصين، سمعنا أنّ الصين بعيدة من حديث «اطلبوا العلم ولو في الصين» لم يكن المعلم يعرف أين تقع الصين بالضبط، لم يكن يعنيه ولم يكن لدينا في المدرسة خرائط ولم نكن نعرف من الإيقونات غير صورنا الفوتوغرافية.
قبل أن أكتشف الصين على أنّه بلد صنّع البراد، كنت أستعمل اسم النسبة صينية للجفنة التي تكون أكبر من الصحن، وأعمق منه، والتي عادة ما يوضع فيها الأكل الجماعي الذي لم يكن يكفينا. لم أكن أعرف أنّ الصينية هي بنت الصين تماما، كما البراد الذي تخلص وهو يحمل اسمه من نسبته إلى هذا البلد.
ما أفعله الآن يا سادتي هو أني أكتب شيئا من الخواطر التاريخية باعتماد الأشياء وأسماء الأشياء، وبالارتكاز على وعيي اللغوي بها. الوعي اللغوي بالأشياء ليس مرتبطا بمدرسة ولا بتعليم ولا بتفكير لساني علمي، مثلما يعتقد أن هناك شيئا اليوم اسمه ورَلسانيّات العامة، وتعني مجالا من الدراسة ينظر في الكيفية التي يهتم بها الرجل البسيط باللغة حين تصف نفسها. يبدأ الوعي باللغة الواصفة لنفسها من السخرية من أسماء الآخرين، تنكيلا بهم أو من تمديح أسمائهم أو من تعليل تسمياتهم كما في قول الشاعر (وسميته يحيى ليحيا فلم يكن … لردّ قضاء الله فيه سبيل) فالتفكير في ربط الاسم بمعناه والاستفادة من ذلك المرجع على سبيل التفاؤل والشعور بالخيبة لفقده بالموت خيبة ومأساة، هو الذي يجعل المعاني تدور على رحى اللغة وتعيد اجترار نفسها وتأويل معانيها وربط تلكم المعاني بالمرجع.
أنا لا أنتظر من جدّتي أن تشرح لي لماذا سمّي إناء طبخ الشاي برادا، تسمية بالخلف، ولا أذكر أنّها حدّثتني عن شيء كهذا. قد يقول الناس إنّه ليس من المفكّر فيه أن تعلق جدّتي على التسمية، أنا لا أوافق هذا التمشّي لأنّ الوقائع تكذبه. حين عرضت علينا أفلام ومسلسلات عربية، اكتشفنا أنّ اسم براد يطلق في لهجات عربية على الثلاجة أو الفريزر، واكتشفنا أنّ لكلّ برّاده وأنّ البراد الذي نسمي به أداة طبخ الشاي يسمّي به أخوتنا في دول شقيقة أخرى الأثاث، الذي يشبه الخزانة والذي يستعمل للتبريد، وتحفظ فيه المواد التي يخشى عليها من تلف الحرارة الطبيعية. من الممكن لجدّتي التي تكتشف أنّ البراد يطلق على غير آلة الشاي لديها أن يثير فيها ذلك استغرابا، قد يقودها إلى التعليق على الفرق وربما قادها الأمر إلى اكتشاف العلاقة التحفيزية، أو التبريرية التي تربط بين التبريد والبراد، وهي علاقة مقابلة ونقيضة لما بين الآلة والطبخ والنار.

قولنا براد الخزف وبراد النحاس، أو غيرهما، هي تسميات تخصص الأداة باستعمال المادة التي صنع منها ولم يكن من الممكن أن تتحدث عن هذه الأدوات إلا بربط التسمية بما يعللها أي بتاريخها.

يبدو التحفيز أكثر عملا في إسناد اسم البراد للثلاجة، أكثر من إسناده لاسم آلة طبخ الشاي، ويبقى القول إنّ للعرب أن تسمي الشيء بمقابله قائما، كأن يسند العرب القدامى اسم الجون للأبيض والأسود، لكن تعليلا كهذا يمكن أن يقنع دارس اللغة، ولا يقنع عاميا يريد أن يعرف لمَ سمى التونسيون البراد كذلك، والحال أنه سخان. لا أحد يعرف من الذي سمى من التونسيين أول مرة البراد كذاك، وكيف وافقه التونسيون على أن يسموه كذلك. لا شك في أن هناك سببا وجيها في المسألة له علاقة بالتبريد والبرد، من نوع أن تلك الآلة التي بات يطبخ فيها الشاي كانت تستعمل لما بعد طهي الشاي، بأن يطهى في آلة أخرى ثمّ يسكب في البراد كي تنكسر حرارته، ويسكب منه في كأس الشاي الطرابلسي بعد أن يقبله الكأس فلا ينكسر، ويقبله اللسان فلا يكتوي. يمكن أن يكون هذا قد حدث في عصر التعامل الأول مع هذه الآلة النادرة، التي تشبه في شكلها الإبريق الذي يجعل كي يسكب منه ولا يطبخ فيه ثم لما كثرت الآلة ومال المرء إلى الاختزال استعمله للطبخ والشرب معا، وحافظ على اسمه الأصلي وإن تعددت وظيفته.
كانت الصين من القديم مصدرا لكثير من البضاعة التي تصل إلى العرب حيثما كانوا، ولا شك في أن البضاعة الصينية التي كانت تأتي من بعيد باهظة الثمن قبل أن تغزو الأسواق اليوم بكثرتها، كان البراد في أول عهد الناس به بضاعة لا يملكها إلا البورجوازيون أو الأرستقراطيون، بينما كان الفخار مادة آلات المطبخ لدى العامة، فمن الممكن أنّ البراد كان طينيا وكان يستعمل لكي يبرد فيه الشاي.
قولنا براد الخزف وبراد النحاس، أو غيرهما، هي تسميات تخصص الأداة باستعمال المادة التي صنع منها ولم يكن من الممكن أن تتحدث عن هذه الأدوات إلا بربط التسمية بما يعللها أي بتاريخها، في هذا السياق يقول أندريه جيد الأديب الفرنسي المتوج بجائزة نوبل، «يعتقد أنه يجب أن يغلي إبريق الشاي الخزفي قبل استخدامه… ألم يتعلم أن الماء المغلي يخاطر بكسر الزجاج؟» لو غيرنا «إبريق « ببراد لأضفينا على النصّ ضربا من الأدبية آخر، يمكن أن نجدها في التقابل بين الإغلاء والإحماء من ناحية واسم الآلة من ناحية أخرى، فالتسمية يمكن أن تكون سمة لها قيمة أدبية مهمة. يضاف إلى ذلك أن الإحماء في البراد عملية عبثية طالما أنها يمكن أن تقود إلى كسر الزجاج الذي سيسكب فيه الشاي، عندئذ لا يقوم البراد بوظيفته إلا إذا كان برادا. العبث في طبخ الشاي أو القهوة أنهما لا يطبخان، بل ينبغي في كثير من الأحيان أن يخلطا بالماء المغلي، وأن يوضعا في براد قبل أن يشربا إلا أن هذه مسألة ثقافية.
لقد كان حديثنا عن البراد أعلاه حديثا لغويا يبحث في دلالة الاسم وعلاقته بالمسمى، وليس غرضنا أن نبين أن من سمى الفريزر برادا كان على صواب، وأن من سمى به إبريق الشاي كان على خطأ، الخطأ يبدأ في الحكم الاجتماعي أو الثقافي على البراد، هل يمكن لثقافتك أن تبيح إقراض البراد أو تمنعه، وهذا ما نسمعه على لسان فرويد إذ يقول: «لكن، أيها القاضي، من الخطأ أنني اقترضت إبريق الشاي هذا من جاري؛ إلى جانب ذلك، كان فيه ثقب عندما أقرضه لي، وفي النهاية، كان في حالة ممتازة عندما أعدته إليه». هل ينبغي أن نقرض البراد؟ أم هو مما يمنع؟ وإن منعنا الماعون هل نكون أشرارا وهل إذا منعنا برادا مثقوبا عن جار سيستعمله ليصلحه نكون مذنبين؟ هذه أسئلة ثقافية لها صلة بالآلة وقد يكون لها صلة باسمها، كأن نعتبر البراد ماعونا يمكن أن يقرض ويمكن أن يمنع.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية